|
| جانب من الندوة |
"ليس المهم أن تكون القطة سوداء أو بيضاء، المهم أن تأكل الفئران"، هذا المثل ربما يدور الآن بذهن الكثيرين من شعوب العالم الذين ضربتهم عاصفة "الأزمة المالية العالمية"؛ حيث لن يعنيهم قليلا أو كثيرا أن تستخدم حكومات دولهم سياسة رأسمالية أو اشتراكية، أو ربما مزيجا من الاثنتين معا، بل المهم أن تخرجهم حكوماتهم من أزمة جرفت معها نظما اقتصادية عالمية، كما جرَّت بالتوالي معها إلى الانحدار أنظمة اقتصادية ضعيفة.
هذا الطرح ربما يخالف قليلا ما تم تناوله في الندوة التي عقدها المنتدى الثقافي للشباب بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أمس الأربعاء؛ حيث اختلف الدكتور عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، وأحمد السيد النجار رئيس تحرير تقرير الاتجاهات الاقتصادية والإستراتيجية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في العوامل والآليات المقترحة للخروج من الأزمة، بينما اتفقا على الأسباب التي أدت إلى نشأة الأزمة المالية واستفحالها في الخريطة العالمية، ومن ثم تأثيراتها على العالمين العربي والإسلامي.
تحالف المال والسلطة
وصف الدكتور النجار أزمة الكساد العظيم التي وقعت بثلاثينيات القرن الماضي بأنها "لعب عيال" إذا ما قورنت بالأزمة المالية الحالية، واصفا السبب في تردي وضع الأمة الأمريكية في أواخر عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته بأنه جاء نتيجة تكبر الحكومة والإدارة الأمريكية حينها عن التدخل لإنقاذ المؤسسات المصرفية والعقارية المنهارة، وتمردها على اتخاذ سياسات تناقض السياسات الرأسمالية، وهو ما تفاقمت معه الأزمة حينها.
بينما تدخلت الإدارة الحالية، والتي وصفها بأنها "يمينية متطرفة" لإنقاذ المؤسسات والشركات الأمريكية المنهارة، ضاربة بالسياسات والأيديولوجيا التي تؤمن بها عرض الحائط.
واعتبر النجار أن أحد أهم أسباب هذه الأزمة، هو تحالف رأس المال مع السلطة، وظهور مستويات من الفساد الإداري غير المسبوق في التاريخ الأمريكي، ربما تفوق حتى مستوى الفساد الموجود بأنظمة بعض بلدان العالم الثالث.
حيث أشار إلى أن أركان الإدارة الأمريكية السابقة هم رجال أعمال في الأساس جاءوا من مجالس إدارات شركات كبرى، وبالخصوص من شركات نفط أمريكية، توازت مصالحهم الاقتصادية مع مصالحهم السياسية.
وأكد النجار أن زواج السلطة بالثروة -وهو النموذج الذي يراه يطبق في مصر حاليا- هو سبب رئيسي لهذا الفساد الذي تراكم في الإدارة الأمريكية السابقة التي خلفت وراءها عجزا في الميزانية قدر بـ455 مليار دولار، في الوقت الذي ورث بوش حين مجيئه للسلطة فائضا في الميزانية يصل إلى 254 مليار دولار.
واعتبر النجار أن سيطرة رأس المال على الحكم يدمر القاعدة الاقتصادية التي تقول إن العلم المتزامن بظروف السوق لابد أن يعلمه كل الأطراف في وقت واحد، حتى لا يتربح طرف نتيجة معرفته بمعلومة قبل الطرف الآخر، لكن وجود رجل الأعمال في السلطة -من وجهة نظره- يجعله يضع القرار السياسي لصالح مصلحته ومصلحة المجموعة التي ينتمي إليها.
وأضاف النجار أن شركة مثل "أنرون" للطاقة، والتي كانت الممول الرئيسي لحملة الرئيس بوش الابن في الانتخابات، توسعت فيها دائرة الفساد بين المسئولين الكبار -في هذه الشركة- وبين المسئولين في الإدارة الرسمية الأمريكية؛ حيث قدمت رشاوى كبيرة للمسئولين الاقتصاديين في الإدارة والكونجرس؛ للتغاضي عن إجراءات غير قانونية تمارسها الشركة، ووصل التغاضي الرسمي عن هذه الشركة إلى أن انهارت وخلفت وراءها 100 مليون دولار من الحقوق المعدومة، في الوقت الذي دفعت فيه 681 مليون دولار نقدا، وعلى شكل أسهم لـ140 من مسئوليها الكبار، بينما كانت تعد لإعلان إفلاسها قانونيا.
تبعية للغرب
اتفق الغزالي والنجار فيما أسموه "التبعية للغرب"؛ حيث وصف النجار ما تقوم به بعض دول الخليج من إعطاء بعض الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا مليارات الدولارات من فوائض الأموال البترولية بأنها عملية "ابتزاز ضخمة"، وقال "تبرع دول الخليج بمليارات الدولارات لإنقاذ البنوك البريطانية والغربية لا يمكن تفسيره إلا بالتبعية".
بينما سخر الغزالي من حضور بعض الزعماء العرب قمة العشرين، والتي تم الاتفاق فيها على استنزاف الفائض المالي لدول الخليج لترميم النظام المالي الغربي.
