English

 

الأحد. فبراير. 8, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الإسرائيلي

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

انتخابات الكنيست.. تعمق انقسامات الحركة الإسلامية

سمير سعيد

Image
الشيخ رائد صلاح من المعارضين بشدة للمشاركة في الانتخابات
أصبح من بديهيات حملة الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية مؤخرا ارتباطها بعمل عسكري عدائي داخل فلسطين المحتلة أو على الجنوب اللبناني، أو تنفيذ عمليات اغتيال لقيادات المقاومة الفلسطينية؛ وذلك لتقديم دماء ضحايا هذه العمليات كدليل للناخبين الإسرائيليين على قدرة هذا القائد العسكري أو ذاك المسئول الحكومي في تل أبيب على حماية أمنهم.

وفي المقابل نجد أن الناخب الإسرائيلي يستجيب لذلك وتروق له مغامرات الدم هذه، فيصوت لأكثر القادة شراسة في قتل المدنيين العزل، كما يصوت أيضا لأكثر المزايدين عدوانية وكراهية ضد الفلسطينيين خاصة والعرب بشكل عام.

وفي مقابل هذا المسلك العدواني، الذي يسبق كل انتخابات، نجد عزوفا واضحا من جانب الأقلية الفلسطينية داخل منطقة الـ 48 عن التصويت في هذه الانتخابات؛ وذلك تضامنا مع الضحايا الذين إما أن يكونوا من إخوانهم في الضفة والقطاع، أو من جيرانهم اللبنانيين.

كما أصبح من بديهيات هذه الانتخابات نكأ جراح الانقسام في صف الحركة الإسلامية داخل منطقة الـ 48، الذي بدأت إرهاصاته مع انتخابات 1992، ثم تعزز مع انتخابات 1996 وأسفر عن انقسام الحركة إلى جناحين، أحدهما شمالي بقيادة الشيخين رائد صلاح وكمال خطيب، والآخر جنوبي بزعامة روحية للشيخ عبد الله نمر درويش وقيادة الشيخ إبراهيم عبد الله صرصور.

وقبل الانقسام في عام 1996 كان هناك اختلاف في الرؤى والتوجهات داخل أجنحة الحركة الإسلامية داخل إسرائيل، وقد وصل الأمر مداه مع انتخابات 92، ولكن قرار مجلس شورى الحركة عدم المشاركة منع تفاقم الأمور، إلا أنه مع موافقة المجلس على خوض انتخابات 96 كان إيذانا بالانقسام إلى جناحين.

المشاركة "باقة ورد"

ومنذ الانقسام يسود الجفاء بين قيادتي الجناحين، ويبدو أكثر وضوحا مع بدء موسم انتخابات الكنيست، خاصة أن الجناح الشمالي يرفض خوض الانتخابات، بل ويدعو جماهير فلسطين الداخل بشكل مباشر وغير مباشر إلى المقاطعة لعدة أسباب جاءت في بيان الجناح الشمالي الأخير:

• - أن الكنيست أصلا من أصول المشروع الصهيوني، وأنه في أحسن الأحوال منبر احتجاجي بالنسبة للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل.

• - تؤكد تجربة أعضاء الكنيست الفلسطينيين منذ أول عضو كنيست فلسطيني وحتى الآن أن هذا الكنيست لم يحق لفلسطينيي 48 حقا ولم يرفع عنهم ظلما.

• - أفضل إستراتيجية لبقاء فلسطينيي 48 تكمن في تجذرهم في وطنهم، وتمسك
هم ببيوتهم ومقدساتهم، وبناء مؤسساتهم، ودعم مسيرة سلطاتهم المحلية، وانتخاب لجنة المتابعة لفلسطينيي 48 انتخابا مباشرا منهم، وتنظيم صفوفهم، وليس التعلق "بسراب الكنيست".

• - وجود أعضاء فلسطينيين في الكنيست "استغلتهم المؤسسة الإسرائيلية تاريخيا كمادة تجميل لوجهها القبيح عالميا، وكقناع خادع لإخفاء ما ترتكبه من قوائم جرائمها المتواصلة" ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية.

