English

 

الخميس. فبراير. 5, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » أفغانستان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

احتواء طالبان.. سيناريو صومالي أم عراقي؟

خليل العناني

Image
طالبان.. هل تعود للحكم في أفغانستان؟
يعكس تعيين الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما لريتشارد هولبرك، كمبعوث خاص في أفغانستان وباكستان طبيعة التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة في هذه المنطقة، ومدى الجدية التي يتعاطى بها أوباما مع الملف الأفغاني.

وينسجم اختيار أوباما لهولبرك مع نظرة الأول لمسألة الحرب على "الإرهاب"، والتي تحتل أفغانستان الجبهة الأساسية فيها، وذلك على نقيض سلفه جورج بوش الذي كان يرى في العراق نقطة انطلاق في حربه على الإرهاب، بيد أن السؤال الملّح هو: هل ينجح أوباما في إنهاء تمرد حركة طالبان، وإعادة الهدوء والاستقرار في أفغانستان على نحو ما يكرر دائما؟.

هل تسقط كابول؟

واقعيا تسيطر حركة "طالبان" على ما يقرب من 72 بالمائة من الأراضي الأفغانية، وهي بحسب معظم التقارير الأمريكية أقرب للعاصمة "كابول" التي يحميها ما يقرب من 6000 جندي من القوة الدولية للدعم والإسناد التابعة لحلف "الناتو" المعروفة اختصارا باسم "إيساف".

وهي قد أعادت سيطرتها على معظم الأقاليم الأفغانية خاصة في الجنوب والشرق، وذلك من خلال توسيع شبكة علاقاتها وعملائها المحليين، مستفيدة في ذلك من ضعف الحكومة المركزية في كابول وانعدام كفاءة الجيش الأفغاني وقوات الشرطة.

وبالنظر إلى طبيعة التوازنات الجيبولوتيكية الراهنة، يمكن القول بأن إمكانية سقوط "كابول" في حجر طالبان لم يعد بعيد المنال، فالعاصمة الأفغانية لا تحظى بالدعم العسكري واللوجيستي الكافي لحمايتها من أي هجوم طالباني، ويكفي أنه قد تم استهداف الرئيس الأفغاني حامد كرزاي أكثر من مرة، كما تم استهداف العديد من المراكز الحيوية كالسفارة الهندية في كابول، ولا غرابة إذا أن يلخص الرئيس كرزاي هذا الوضع بالقول إنه يعيش في مخبأ متنقل داخل أفغانستان (حواره مع جريدة شيكاغو تريبيون).

وتطوق حركة طالبان العاصمة الأفغانية بعناصرها، وهي تعلم جيدا أن معظم عناصر قوات "الإيساف" مشغولة بتأمين نفسها في الشرق (مدينة قندهار)؛ حيث يوجد ما يقرب من 18 ألف جندي، والجنوب (إقليم هلمند وقاعدة باجرام)؛ حيث يوجد ما يقرب من عشرين ألف جندي.

فضلا عن ذلك فقد فشلت هذه القوات في تأمين ممرات التمويل والإمداد التي تمر عبر الحدود الباكستانية، وتعرضت قواتها لخسائر فادحة؛ بسبب هجمات طالبان التي وقعت على مدار الأسبوعين الماضيين.

ويُشاع أن حركة طالبان تتحكم الآن في "ممر خيبر" على المنطقة الحدودية مع باكستان وقامت بقطع طريق الإمدادات الخاصة بقوات "الناتو"، وهو ما حدا بقيادة "الإيساف" إلى البحث عن طرق بديلة لضمان وصول الإمدادات لقواتها.

فشل كرزاي

العنصر الفارق في ازدياد رقعة التأثير لحركة طالبان هو فشل حكومة الرئيس حامد كرزاي في إعادة بناء مؤسسات الدولة على مدار ثمانية أعوام، علما بأنه حصل خلالها على دعم وتأييد المجتمع الدولي.

ويكفي أن نشير هنا إلى أن إجمالي ما حصلت عليه حكومته طيلة السنوات الماضية بلغ نحو 150 مليار دولار، وذلك في إطار اتفاقية "بون" التي تم توقيعها في ديسمبر 2001 بألمانيا، دفعت الولايات المتحدة ما يقرب من ثلثها، ولم تسفر جميعها عن أي نتائج ملموسة.

فالجيش الأفغاني لا يتعدى قوامه 70 ألف جندي، ويعاني من نقص حاد في الإمكانات والتأهيل، فضلا عن ارتفاع المتوسط العمري لقادته الذي يصل إلى نحو أربعين عاما، وهم الذين تدربوا على مواجهة القوات السوفيتية، وليس لديهم خبرة كافية في التعاطي مع الأجيال الجديدة من الأسلحة والمعدات المتطورة.

وبالرغم من الخطط الأمريكية لمضاعفة عدد الجيش الأفغاني وزيادة تأهيله، إلا أن ذلك يواجه بعقبتين رئيسيتين:

الأولى: أن ذلك لا يأتي في إطار رؤية أكبر لإعادة تمركز الجيش وتوزيع أنشطته، بحيث تستهدف عناصر حركة طالبان.

والثانية: أن تطوير الجيش الأفغاني يتطلب أموالا باهظة، فعلى سبيل المثال يتطلب إرسال ما يقرب من خمسين سرية على الحدود الباكستانية الأفغانية، ما تصل تكلفته إلى نحو 70 مليار دولار، وهو مبلغ من الصعب تأمينه في ظل الأزمة المالية العالمية؛ لذا لا يوجد أي دور ملموس للجيش الأفغاني في مسألة ضبط منطقة الحدود الشرقية والجنوبية بين أفغانستان وباكستان، وهي المنطقة المعروف باسم "منطقة القبائل" التي تنشط فيها عناصر طالبان وتنظيم القاعدة، وتمثل "الرئة" الحقيقية لهما سواء من جهة الإمداد الخارجي للحركة، أو تدريب عناصرها وكوادرها والتخطيط لعملياتها ضد قوات التحالف الدولي.

وقد انعكس فشل كرزاي في انعدام ثقة الأفغان بحكومته وقدرتها على تأمينهم وضمان حد أدنى من فرص المعيشة والأمان لهم.

وقد اعترف كرزاي صراحة بأن الآلاف من عناصر طالبان قد عادوا أدراجهم طيلة الأعوام الخمسة الماضية؛ بسبب انشغال الولايات المتحدة في حربها على العراق، واستخفافها بإمكانية عودة طالبان مجددا، والأكثر من ذلك ما أشارت إليه تقارير صحفية عديدة من ارتفاع مستويات الفساد والرشوة داخل الحكومة الأفغانية وجيشها.

أخطاء فادحة

تشير احتمالات عودة طالبان للحكم، إلى حجم الأخطاء الإستراتيجية التي وقعت فيها الولايات المتحدة وقوات التحالف طيلة السنوات السبع الماضية، وهي أخطاء يمكن تقسيمها إلى نوعين:

أولهما: أخطاء إستراتيجية تتعلق بتقدير حجم الخصم وقوته ماديا ومعنويا، وهنا يمكن القول بأن الولايات المتحدة قد أخفقت في تقدير قوة طالبان وتمددها داخل المجتمع الأفغاني.

وقد تُرجم هذا الخطأ في أمرين: أولهما: هو عدم الاحتفاظ بقوات كافية لمحاربة طالبان، فمن المدهش أن عدد القوات الأمريكية في أفغانستان لا يصل إلى حجم ثلث نظيرتها في العراق (34 ألف مقابل 155 ألف على التوالي)، يعمل منها ما يقرب من 14 ألف فقط تحت مظلة الإيساف. وثانيهما: عدم تقدير حجم التأثير المعنوي لإقصاء طالبان وزعماء قبائل البشتون من معادلة الحكم في أفغانستان، الأمر الذي أعطي مصداقية وشرعية لطالبان لمحاربة الحكومة الأفغانية وقوات التحالف معا، وأكسبها تعاطفا شعبيا واسعا.

وثاني الأخطاء الإستراتيجية: هو عدم التمييز بين تنظيم القاعدة وحركة طالبان، وهنا يجب الإشارة إلى أن ثمة بون شاسع أفرزته أحداث سبتمبر 2001 بين كلا الطرفين، ولم توظفه الولايات المتحدة في حربها على طالبان.

فبالرغم من العلاقات الوثيقة التي نشأت بين أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة والملا محمد عمر زعيم طالبان قبل وقوع تلك الأحداث، إلا أن هذه العلاقة تعرضت لمحنة شديدة عقب وقوع الأحداث، وشيوع أنباء عن عدم معرفة الملا عمر بها، وهو ما كشفت عنه المراجعات التي قام بها أحد منظري الجهاديين، وهو سيد إمام الشريف الذي كشف في وثيقته الأخيرة (التعرية لكتاب التبرئة) خداع بن لادن ونائبه أيمن الظواهري للملا عمر، وتسببهم في تدمير "إمارته" على حد قول الشريف.

وبغض النظر عن ذلك، فإن ما حدث لاحقا يكشف حجم الفجوة بين الطرفين، ذلك أننا لم نشهد طيلة السنوات الثماني الماضية أي علامة على وجود تعاون ميداني بين القاعدة وطالبان، ففي الوقت الذي انشغل فيه قادة تنظيم القاعدة بتأمين أنفسهم داخليا، ومتابعة عملياتهم خارجيا، كان قادة طالبان كالملا داد الله الذي اغتيل العام الماضي، وأخيه الملا منصور داد الله الذي تولي راية الميدان من بعده، منخرطين في مقاتلة قوات التحالف.

فضلا عن ذلك فلا حديث يذكر عن اشتراك عناصر من طالبان في العمليات التي قام بها تنظيم القاعدة خارج أفغانستان، سواء في أوروبا أو المنطقة العربية.

أما النوع الثاني من الأخطاء فهو أخطاء تكتيكية تتعلق أولا بعدم توظيف الولايات المتحدة للصراعات بين حركة طالبان وخصومها المحليين مثل قلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي، وبرهان الدين رباني الرئيس السابق لأفغانستان قبل إسقاط طالبان لحكمه عام 1996 الذي يقود حاليا ما يطلق عليه "الجبهة المتحدة لإنقاذ أفغانستان".

ثانيا: عدم توظيف الصراع بين طالبان والحكومة الباكستانية لمصلحة إضعاف خطوط الدعم المادي واللوجيستي التي تلقاه طالبان أفغانستان من نظيرتها في باكستان، بل على العكس، لعبت باكستان دورا معوقا لحكومة كرزاي في مواجهة حركة طالبان؛ بسبب حسابات خاصة بين كرزاي والرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف.

براجماتية لا غنى عنها

لا مندوحة إذا للولايات المتحدة من إعادة النظر في المسألة الأفغانية برمتها، وذلك من أجل إنهاء حالة التمرد التي تقودها طالبان هناك، وهو ما يصعب توقع حدوثه من خلال زيادة عدد القوات فحسب، وإنما يتطلب الأمر معالجة الأخطاء التي سبقت الإشارة إليها.

وهو ما قد تتم ترجمته من خلال تبني الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة باراك أوباما مقاربة مغايرة لمعالجة الوضع في أفغانستان، وهي مقاربة تبدو ملامحها أكثر براجماتية وواقعية، وتستهدف وضع إستراتيجية كبرى لاحتواء طالبان من جهة، وإنهاء أسطورة تنظيم القاعدة من جهة أخرى، وهي قطعا مقاربة صعبة، ولكن لا بديل سواها أمام الولايات المتحدة للخروج من المأزق الأفغاني.

ومقاربة كهذه لن يكتب لها النجاح دون الارتكاز إلى أربعة محاور رئيسية:

 أولها: هو الضغط الميداني، وذلك من خلال زيادة عدد القوات الأمريكية الموجودة في أفغانستان، وهي زيادة سوف تترجم من خلال إقرار إرسال ما يقرب من ثلاثين ألف جندي أمريكي بحلول الربيع أي في شهر مارس المقبل، وهم سيضافون إلى نحو 34 ألف جندي أمريكي موجودين الآن.

فضلا عن إعادة تمركز هذه القوات بحيث يتم التركيز على جهتين الأولى هي تأمين العاصمة كابول خوفا من اكتساح قوات طالبان لها، والثانية تشديد مراقبة منطقة القبائل على الحدود الباكستانية - الأفغانية في الجنوب والشرق.

ثانيها: الاحتواء السياسي، وهو ما قد يتم من خلال التلويح باحتمالات فتح قنوات للحوار والتفاوض مع طالبان، خاصة قادتها المعتدلين، وذلك من أجل ضمان إعادتهم للعبة السياسية.

وفي هذا الصدد جرى الحديث عن مبادرة سعودية تم إطلاقها في سبتمبر الماضي لإجراء حوار بين زعماء طالبان والحكومة الأفغانية، ولكن لم يكتب لها النجاح.

في حين أن هناك حديث الآن عن وجود قنوات غربية للحوار بين الطرفين، بحيث يتم إشراك الولايات المتحدة والغرب فيها، مع الإشارة إلى أن كلا الأمرين (الضغط الميداني والاحتواء السياسي) سوف يسيران في خط واحد، بحيث تضمن فعالية إستراتيجية (العصا والجزرة).
وهنا سيكون من المتوقع وفقا لإستراتيجية كهذه أن يتم الفصل والتفرقة بين تنظيم القاعدة وحركة طالبان.

ثالثها: تنفيذ إستراتيجية "العملاء المحليين"، وهي إستراتيجية تقوم على إعطاء مزيد من القوة للقادة القبليين في أفغانستان، ليس فقط لمقاتلة طالبان، وإنما لمجابهتها اجتماعيا وقبليا، وهي إستراتيجية أقرب إلى تجربة "مجالس الصحوات" التي تم اعتمادها في العراق، ونجحت في محاربة تنظيم القاعدة هناك.

ومن المتوقع أن يتم تنفيذ هذه الإستراتيجية من خلال تشكيل "مجلس شوري محلي أو قبلي" وهي فكرة بريطانية كان قد اقترحها قبل فترة رئيس الوزراء البريطاني الحالي جوردن براون؛ من أجل تشكيل جبهة داخلية لمواجهة تمرد حركة طالبان.

رابعها: إعادة ترتيب الأوراق الإقليمية، بحيث تضمن الولايات المتحدة عدم وجود أطراف خارجية مؤثرة على قوة طالبان، وهي مهمة تبدو شاقة للغاية، فمن جهة، فإن الهند وإن كانت تبدو مهتمة باحتواء طالبان سياسيا، ليس فقط اتقاء لشرها، وإنما أيضا كأداة للضغط على إسلام أباد، خاصة بعد تفجيرات مومباي الأخيرة التي ألهبت العلاقة بين البلدين، إلا أنها تخشي من أن يؤدي ذلك إلى زيادة نفوذ طالبان باكستان التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع جماعة "عسكر طيبة" التي تقاتل الهند في قسمها الكشميري.

ومن جهة أخرى: تبدو إيران مستعدة للتدخل في الشأن الأفغاني من أجل عرقلة أي صفقة قد تتم بين طالبان والولايات المتحدة، بل قد تسعى إيران لعقد صفقة مقابلة مع طالبان، رغم العداء الشديد بين الطرفين تاريخيا ومذهبيا، يتم بمقتضاها دعمهم ماليا ولوجيستيا، مقابل إنزال الهزيمة بالولايات المتحدة كما هي الحال في العراق.

ومن جهة ثالثة: لا تبدو باكستان قادرة على رعاية أو حتى تفادى أي نتائج سلبية لمسألة احتواء طالبان، ليس فقط بسبب تشابك علاقات هذه الأخيرة مع الداخل الباكستاني، وإنما أيضا بسبب انعدام قدرتها على مواجهة حالة التمرد التي تقودها طالبان على الحدود معها.

طالبان في الحكم مجددا

خلاصة ما سبق طرحه أن ثمة عودة محتملة لحركة طالبان إلى سدة الحكم في أفغانستان، وهو ما قد يحدث عبر أحد سيناريوهين:

أولهما: هو السيناريو "الصومالي"، وهو أقرب لما حدث في صيف 2006 حين اكتسحت قوات "المحاكم الإسلامية" العاصمة مقديشيو، وفرضت سيطرتها على البلاد قرابة عام قبل أن تزيحها القوات الإثيوبية مدعومة بالمساعدة الأمريكية، ثم عادت المحاكم للحكم بثوب جديد وبمباركة دولية واسعة.

وفي الحالة الأفغانية يلاحظ تمتع طالبان بوضع مميز عن ذاك الذي توفر لنظيرتها الصومالية.

وثانيهما: من خلال السيناريو "العراقي" بحيث يتم احتواء طالبان سياسيا، والاعتراف بها كلاعب رئيسي في العملية السياسية، ودمجها في الحكومة الأفغانية.

وفي كل الأحوال لن تتمتع الولايات المتحدة بخيارات مطلقة في التعاطي مع طالبان، وإنما ستظل مقيدة بالاستجابة للواقع الميداني.


نائب مدير تحرير مجلة السياسة الدولية – الأهرام

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات