|
المشروع الأورو – متوسطي، الشرق أوسطي، العربي.. ثلاثة مشروعات اقتصادية إقليمية في المنطقة العربية صار الحديث يتردد حاليا عن مستقبلها في ظل الأزمة المالية العالمية.
فمتابعة تطورات الأزمة تكشف عن أنها ستشغل الاقتصاديات الأمريكية والغربية بنفسها لتخرج من أزمتها، وهو ما سيظهر أثره على هذه المشروعات.
فالمشروع الأورو – متوسطي وهو أكثر المشروعات الإقليمية نجاحا في الخروج للتنفيذ عبر اتفاقيات الشراكة التي عقدت بين الاتحاد الأوروبي وبعض البلدان العربية وإسرائيل، من المؤكد تأثره بالأزمة، فالإعفاءات الجمركية الممنوحة من الاتحاد بموجب هذه الاتفاقيات، أو التعهد بتقديم معونات أو ضخ استثمارات في بلدان المنطقة العربية المطلة على البحر المتوسط، كل ذلك سيتأثر بسبب حالة الركود التي تعيشها بلدان الاتحاد، بل المخاوف من الدخول في نفق الكساد المظلم.
ومما يؤكد هذا التوقع وجود حالة ترقب لمستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه، وتشير إلى ذلك الخلافات التي نشبت بين أعضائه لمعالجة ومواجهة الأزمة المالية الحالية، ففي الوقت الذي دعا فيه رئيس الوزراء الإيطالي بيرلسكوني لإنشاء صندوق موحد لمواجهة الأزمة المالية، اعترضت ألمانيا بشدة على هذا التوجه، وطالبت بأن تتحمل كل دولة من دول الاتحاد مسئوليتها في الأزمة، ولكن هناك شبه اتفاق خرجت به قمة باريس لمواجهة الأزمة من قبل دول الاتحاد الأوروبي تتمثل في الاتجاه نحو شراء حصص من ملكية المؤسسات المالية لمواجهة انهيارها، أو السماح بوجود دور أكبر للدولة في النشاط الاقتصادي.
فضلا عن ذلك، فإن المشكلات الاقتصادية داخل بلدان الاتحاد الأوروبي ستكون لها الأولوية في المواجهة، مثل ارتفاع معدلات البطالة، فعلى سبيل المثال وصلت معدلات البطالة في بريطانيا لنحو 5.7% بعد أن كانت في حدود 2.7% في مطلع عام 2008، كما أن اتجاه بعض الشركات متعددة الجنسيات لمواجهة الأزمة بالاستغناء عن بعض العاملين لديها لضغط النفقات سوف يجعل البلدان الأوروبية في مأزق داخلي حقيقي، ومن هنا دعا رئيس وزراء بريطانيا إلى وضع نوع من الرقابة على أداء الشركات المتعددة الجنسيات في الاقتصاد العالمي.
مستجدات الأزمة
وفي ضوء ما سبق يتوقع أن يشهد المشروع الأورو – متوسطي نوعا من التراجع أو مراجعة الاتفاقيات التي عقدت في إطاره لتخفيف البلدان الأوروبية من التزاماتها تجاه بلدان دول جنوب البحر المتوسط، وفي نفس الاتجاه فسوف يكون هناك رد فعل من قبل دول جنوب المتوسط بمراجعة السياسات الاقتصادية التي فرضها عليها هذا الاتفاق، لا سيما ما يتعلق بدور الدولة في النشاط الاقتصادي وبرامج الخصخصة التي كانت بمثابة حجر زاوية في هذا الاتفاق، وإعطاء دور كبير للقطاع الخاص؛ لأن دول الاتحاد الأوروبي نفسها تراجعت عن هذه السياسة خلال معالجتها للأزمة المالية العالمية، وبالمثل ستفعل دول جنوب البحر المتوسط، وهو ما سيؤدي بلا شك لوجود مراجعة للاتفاق من قبل الطرفين، أو تجميد الكثير من بنوده أو التوصل لاتفاق جديد يراعي مستجدات الأزمة المالية العالمية.
وكان هذا المشروع قد دشنه الاتحاد الأوروبي بهدف وقف تيار الهجرة من هذه البلدان إليه -سواء كانت هجرة شرعية أو غير شرعية - وذلك من خلال اتفاقيات التجارة والاستثمار مع البلدان العربية بما يسمح بوجود فرص عمل تستوعب هؤلاء الراغبين في الهجرة إلى الاتحاد الأوروبي، وفي نفس الوقت الاستفادة من أسواق البلدان العربية لتصريف المنتجات الأوروبية لوجود ميزة القرب الجغرافي والعلاقات السياسية والاقتصادية الممتدة منذ سنوات طويلة ماضية.
وكانت إسرائيل أول دول المنطقة دخولا في تنفيذ هذا المشروع ثم تبعتها تونس والمغرب ثم مصر.
إيران الرابح الأوحد
وليس الحال بأفضل حال بالنسبة للمشروع الشرق أوسطي، فالدعوة له ولدت من رحم سياسي من أجل إدماج إسرائيل في اقتصاديات المنطقة، وقد شجعت السياسة الأمريكية وسيطرتها خلال العقدين الماضيين، على فرض هذا المشروع على دول المنطقة.
ولكن واجه هذا المشروع على الصعيد الرسمي نوعا من الركود بسبب الممارسات الإسرائيلية وتطورات المواجهات الإسرائيلية مع الشعب الفلسطيني، وإن كان على الصعيد غير الرسمي هناك تعاملات اقتصادية عربية إسرائيلية تفوق بكثير المعلن عنه بشكل رسمي.
كما اعتمد المشروع الشرق أوسطي على فرض تصور خاص من قبل أمريكا للشرق أوسطية يعتمد على استبعاد إيران من المشروع.
ولكن بعد الأزمة المالية العالمية فإن الأوضاع سيكون لها مسار آخر في ظل التراجع المتوقع للدور الأمريكي في الفضاء الاقتصادي العالمي، فثمة خريطة اقتصادية عالمية جديدة ينتظرها العالم تتخلى فيها أمريكا عن موضع القيادة ليشاركها فيه كيانات أخرى، قد يكون لها موقف آخر من قضية الشرق الأوسط.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن ما مورس تجاه إيران خلال الفترة الماضية من فرض عقوبات وعدم السماح لها بالاندماج في الاقتصاد العالمي، أعطاها مزيدا من القوة والمحافظة على ما لديها من ثروات تراكمت من عوائد النفط خلال السنوات الخمس الماضية، وأن مؤسساتها المالية والاقتصادية لم ينلها ضرر الانصهار في النظام العالمي.
ويتوقع أن يكون لإيران دور أكبر في المنطقة على الصعيد الاقتصادي؛ لأن تضررها من الأزمة المالية العالمية سيكون في أضيق الحدود، بينما دول المنطقة الأخرى أصيبت في مقتل من جراء التداعيات السلبية للأزمة المالية، ومنها المصير المجهول لثروات دول الخليج المتراكمة، من حيث قيمتها أو خسائر العوائد عليها، وهو ما سيسمح بمساحات كبيرة لإيران للتحرك اقتصاديا في المنطقة، ويتوقع زيادة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين إيران وبعض دول المنطقة التي كانت تتصرف بناء على ضوء أخضر أمريكي، فهذا القيد سوف يشهد نوعا من الانفراج بالنسبة لهذه الدول، وسيكون البديل الذي كانت تقدمه أمريكا لدول المنطقة تعويضا عن التعامل مع إيران في شكل منح أو قروض أو استثمارات معرضا للتقلص بشكل كبير لاحتمالات انصراف أمريكا للشأن الداخلي خلال المرحلة المقبلة.
كما سيؤدي تراجع الدور الأمريكي دوليا وإقليميا إلى تراجع الدعم لإسرائيل، وهو ما سيقوض المشروع الشرق أوسطي من أساسه، حيث إنه يهدف بشكل أساسي إلى دمج الاقتصاد الأمريكي في دول المنطقة؛ وبالتالي قد تسفر هذه الخطوة في الأجل المتوسط عن تسوية جديدة للقضية الفلسطينية، وإذا ما حدث ذلك فسيكون له تداعيات جديدة على الأداء الاقتصادي للمنطقة.
ميلاد المشروع العربي
وفي ظل التأثر السلبي للمشروعات السابقة بالأزمة يمكننا القول إنها قد تكون فرصة سانحة للمشروع العربي.
فهذا المشروع ولد يتيما بلا راعٍ، وليس له نصيب سوى كتابات الأكاديميين ووجود بعض المؤسسات التي ولدت في ظرف تاريخي ما، أو بعض المواقف السياسية التي تدعو لوجود نوع من التعاون العربي.
ولكن في ضوء الأزمة المالية العالمية وتأثر المشروعات السابقة فإن العرب أمامهم ظرف تاريخي يجب ألا يضيعوه، وهو السعي لموضع قدم في ظل نظام عالمي جديد يتشكل الآن، ولعل ما تعرضت له الاقتصاديات الخليجية بوجه خاص والعربية الدائرة في فلك الاقتصاد العالمي بشكل عام، يجعل متخذي القرار وصانعي السياسة الاقتصادية يتجهون الآن لإحياء هذا المشروع، خاصة أن المشروع العربي لا يحتاج إلى دراسات أو الكشف عن مقومات اقتصادية له؛ لأن ذلك قد تم إنجازه على مدار سبعة عقود مضت من قبل المؤسسات الأكاديمية ومؤسسات العمل العربي المشترك، ولم يبْقََ سوى العائق الأساسي لقيامه، وهو عدم توافر الإرادة السياسية، ولعل الظروف العالمية الجديدة تجعل الساسة العرب يعيدون حساباتهم.
باحث اقتصادي ويمكنك التواصل معه عبر بريد صفحة نماء namaa@islamonline.net
|