ويتسق هذا الموقف مع دعوة حركة "أبناء البلد" ومدراء جمعيات أهلية أيضا لفلسطينيي 48 إلى المقاطعة كما في الجولات السابقة، على اعتبار أن النواب الفلسطينيين فيه هم "باقة ورد" على طاولة الديمقراطية، وعملية تجميل "للوجه القبيح لإسرائيل".

وهذا الموقف قد ساهم إلى حد كبير في تراجع التصويت في الوسط الفلسطيني، وإحجام عدد كبير عن المشاركة، خاصة أن الجناح الشمالي للحركة مع تجربة المجتمع العصامي التي يقوم بتطبيقها في هذا الوسط قد أسفرت عن نجاح واضح حقق لها شعبية كبيرة وصلت إلى الاتحادات الطلابية في الجامعات الإسرائيلية؛ حيث فازت حركة "اقرأ"، الذراع الطلابية للجناح الشمالي، بغالبية مقاعد لجنة الطلاب العرب في جامعة تل أبيب في أول مرة تخوض فيها هذه الانتخابات، حاصدة 5 مقاعد من أصل 11؛ وذلك بعد أن كانت قد حققت انتصارا سابقا قبلها بشهرين في جامعة القدس؛ حيث حصدت 7 مقاعد من أصل 17، وذلك امتدادا لفوزها في جامعة حيفا، حيث احتلت 5 مقاعد من أصل 13، وكان لكل ذلك تداعياته وسط هذه الشريحة الواسعة إزاء موقفها من الانتخابات.

المشاركة ضرورة شرعية

في المقابل، يرى الجناح الجنوبي أن المشاركة ضرورة شرعية، وأن "القائمة العربية الموحدة" التي يرأسها بالائتلاف مع "الحزب العربي الديمقراطي" بقيادة النائب طلب الصانع، و"الحركة العربية للتغيير" بقيادة النائب أحمد الطيبي، يجمع برنامجها السياسي بين 5 دوائر: الإسلامية، والقومية العربية، والوطنية الفلسطينية، والإنسانية العالمية، والمواطنة.

ويؤكد أن القائمة تنطلق من كونها تحالفا إسلاميا وطنيا لرفع الظلم الواقع على فلسطيني 48 من خلال المساواة التامة مع اليهود، ومن خلال المشاركة المدنية الكاملة كأقلية قومية مع كامل الحقوق الفردية والجماعية.

وتأتي انتخابات الكنيست التي ستجرى يوم 10 فبراير الجاري في ظل التوقعات بتراجع نسبة التصويت في أوساط فلسطينيي 48 إلى ما دون الـ50 %، خاصة بعد العدوان على غزة، فيما تأتي أيضا بعد أشهر قليلة من الانتخابات المحلية التي جرت خلال نوفمبر الماضي، وشهدت تراجعا لجناحي الحركة خاصة الجناح الجنوبي.

وما سبق يشكل مصدر قلق لدى القوائم الثلاث: الجبهة، والتجمع، والموحدة، خاصة الأخيرة؛ لأنها تدرك أن تدني نسبة التصويت الفلسطيني وارتفاعها بالمقابل لدى الناخب اليهودي من شأنه أن يخفض عدد مقاعدها في الكنيست؛ مما قد يضعف موقف الجناح الجنوبي في صراعه مع الشمالي حول قضية الانتخابات، خاصة في ظل توقعات بأن ينحصر عدد المقاعد التي قد تحصل عليها القوائم الثلاث بين 7 و10 مقاعد في أفضل الأحوال، رغم أن عدد الأصوات في الوسط الفلسطيني يوازي 15 مقعدا.