واعتبر زيارة رئيس وزارة بريطانيا للدول العربية الثلاث السعودية، وقطر، والإمارات؛ لأخذ مليارات الدولارات، بينما تقوم أمريكا بإذلال مصر –علي حد وصفه- من أجل معونة لا تتجاوز ملياري دولار، هو نوع من المهانة.
بينما أشار الغزالي إلى أن الاقتصاد المصري "مفتوح بسبب السياسة التي انتهجتها الإدارة المصرية اتباعا وخضوعا لسياسات "صندوق النقد الدولي"، فضلا عن تأزمه بسبب مشكلات الفقر والبطالة والاحتكارات، ولذلك كان لابد أن يتأثر بالأزمة بشكل سريع"، موضحا أن "الأزمة العالمية سببت انخفاض العديد من مصادر الدخل القومي كالاستثمارات الأجنبية، والمعونة الأمريكية، والصادرات وتحويلات العاملين في الخارج".
تقليل الفائدة.. مطلب الأغنياء
في الوقت الذي رأى فيه الغزالي انخفاض سعر الفائدة من جانب أغلب المصارف العالمية -لدرء تداعيات الأزمة والحد منها- يتوازى مع مبادئ السياسة الاقتصادية الإسلامية، ودلل بمقولات بعض المفكرين الرأسماليين الذين رأوا أن أحد أسباب انهيار الأسواق هو تقلبات سعر الفائدة.
خالفه النجار الذي رأى أن ما تقوم به الإدارات الاقتصادية لدول العالم من تقليل سعر الفائدة يصب فقط لمصلحة رجال الأعمال؛ حيث أشار إلى أن 75% من ودائع البنوك هي أموال الطبقة المتوسطة، بينما 75% من المقترضين هم من رجال الأعمال، وبالتالي فانخفاض الفائدة هو مجاملة لرجال الأعمال على حساب الطبقة الوسطى، التي لا تعرف كثيرا في طرق الاستثمار، فلا تجد لها حيلة سوى اللجوء إما إلى شركات التوظيف، أو الإيداع في البنوك، وتقليل الفائدة على أموالهم يصب فقط في مصلحة المستثمر، وهو كما يشير إلى وجود أزمة قادمة؛ لأن معدل الربح في الأعمال منخفض لمدى طويل.
الحل الاشتراكي
ورأى د. الغزالي أن الاقتصاد الإسلامي هو مخرج حقيقي من الأزمة المالية، معتبرا أن معظم المؤسسات والمصارف التي تنتهج وتأخذ بالنظام الإسلامي نجت بشكل كبير من تداعيات الأزمة بخلاف غيرها.
ودلل على رأيه بمقولات لاقتصاديين غربيين طالبوا بتخفيض أو إلغاء الفائدة لتجنب الوقوع في أزمات مجددا، كما ذكر بدعوة مجلس الشيوخ الفرنسي ضم النظام الإسلامي إلى النظام المصرفي الفرنسي، ومن قبله الإدارة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مباشرة؛ حيث أشادوا حينها بنظم الاقتصاد الإسلامي ولاموا –على حد قوله- الدول العربية والإسلامية على عدم تطبيق هذا النظام التشغيلي الرائع.
وأضاف الغزالي أن "التمويل الإسلامي يقوم على أساس المشاركة في الربح والخسارة، وبالتالي يكون مرتبطا مباشرة بالاقتصاد الحقيقي".
وأوضح أنه "يحرم تجارة الدَّين بالدَّين، وهذا هو جوهر الأزمة الحالية، كما يحرم المقامرة، وهي سبب انهيار البورصات".
بينما اعتبر النجار أن التجارب المالية الإسلامية "غير مطمئنة، وغير ناضجة"، مؤكدا أن البنوك والشركات الإسلامية مارست المضاربة على الذهب والعملات كغيرها من البنوك.
وأوضح أن "المشكلة تكمن في أن المرجعية الدينية تنطوي على درجة من الابتزاز للمختلفين معهم"، معتبرا أن النموذج الإسلامي لشركات التوظيف باء بخسارة كبيرة، وضحك –على حد وصفه– على المودعين، معتبرا أن الفائدة التي كانت تخرجها شركات التوظيف للمودعين هم فقط الذين يتحكمون بها، بينما فوائد البنوك يراقب انخفاضها وتزايدها الحكومة والبنك المركزي، بينما لم تكن هناك أي رقابة على شركات توظيف الأموال.
وقلل من دلالة توجهات الغرب نحو الاقتصاد الإسلامي، وقال إن ذلك "غير صحيح تماما؛ لأن فروع التعاملات الإسلامية في البنوك الغربية لا تتجاوز 0.25%، والهدف الأساسي منها هو جذب المواطنين المسلمين".
ورأى النجار أن التجربة الاشتراكية تصلح للخروج من الأزمة، إذا ما توافرت الديمقراطية السياسية التي تكفل الشفافية وانحسار الفساد.
لكن د.الغزالي رأى أن الحديث عن ذلك يعد بمثابة خيال، وقال إن "التجارب الاشتراكية كانت دائما قرينة بالدكتاتورية".
صحفي مهتم بالشأن التنموي ، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|