|
| الأسد في لقائه مع السيناتور الديمقراطي جون كيري |
يبدو أن ملحمة جنوب لبنان كسرت الجليد الإقليمي والدولي حول سوريا، وأن ملحمة الفرقان في قطاع غزة بدأت تذيبه، فعلى الصعيد الإقليمي بدأ تواصل مبدئي تحت عنوان المصالحات العربية-العربية، قد يسفر عن قمة ثلاثية تعيد العلاقات السورية مع السعودية ومصر إلى ما كانت عليه قبل الأزمة الحالية، كما بدأ على الصعيد الدولي تواصل جديد يسجل كيف تحولت القوى الدولية من العمل من أجل "حصار سوريا" إلى العمل من أجل إعادة العلاقات معها إلى مجرى "طبيعي"؟، وهذا ما يسري على فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية تخصيصا، وهما الدولتان اللتان تزعمتا العمل لممارسة الحصار والضغوط.
هدف سياسي ثابت ووسائل متعددة
ما هو الهدف من الانفتاح على سوريا؟ وهل يختلف عما كان عليه الهدف من الضغوط؟
إذا كان من وصف دقيق للهدف من هذا التحول في التعامل مع سوريا فهو ما عبرت عنه مفوضة الشئون الخارجية للاتحاد الأوروبي "بينيتا فيريرو فالدنر" باستشهادها بالمقولة المشهورة على بعض الألسنة العربية "لا حرب دون مصر ولا سلام دون سوريا"، وقد أضافت قولها "إن هذا ما يؤكد أهمية سوريا إقليميا".
وإذا أضفنا إلى هذا الموقف الأوروبي ما صدر عن "وفود" الكونجرس الأمريكي من مطالب تكرر ما كان في عهد بوش الابن دون تبديل ولا تعديل يذكر، وهي التي تصب في اتجاه التخلص مما يسمى بمحور الممانعة بين إيران وسوريا، والمقاومة الفلسطينية واللبنانية، واستكمال ما يسمى بمسيرة التسويات السلمية، يتضح للعيان أن المطلوب هو الوصول عبر سياسة انفراج العلاقات إلى ما لم يتم الوصول إليه عبر سياسات الضغوط، هذا مع ملاحظة عدم الاستغناء عن الضغوط تماما.
فالباب الخلفي إليها يبقى مفتوحا، والشاهد على ذلك ما يصدر مجددا من تقارير ومواقف مبهمة مبدئيا عن الوكالة الدولية للطاقة وسواها بشأن صناعة أسلحة دمار شامل في سوريا، وبالتالي قابلية توظيف ذلك في اللحظة المناسبة لتوجيه العلاقات وجهة أخرى.
إن جوهر الوضع الجديد هو السعي للمضي "مع" سوريا، بدلا من المضي "رغما" عنها، باتجاه تسوية سلمية، بات واضحا أنها لا تعني في نهاية المطاف سوى تصفية قضية فلسطين.
أركان سياسات الممانعة السورية
السؤال الحاسم ليس ما يراد صنعه مع سوريا، بل ما الذي ستكون عليه السياسة السورية تجاه ذلك، هل يمكن أن تلبي وديا ما لم تقدمه عدائيا؟
يجب أن يكون الجواب المطلوب بعيدا عن كلام دعائي دفاعي، وإن أعطي صبغة تحليلات "خبراء" من داخل سوريا في بعض الفضائيات، وهو جواب يقوم على الإشادة دون انقطاع، والقول إن هذا مستحيل وكفى، وتأكيد على أن مَن لم يخضع للضغوط الخانقة لا يخضع لعناق خانق، فلسوريا مواقف وثوابت مبدئية لا تتحول عنها، هذا بغض النظر عما تعنيه كلمات "مواقف وثوابت" من جهة، وعدم التهوين من جهة أخرى من شأن "العقبة" السورية تاريخيا في وجه المضي بقضية فلسطين والمنطقة إلى حضيض أعمق مما وصلت إليه في هذه الأثناء.
كما يجب أن يكون الجواب المطلوب بعيدا عن كلام دعائي معارض، من قبيل أن النظام لا يتورع عن شيء، وأن قضية فلسطين مجرد ورقة سياسية لتثبيت نفسه، وأن التعاون مع المخابرات الأمريكية شاهد ضده، وأن المفاوضات غير المباشرة مع الإسرائيليين مؤخرا دليل على استعداده للانخراط في طريق التسوية والتصفية، وحتى القول إن من سلم الجولان بدون حرب يمكن أن يسلم فلسطين وسواها ليستعيد الجولان.
ليست السياسات السورية بشأن قضية فلسطين "غامضة"، بل واضحة من خلال عدد من الأركان الثابتة التي تقوم عليها، وفي مقدمتها:
1- جميع المحطات العربية الرئيسية على منحدر ما يسمى مبادرات السلام بمضمونٍ يعني تصفية القضية كانت بمشاركة رسمية سورية، بدءا بقمة فاس 1982م، مرورا بمؤتمر مدريد عام 1991م، انتهاء بمبادرة قمة بيروت عام 2004م.
2- افتراق سوريا رسميا عمن مضى شوطا أبعد على هذا الطريق، وعلى وجه التحديد اتفاقات كامب ديفيد عام 1978م واتفاق أوسلو عام 1993م، لم يكن، وفق الاعتراضات والتعليلات الرسمية، قائما على رفض ما صنع من حيث المبدأ، بل على رفض الطريق "الانفرادي" الذي سلكه مسئولون من مصر ومسئولون من فلسطين.
3- سلوك سوريا الطريق الانفرادي لتسوية وسلام وتطبيع (بغض النظر عن العناوين) لم يكن "لاحقا" من محرمات السياسة السورية، بل كان السير عليه واضحا مرتين على الأقل، أولاهما في عهد حافظ الأسد وانتهى في قمة جنيف السورية-الأمريكية واقعيا، والثانية في عهد بشار الأسد بوساطة تركية وانتهى بالعدوان الأخير على قطاع غزة، وفي الحالتين كان المانع من استكمال الطريق تعنت إسرائيلي تقليدي، فالمفاوضات بحد ذاتها هدف إسرائيلي مثله مثل عدم الوصول بها إلى النتيجة المتوافقة مع الغرض المتوخى شكليا من إجرائها.
بالمقابل ليست السياسات السورية التي شاع تعبير الممانعة في وصفها غامضة، ولا علاقة لها في قضية فلسطين بالهدف الأصيل الذي تتمسك به منظمات المقاومة الفلسطينية بشأن رفض "الاعتراف" الذي يعني التخلي الرسمي عن أرض نكبة 1948م، وبالتالي التمسك بحق "عودة الأرض" و"عودة الشعب"، بل تقوم سياسات "الممانعة" أيضا على أركان ثابتة، في مقدمتها:
1- الانطلاق من حدود 1967م، وعلى وجه التحديد ما يتعلق بالجولان المحتل، ورفض تسوية تتضمن من الإجراءات ما يجعل تحرير الجولان كتحرير سيناء عبر كامب ديفيد، أي دون سيادة على الأرض وفي الأجواء، وبقيود تمنع إعطاء العلاقات مع "أشقاء عرب" الأولوية على العلاقات مع "الطرف الإسرائيلي".
2- الوضع المتميز لمزارع شبعا نتيجة تميز العلاقات السورية اللبنانية، يثبت مقولة الانطلاق من حدود 1967م، ولكن لا يسري بصورة مشابهة من حيث ربط تسوية سورية-إسرائيلية بمستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة والانطلاق بصددها من حدود 1967م على الأقل.
3- العلاقات السورية مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية ومع إيران وحديثا مع تركيا، تقوم على إيجاد ما يسمى عادة "العمق الإستراتيجي" البديل لسياسات الممانعة السورية، بعد ضياع "العمق الإستراتيجي" العربي وتضييعه.
تبعا لما سبق يمكن أن تتحقق استعادة الجولان عبر المفاوضات حتى حدود 1967م، وهو أمر ليس مستحيل التحقيق من المنظور الإسرائيلي والدولي، فيصبح هذا كافيا للسياسة السورية لتمضي على طريق "التصفية العربية" لقضية فلسطين.
احتمالات وتطلعات مستقبلية
صحيح أن العلاقات بالمقاومة وإيران توضع حاليا في مقدمة ما يجري الأخذ والرد حوله في علاقات الضغوط وعلاقات الانفتاح الدولية والإقليمية تجاه سوريا، ولكن يعلم الجانبان أن استعادة الجولان على وجه الاحتمال، وتحقيق "السلام" آنذاك وفق مقولة "لا سلام دون سوريا" يمكن أن يوجد أوضاعا إقليمية جديدة، تعيد لسوريا البعد "الإستراتيجي" العربي القائم على أنقاض قضية فلسطين نفسها، بتصفيتها، فيسقط ما يسمى محور الممانعة آنذاك تلقائيا لزوال مسوغاته وأغراضه، ودون استهدافه بصورة مباشرة عن طريق نزاعات المحاور والضغوط الدولية.
ويعني ما سبق عدم زوال الخطر على سوريا أو الخطر من داخل سوريا، أن تتحول سياسات الممانعة إلى سياسات مشاركة في تصفية قضية فلسطين، والمشاركة في نشأة منظومة عربية بديلة عن منظومة بدأت بعد الاستقلال وانتهت إلى عودة الاحتلال بأشكال ودرجات مختلفة.
إن التركيز على سوريا من قبل عبر الضغوط، ومن بعد عبر الانفتاح وجهان لعملة واحدة تعني أن العجز الصهيوني والأمريكي عن الحد من تنامي قوة جناحين إقليميين جديدين نسبيا، هما إيران والمقاومة، يدفع إلى محاولة التخلص من الركيزة السورية التي تمثل أهم الركائز التي يعتمد عليها هذان الجناحان حتى الآن، وهذا هو الهدف السياسي الثابت غربيا وإسرائيليا، وهو المدخل للالتفات في مرحلة تالية إلى هذين الجناحين في ظل أوضاع جديدة.
والفارق كبير بين أن تنطلق السياسة السورية في هذه المرحلة:
1- من توظيف مكاسب تحققت لمحور الممانعة ورقة لتحقيق هدف سوري محدد فحسب، هو استعادة الجولان وفق أركان السياسات السورية المذكورة آنفا.
2- أو من أرضية تلك المكاسب، لتنميتها والانتقال بها إلى مرحلة جديدة بأهداف مرحلية تالية.
الفارق الكبير بين هذا وذاك مرتبط بمستقبل المنطقة بمجموعها، فالطريق الأول ينهي الممانعة ويفتح أبواب مرحلة تالية على طريق تصفية قضية فلسطين، وتتحول مقولة "لا سلام دون سوريا" إلى مقولة "سلام وتطبيع وتصفية مع سوريا"، بينما يعني الطريق الثاني استمرار الصراع التاريخي في المنطقة، والعودة به إلى منطلقاته الأولى، وصورته الواقعية، حضاريا وسياسيا وأمنيا واقتصاديا، باعتباره صراع وجود وليس صراع حدود، فتبدأ مرحلة أخرى على هذا الطريق، بمنطلقات جديدة، أفضل مما كان عليه الوضع في حقبة نكبات 1948 و1967 و1978م، العسكرية والسياسية.
أوراق السياسة السورية في هذه الحالة ليست "سورية" محضة، بل قائمة على معالم تبدل جديد في الأوضاع الإقليمية بمجموعها، وقائمة على قابلية التلاقي على أرضية جديدة -ما زالت مغيبة- بين الأنظمة والشعوب، بعد أن أظهرت الشعوب مع ملحمة الفرقان في غزة درجة من الوعي والاستعداد للتحرك، بصورة غير مسبوقة منذ فترة طويلة.
والركيزة الشعبية هذه تتطلب من سوريا تحديدا أن تسبق سواها داخليا في ردم الهوة الفاصلة بين الأنظمة والشعوب، فالتلاقي على الأهداف المشتركة تجاه أخطار خارجية لا يكتمل دون التلاقي المصيري بين الإرادة الشعبية والإرادة السياسية.
السؤال ما إذا كان المسئولون في سوريا على استعداد للإصلاح والتغيير الجذري الشامل داخليا، كان مفتوحا وما زال مفتوحا حتى الآن، ولا يجاب دون خطوات حاسمة وشاملة واضحة للعيان؟.
أما احتمال توظيف المكاسب الحالية على طريق التصفية لقضية فلسطين فيعني أن يتحول الضياع الإقليمي الكبير حاليا إلى ضياع شامل، وأن تبدأ الفوضى "الخلاقة" الهدامة التي أوجدها عهد بوش الابن، بإعطاء ثمارها ذات العواقب الوخيمة في عهد خلفه.
إنما سيبقى آنذاك ما لا تغيره السياسات السورية وسواها، وفي مقدمته أن المقاومة المحتضنة شعبيا شبت عن طوق الاحتواء، وأن محاولة التضحية بها لأي هدف جانبي، لن تسفر إلا عن ولادة المزيد من أشكالها ومضاعفة عنفوانها، كما لم تعد الصحوة الشعبية قابلة للانحراف بها في اتجاه معاكس لتطلعات الشعوب، فإن أوجدت مسيرة التصفية مزيدا من العقبات في وجهها الآن، فلن يمنع ذلك من جرف تلك العقبات ومن يصنعها في قادم الأيام.
وقد أثبتت أحداث قضية فلسطين من قبل 1967م ومن بعد، أنها قضية أجيال، وليس قضية أنظمة واتفاقات، أو منظمات وانحرافات، أو عروض سلام ومبادرات، أو جولات عسكرية تفتقر إلى التعبئة الشعبية الواجبة، فتصنف نتائجها ما بين نكسات وهزائم ونكبات، ولا يمكن لقضية الأجيال أن تنتهي بالتصفية، إلا تحريرا للأرض والشعب والسيادة، وفق الإرادة الشعبية المتوارثة جيلا بعد جيل.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|