تراجع محلي

ولا شك أن الانتخابات المحلية كانت مؤشرا واضحا للتراجع؛ حيث اختفى النقاش السياسي، وغابت كافة الأحزاب بكل تياراتها لصالح العائلية والطائفية، وانقسمت القرى والمدن بين أكبر عائلتين، بل إن العائلات هي الأخرى انقسمت على نفسها.

وبشكل عام تراجعت قوة الأحزاب، ومنها الحركة الإسلامية بجناحيها، في هذه الانتخابات للعوامل التالية:

• - ضعف الميزانيات الممنوحة للسلطات المحلية الفلسطينية، وبالتالي يعود بالسلب على أدائها الخدماتي في مناطقها، وهو ما أسفر بدوره عن إضعاف موقف الحركة الإسلامية في بعض هذه السلطات، وسبب عزوفا عن التصويت لها.

• - انعدام المناطق الصناعية في قرى ومدن فلسطينيي 48؛ ما ساهم بشكل كبير في ارتفاع معدلات البطالة والفقر.

• - إفلاس جهاز السلطات المحلية في الوسط الفلسطيني؛ وذلك بسبب الفساد المستشري في هذه السلطات؛ حيث تم تفكيك 25 سلطة محلية وتعيين لجان معينة من الحكومة الإسرائيلية فيها، منها 17 سلطة محلية لفلسطينيي 48، وأصبح دوره يقتصر على المحافظة على عدم انقطاع التيار الكهربي والمياه وانتظام مواعيد جمع النفايات.

وبالتالي أصبحت هذه الانتخابات فرصة لترشيح شخصيات عشائرية وعائلية تدير بعد نجاحها هذه السلطات المحلية؛ حيث تكون أولى المهام تعيين ذوي القربى لوظائف حتى لو لم يكونوا أهلا لها، ويتم بذلك إبعاد الأكفاء.

وقد أوضحت الانتخابات المحلية مدى اهتزاز ثقة المواطن الفلسطيني في منطقة الـ 48 بقدرته على التأثير في السياسة الإسرائيلية، أو حتى على إدارة قراه ومدنه من خلال السلطات المحلية التي تحكمها أحزاب، وهذا ما ستكون له تداعيات سلبية على التصويت في انتخابات الكنيست هذا الأسبوع، خاصة مع تحالفات العائلات والعشائر مع بعض الأحزاب الصهيونية وحتى المتطرفة منها مقابل وعود ورشاوى انتخابية، وهو ما يصعب من مهمة القوائم الفلسطينية خاصة الحركة الإسلامية.

انشقاقات ومعارك

ويدخل الجناح الجنوبي هذه الانتخابات بعد أن شهد على مدى السنوات القليلة الماضية عدة أزمات تمثلت في انشقاقات عن الحركة؛ حيث انشق الشيخ توفيق خطيب العضو السابق في الجناح الجنوبي وانضم إلى حركة "ميرتس" في انتخابات 2003، ثم أقام بعدها الحزب القومي العربي مع النائب محمد حسن كنعان، ثم انشق عضو الجناح الشيخ سامي عيسى عام 2005 وانضم إلى حزب إريل شارون حينها، موجها انتقادات لصرصور؛ وذلك بعد أن عارض الأخير قرارات مجلس شورى الحركة بدعم عيسى لرئاسة المجلس المحلي في كفر قاسم، في المقابل قام بدعم إياد عامر، ضاربا بقرار المجلس وبإجماع الحركة في كفر قاسم عرض الحائط.

وتواصلت الانشقاقات فيما بعد؛ حيث انشق النائب الشيخ عباس زكور عقب انتخابات 2006 ليقيم مؤخرا حزب الوسط مع كنعان، فيما اتهمه صرصور بقيادة "حملة صليبية مقدسة" ضد الحركة الإسلامية.

وقد تعرض الشيخ صرصور في أحد مقالاته لشخص الشيخ عبد الله نمر درويش ووصفه بأنه "مصاب بالهستيريا"، مسببا بذلك شرخا بين رئيس الحركة ومؤسسها، "لم يندمل حتى الآن"، على حد وصف أحد الأعضاء.

وإضافة إلى هذه الانشقاقات وما أسفرت عنه من أزمات وتلاسن عبر وسائل الإعلام، حرص الجناح الجنوبي في بياناته منذ الانشقاق على لهجة أكثر هجومية ضد منتقديها من خارج الحركة، خاصة الجناح الشمالي، وحتى من داخل الحركة نفسها، كما حدث مع خطيب وزكور وعيسى.

فعقب إعلان الجناح الشمالي استمرار مقاطعته للانتخابات ومطالبة فلسطينيي 48 باتخاذ موقف وطني ينسجم مع ما يتعرض له فلسطينيو الضفة وغزة من مجازر واغتيالات، قام الجناح الجنوبي من فوره بإصدار بيان سريع قاسي اللهجة، معتبرا أن دعوة المقاطعة كأنها مؤامرة عليه يقودها الشمالي بالتحالف مع اليمين المتطرف، وهو ما جاء في آخر بيانات الحركة منذ أيام: "من يتاجر فعلا بدماء غزة؟ باسم أطفال وآلام غزة تدعون العرب لمقاطعة الانتخابات، وتنتصرون لموقف سياسي هو نفس الموقف الذي يريده ليبرمان الفاشي العنصري والأحزاب التي ستحصد مقاعد العرب وأصوات العرب الذين سيصوتون لهم، ما زال ليبرمان يتقدم جزاء حملته العنصرية الفاشية وأنتم تريدون أن تعززوا وجوده أكثر.. عن أي حس وطني وإسلامي تتحدثون؟!".

بل وذهبت قيادة الجناح الجنوبي إلى التشكيك في تمويل الجناح الشمالي في تحريض غير مسبوق عليه؛ حيث يقول نفس البيان: "من أين لكم تلك الأموال الطائلة التي تنفقونها على حملة المقاطعة للانتخابات؟! بالنسبة لنا أموال الانتخابات معلومة المصدر والوجهة، فماذا عنكم؟".

وهو اتهام لم تجرؤ الأحزاب اليسارية كالتجمع والجبهة على توجيهه إلى الجناح الشمالي، بينما ينسجم هذا الاتهام مع ما تذهب إليه الأحزاب الصهيونية اليمينية المتطرفة التي طالبت وما زالت تطالب بإخراج الجناح الشمالي عن القانون ومحاكمة قادته بتهم الإرهاب، وهو ما تصدى له النائب الصانع، أحد حلفاء صرصور في الموحدة؛ وذلك لارتباطه بعلاقات جيدة بالجناح الشمالي، إضافة إلى مواظبته على حضور فاعليتها.

وقد أعقب هذا هجوم آخر على نائب رئيس الجناح الشمالي كمال خطيب الذي طالب المرشحين بعرض إنجازاتهم في الكنيست المنصرمة من دون استغلال لدماء شهداء غزة، فما كان من صرصور إلا الهجوم على خطيب ووصف تصريحاته بالبائسة، بينما كانت ردود الجبهة والتجمع أكثر توازنا وردت بشكل هادئ على تصريحات خطيب.

وبرغم الاختلاف الواضح بين الجناحين، والذي يعود جزء كبير منه لاختلاف القيادات وتوجهاتها، إلا أن هناك بعض المشتركات بينهما منها:

• - التوجه الإسلامي لكليهما.

• - الاتفاق على مقاطعة انتخاب رئيس الحكومة الإسرائيلية، رغم الاختلاف حول خوض الانتخابات البرلمانية.

• - الاتفاق على خوض الانتخابات المحلية.

• - تماثل الكثير من أسماء ومهمات مؤسساتهما.

وخلاصة القول أن انتخابات الكنيست أصبحت لا تزيد الشرخ والانقسام بين جناحي الحركة الإسلامية في منطقة الـ 48 إلا اتساعا وتعمقا، إلى درجة بات يصعب معها رأب الصدع بينهما خاصة في ظل القيادات الحالية.


  باحث في الشئون الإسرائيلية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات