English

 

الثلاثاء. فبراير. 24, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » مصر

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

القضاة و"نور".. تهيئة المسرح للانتخابات القادمة

محمد جمال عرفة

Image
أيمن نور
يبدو أن العقبة الرئيسية التي كانت تواجه حكومة الحزب الوطني الحاكم في مصر منذ سيطرة ما سمي "تيار الاستقلال" على نادي قضاة مصر، والذي كشف في تقارير رسمية تزوير الانتخابات، قد أزيلت بعدما نجح التيار الموالي للحكومة في الفوز بأغلبية مقاعد النادي (11 مقابل 4) بفعل التدخلات الحكومية، ومن ثم بات المسرح مهيئا للانتخابات البرلمانية (2010) والرئاسية (2011) القادمة بدون ضجيج.

ويبدو أن عودة نادي قضاة مصر لأحضان النظام مجددا، ليصبح ابنا بارا للحزب الحاكم بعد سبع سنوات ظل خلالها النادي مطلع الحالمين بالتغيير في مختلف مدن مصر وقراها على حد سواء، وقبلة المعارضين الذين يطلبون الإصلاح، قد قضت على معقل المعارضة الرئيسي الأقوى للنظام وأزاحت عبأ كبيرا عن كاهله، خاصة أن التيار الإصلاحي القضائي قد أزعج النظام كثيرا بتقاريره التي تفضح التزوير ونزوله عدة مرات للشارع محتجا، علاوة على تهديده بطلب إشراف دولي على الانتخابات في مصر.

ومن الواضح كذلك أن الخطوات التي اتبعها النظام مع عدد من المعارضين السياسيين البارزين تؤشر لإعداد المسرح لانتخابات 2010 البرلمانية، والأهم انتخابات 2011 الرئاسية.

وضمن ترتيب هذه الملفات تأتي كل من قضية إطلاق سراح أيمن نور، رئيس حزب الغد الليبرالي، والحكم بسجن مجدي حسين، أمين عام حزب العمل (الإسلامي)، وذلك لإبعاد العناصر التي تهاجم التوريث، وتحييد العناصر الليبرالية، التي احترقت صورتها فعليا في مسلسل الخلاف المصري – الأمريكي، مع تولي إدارة ديمقراطية أكثر تدقيقا في التعامل مع مصر "ديمقراطيا".

فمع أن هناك لغطا يدور بشأن احتمالات أن يكون إطلاق نور جاء في إطار صفقة سياسية لا يرشح نفسه بمقتضاها في انتخابات الرئاسة والاكتفاء بالانتخابات التشريعية، فهناك بالمقابل تكهنات بأن النظام مهموم أكثر، ضمن سيناريو فيلم التوريث الذي يجري الإعداد لإخراجه، بشخصيات أكثر وزنا وثقلا ترشحها المعارضة للرئاسة عام 2011، خاصة الدكتور محمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي طالب في حوار مع قناة دريم 13 فبراير 2009 بوضع دستور جديد يحدد مدة الرئاسة، ويتيح الفرصة لكافة الطوائف للمشاركة في العملية السياسية، وفيها الإخوان المسلمون، وهي التصريحات التي أقلقت النظام، وهناك أيضا المستشار هشام البسطويسى، نائب رئيس محكمة النقض، الذي قد يكون ترشيحه هو أو المستشار الخضيري خيارا محتملا لتيار الاستقلال القضائي بعد خسارته معركة نادي القضاة أمام التدخل الحكومي بأشكال مختلفة.

تفريغ بالونة القضاة

في أعقاب الخطوات الإصلاحية التي أعلن عنها الرئيس المصري مبارك في 26 فبراير 2005 تحت ضغوط المعارضة وقوى المجتمع المدني، والتي تمثلت في تعديلات دستورية تسمح بانتخابات رئاسية تعددية للمرة الأولى في تاريخ مصر، حدثت حالة من التمدد الإصلاحي والضغوط الشعبية – بل الدولية - على النظام، ونتج عنها السماح بقدر من الحرية في المرحلة الأولى من انتخابات 2005، ووصول 110 نواب معارضين للبرلمان، بينهم 88 من نواب جماعة الإخوان المسلمين.

ولكن سرعان ما استفاق النظام والقوى الدولية الضاغطة (التخوف الأمريكي من فوز الإسلاميين تحديدا)، ومن ثم بدأت سلسلة من التضييقات على الحريات والديمقراطية لتلافي آثار هذا "الانفلات الديمقراطي" – إن جاز التعبير– خاصة أنه جاء في صالح الإسلاميين، ومحاصرة المعارضة على كافة الأصعدة (المجتمع المدني – الأحزاب – النقابات – القضاة)، وهو ما ظهرت أماراته في تعديلات 2007 الدستورية التي أجهضت عمليا تعديلات 2005 وطموحات المعارضة وزادت قيود الحريات على الأفراد والأحزاب والمجتمع المدني.

وكان من أبرز التحركات الحكومية في هذا الصدد محاولة "ترويض القضاة" تارة بتمسك الحكومة المصرية بالنص الأصلي لمشروع قانون السلطة القضائية لعام 2006، ورفض حتى التعديلات الشكلية التي أقرها مجلس الشعب (البرلمان) على عدد من مواده، بل فشل القضاة في تحقيق (9) من مطالبهم في هذا القانون، كما تزايدت التدخلات الحكومية في شئون نادي القضاة من خلال سياسة العصا والجزرة والمنح والمنع.

وكان أكثر ما أقلق النظام أن رموز القضاة من قادة نادي القضاء، والتي ظهرت خلال الأزمات المختلفة، ظهرت أمام الرأي العام المصري كبديل سياسي قوي ومحايد يقود عملية التغيير والإصلاح السياسي في مواجهة جمود السلطة التنفيذية، وطرحت بعض القوى السياسية فكرة ترشيح أحد هذه الرموز في انتخابات الرئاسة المقبلة عام 2011، ما يعني الخروج بمفهوم قيادة الإصلاح والتغيير عن الرموز السياسية المعروفة والمتداولة إلى رموز قضائية أو مهنية (تكنوقراطية) أخرى.

ولم يقتصر الأمر على القضاة، فالتضييق والتراجع عن هامش الحريات الضيق الذي أتيح فقط خلال أواخر 2005 وأوائل 2006، نال القوى المعارضة، وخصوصا جماعة الإخوان وحركة "كفاية"، والأخيرة كانت الخاسر الأكبر منه لضعف هياكلها وعضويتها، فيما كان الإخوان أبرز المتأثرين والمتضررين في عملية تصفية الحسابات، وهو ما ظهر في الاعتقالات المتتالية التي تعرضوا لها.

ولم يقتصر الأمر على ترويض القضاء ونزع مكامن القوة منهم، ضمن عملية امتصاص حالة الحراك السياسي وإجهاض قضية الإصلاح والتغيير وإعداد المسرح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة، وإنما امتد لإزالة هذه القوى المتزعمة للإصلاح والتغيير داخل نوادي القضاة، فبدأت تجربة التدخل الحكومي بسياسات المنع والمنح بنادي قضاة الإسكندرية عبر دعم القضاة المناوئين لرئيس النادي السابق المستشار محمود الخضيري ونزع رئاسة وأغلبية عضوية المجلس من هذا التيار الإصلاحي، ثم الانتقال بقوة دفع حكومية أكبر للنادي الرئيسي في القاهرة وزيادة حوافز القضاة الموالين لإعادة النادي للحظيرة الحكومية وإبعاد رموز الإصلاح عن قيادته.

وقد سجل هذه التجاوزات في انتخابات القضاة الأخيرة "مرصد حالة الديمقراطية" التابع لجمعية النهوض بالمشاركة المجتمعية والمؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان.

وظهر هذا من خلال تصريحات قادة التيار الإصلاحي المستقل بقول المستشار الخضيري إن انتخابات نادي قضاة القاهرة يوم 13 فبراير 2009 "شهدت تدخلا إداريا رهيبا واستخدام إستراتيجية سيف المعز وذهبه لإنهاء سيطرة تيار الاستقلال على النادي"، وقول المستشار زكريا عبد العزيز رئيس النادي السابق إن المعركة بين الفريقين "لم تكن بأي حال من الأحوال متكافئة".

وأيا كان الأمر فقد تحقق الهدف الحكومي بتفريغ بالونة القضاة وعودة التشكيلات القضائية إلى الحظيرة الحكومية ومبدأ عدم تدخل القضاة في العمل السياسي.

خطوات التراجع

والحقيقة أن الوصول إلى مرحلة إبعاد القضاة الإصلاحيين عن رئاسة نوادي القضاة بغرض إجهاض خططهم في شأن الرقابة على الانتخابات العامة وفضح التزوير فيها أخذ خطوات جدية منذ إصدار نادي قضاة مصر تقريرا عقب انتخابات الرئاسة عام 2005، التي فاز فيها الرئيس حسني مبارك على تسعة مرشحين آخرين وحصل على 90%، والذي أكد أن "شروط النزاهة غابت عن انتخابات الرئاسة".

فهذا التقرير أزعج السلطة بدرجة كبيرة، وبشكل خاص بعدما انتظم النادي في إصدار تقارير تنتقد وتهاجم التزوير في الانتخابات اللاحقة، ووصل الأمر لحد تسريب أسماء قضاة "مزورين" للصحف، والتهديد بطلب إشراف دولي على الانتخابات، ومنذ ذلك الحين بدأت خطط تفريغ فقاعة القضاة، والتراجع عموما عن خطوات الإصلاح.

وكان أبرز خطوات التراجع هذه التعديلات الـ33 التي شهدها الدستور عام 2007، والتي نالت قوانين الأحزاب ومباشرة الحقوق السياسية ومجلس الشعب وتقنين المحاكم العسكرية وغيرها، وبعضها أطاح تماما بالإشراف القضائي على الانتخابات عن طريق إبداله بلجان قضائية تضم قضاة وغير قضاة تحت إشراف السلطة التنفيذية.

وقد ظهرت آثار هذه التعديلات "الانكماشية" للعملية الديمقراطية في نتائج انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى والمجالس الشعبية المحلية التي جرت 2008، وخلت تقريبا من المنافسة الجدية أو الإشراف القضائي الحقيقي، وكان منع المعارضين فيها، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، يجري من المنبع بمنعهم من تقديم أوراق ترشيحهم أصلا في لجان الترشيح حتى بلغ عدد مرشحي الإخوان الفعليين 21 مرشحا من أصل 10 آلاف كانوا يستهدفون التنافس على أكثر من 50 ألف مقعد.

وكانت آخر خطوات تهيئة المسرح لانتخابات 2010 و2011 تدشين قانون مكافحة الإرهاب البديل عن حالة الطوارئ، والذي أعطي سلطات موسعة رجال الشرطة في تعقب المعارضين السياسيين واعتقالهم على حساب القضاء.

أربعة احتمالات تفسر الإفراج عن نور

وضمن عملية إعداد المسرح السياسي لانتخابات الرئاسة عام 2011 المرشح لها بقوة جمال مبارك نجل الرئيس المصري، قرأ البعض قرار النائب العام المصري المفاجئ بـ"الإفراج الصحي" عن زعيم حزب "الغد" أيمن نور، في سياق التساؤلات حول أسبابه الحقيقية.

ونشير هنا لأربعة تكهنات راجت حول واقعة إطلاق أيمن نور:

الأول: أن نور أطلق سراحه بصورة عادية بعد قضائه ثلاث سنوات وثلاثة أشهر و١٣ يوما منذ إدانته في قضية تزوير توكيلات تأسيس الحزب، والحكم عليه بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، وأنه لا توجد أي صفقات سياسية لأن تهمته في جناية مخلة بالشرف، وهى التزوير، تمنعه من أي ممارسة سياسية إلا بعد رد اعتباره بقرار قضائي ربما بعد خمس سنوات ما لم يصدر حكم قضائي آخر يسمح له بالممارسة السياسية.

الثاني: أن نور أطلق سراحه بموجب صفقة سياسية مع السلطة في مصر بما يسمح له بالترشح مستقبلا، والتخلي عن التنافس في الانتخابات الرئاسية 2011.

الثالث: أن يكون إطلاق أيمن نور جاء كبادرة حسن نية من جانب القاهرة لإدارة الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما، خاصة أن الديمقراطيين يضغطون على القاهرة غالبا بملفي الحريات وحقوق الإنسان، وللتمهيد أيضا لزيارة مرتقبة للرئيس مبارك لأمريكا بدليل قول صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية قبل يومين فقط من إطلاق نور إن الترحيب بالرئيس مبارك في البيت الأبيض مرتبط بإسقاط الاتهامات الموجهة للدكتور أيمن نور والإفراج عنه،
وكذلك الأمر بالنسبة للناشط الحقوقي المصري سعد الدين إبراهيم، معتبرة هذه الخطوات هي السبيل الوحيد أمام الرئيس مبارك لتحسين علاقته بأمريكا.

الرابع: أن القاهرة أطلقت سراح أيمن نور خشية انتقال قضيته إلى المحكمة الجنائية الدولية بعدما لعب أيمن ومناصروه في الخارج بهذه الورقة، ففي أكتوبر الماضي أدلى نور بتصريحات من سجنه لوكالة الأنباء الألمانية قال فيها إن قرارا وصفه بأنه "مفاجأة" سيصدر بشأنه من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وأنه سيخرج من السجن بقوة القانون في يوليو 2009، ولن يترك الساحة السياسية.

ومع احتمال أن يكون الهدف الثالث هو الأرجح، فإنه لا يمكن تجاهل أن ثمة رابطا بين إطلاق نور وإعداد المسرح لسيناريو التوريث وانتخابات 2011، خاصة أن مسالة منع أو السماح لنور بالمشاركة فيها لا تزال مرهونة بيد الحكومة التي تستطيع منعه قانونا بحكم أنه أدين في تهمة مخلة بالشرف، وهي التزوير، ومحظور عليه الترشح، أو تسمح له بالطعن على هذا المنع وتيسره قضائيا في حالة "الصفقة"، بحيث يسمح له بالمشاركة في هذه الانتخابات 2011 مع غيره من المرشحين، كما فعل في انتخابات 2005 ضمن تسعة مرشحين منافسين للرئيس مبارك، لعدم إعطائه وأنصاره فرصة الادعاء أن النظام يمنع نور من الترشح في هذه الانتخابات وإثارة ضجة مفتعلة، ولإعطاء هذه الانتخابات زخما سياسيا بصورة تظهر من سيفوز فيها (الرئيس مبارك مرة أخرى أو نجله غالبا) متفوقا على خصومه السياسيين الليبراليين بجدارة.

نجاح السلطة في ترويض القضاة أخيرا ودخول عقر دارهم، إضافة لتصفية ملفات معارضين سياسيين، ومن قبل ضبط الساحة التشريعية والسياسية.. كلها عوامل تسهم في إعداد المسرح لانتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل والذي يليه بما لا يزعج السلطة.


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات