|
| ريتشارد هولبروك |
يبدو الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما جادا في التعامل مع أزماته في جنوب آسيا؛ حيث بدأ تحركه بتعيين ريتشارد هولبروك مبعوثا أمريكيا خاصا إلى أفغانستان وباكستان؛ ليرسل إشارة قوية للعالم بأن الفترة القادمة سوف تشهد تحركا دبلوماسيا أمريكيا قويا للتعامل مع الوضع الملتهب في جبهتي أفغانستان وباكستان، على خلاف عهد بوش الذي تم إهمال المنطقة فيه لحساب العراق.
ويبدأ الديمقراطيون رحلتهم الصعبة للقضاء على "الإرهاب" في فترة تقترب فيها أفغانستان من موعد انتخابات رئاسية، تتنافس فيها تكتلات سياسية متعددة وسط تدهور أمني مستمر، خصوصا في الجنوب الملتهب، واستشراء الفساد الإداري والفقر.
وأما في باكستان فالوضع يبدو صعبا لحكومة حزب الشعب؛ حيث فقدت السيطرة على العديد من المناطق في شمال غربي البلاد في الشريط الحدودي القريب من الحدود الأفغانية، وتعيش أزمة سياسية وأمنية مع غريمتها التقليدية الهند بعد أحداث مومباي الإرهابية في نوفمبر الماضي.
هولبروك.. الخيار المناسب
ريتشارد هولبروك، دبلوماسي أمريكي مخضرم ينتمي للحزب الديمقراطي وظهر نجمه أثناء حرب البوسنة؛ حيث يعتبر مهندس اتفاقية دايتون عام 1995، والتي أنهت الحرب هناك، مثّل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وتم ترشيحه لجائزة نوبل للسلام أكثر من مرة، يتمتع بخبرة تفاوضية عالية، ورصيد ضخم من العمل السياسي منذ الستينيات من القرن الماضي.
لقد وقع الاختيار على الرجل مرة أخرى أن يقوم بمهمة صعبة "بالجبهة المركزية في الحرب على الإرهاب"، كما يصفها دوما الرئيس أوباما.
وسوف يدير هولبروك الملفات المتعلقة بأفغانستان وباكستان كلها، وتتجمع عنده كل الخيوط، وتتعاون جميع الجهات العسكرية والاقتصادية داخل النظام الأمريكي معه في تحقيق أهداف مهمته الصعبة هذه، ولا شك أنه يطالب بالتمتع بصلاحيات كافية في هذا الصدد على غرار تجربته في البوسنة.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية الجديدة تريد التخلص من حالة الفوضى التي كانت تعيشها مراكز القرار الأمريكي في إدارة ملف الحرب على الإرهاب في عهد بوش، فجزء من مهام هولبروك يتركز داخل أروقة البيت الأبيض والكونجرس والبنتاجون؛ لتوحيد الرؤى والتصورات والقرارات المتعلقة بإستراتيجيات واشنطن في جنوب آسيا، وأفضل الطرق لتحقيقها.
وفي هذا الصدد لا شك أنه يتمتع بدعم كبير من الرئيس، وقبل ذلك من مسئوليته المباشرة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية التي لا تمل من تكرار جملة "نحن فريق واحد".
ولا شك أن الرجل سوف يستفيد من خدمات العديد من المتخصصين في شئون المنطقة ومراكز الدراسات المتخصصة وتوصياتها في ضوء تجارب عهد بوش ونتائجه الكارثية على المنطقة، وكذلك في ضوء التطورات المحلية والإقليمية والعالمية.
ولقد اعتبر الكثير من المراقبين تعيين مبعوث واحد لكل من أفغانستان وباكستان، توجها أمريكيا جديدا للتعامل مع الأزمتين كأزمة واحدة، وإذا ما صدقت الشائعات التي تتحدث عن تولي هولبروك مهمة البحث عن حل للأزمة الكشميرية، فنحن أمام حقبة دبلوماسية أمريكية جديدة تسعى للتعامل مع أزمات جنوب آسيا بتصور أكثر شمولية وعمقا.
أفغانستان.. تعقيد الوضع وتدهور الأمن
لا يخفى على هولبروك مدى صعوبة الوضع في أفغانستان، وكذلك مدى صعوبة المهمة التي تقع على عاتقه لتحسين الأوضاع في أفغانستان، فالوضع في أفغانستان معقد بشكل كبير؛ حيث تواجه الولايات المتحدة مقاومة عسكرية كبيرة هناك بعد أكثر 7 سنوات من سقوط نظام طالبان، وفشلت في فرض السيطرة الأمنية على الجنوب والشرق، رغم وجود قوات كبيرة من حلف الناتو والقوات الأفغانية، بل على العكس تزداد رقعة العنف جغرافيا ونوعيا ويزداد عدد الضحايا كل عام عن الآخر.
ورغم القرار الأمريكي السابق والحالي بزيادة عدد القوات الأمريكية هناك وإرسال 30 ألف جندي آخر ممن تنتهي مهامهم في العراق، والاستمرار في الخطط العسكرية لاحتواء العنف المتزايد هناك، فإن مهمة هولبروك تكمن بشكل أساسي في رفع التنسيق العسكري والسياسي بين دول حلف الناتو التي لها حضور كبير في أفغانستان، والتركيز على إيجاد بدائل عسكرية أخرى، أهمها رفع مستوى التدريب والتسليح في الجيش الأفغاني، وربما الاستعانة بميليشيات قومية على غرار صحوات العراق.
ويتوقع البعض أن جزءا من التحرك السياسي لهولبروك يتركز في اختبار الاحتمالات المتوفرة للوصول إلى حل سلمي مع طالبان أو مع أجزاء من طالبان وبقية المجموعات التي تقاتل ضد الناتو هناك، ومحاولة فصل مسار القاعدة عن مسار المقاومة المسلحة في أفغانستان.
ويتحتم على هولبروك أن يهتم بالشأن الداخلي لنظام الحكم في أفغانستان؛ حيث يقترب موعد الانتخابات الرئاسية وعلى الولايات المتحدة أن تقرر الشخص الذي يقود المركب الأفغاني في الفترة القادمة، خصوصا أن هناك إشارات مباشرة وغير مباشرة أمريكية وغربية عديدة تتحدث عن تخلي الغرب عن الرئيس الأفغاني الحالي حامد كرزاي، والذي أثبت فشله في إدارة الحكم الذي انتشر فيه الفساد بشكل فاضح، مما جعله يفقد الكثير من شعبيته، وفقد كذلك العديد من حلفائه السياسيين داخل النظام الحاكم.
ويشكل الاهتمام بعملية إعمار أفغانستان، وبناء البنى التحتية، وتقوية مؤسسات الحكم وإرسائها وكسب "قلوب الناس وعقولهم"، حسب الوصف الغربي، ملفا آخر في التعامل مع الوضع الأفغاني المعقد.
الوضع في أفغانستان يبدو معقدا كذلك في بعدها الإقليمي؛ حيث تتقاطع مصالح إقليمية عديدة هناك، بدءا من بكين وموسكو إلى طهران والرياض ونيودلهي، بجانب وجود حلف الناتو والمصالح الأوروبية وجماعات عابرة للقارات مثل القاعدة ومافيا المخدرات.
ومن المتوقع كذلك أن تتسم دبلوماسية واشنطن الجديدة بمرونة أكثر في السير نحو إيجاد تحالفات إقليمية وإشراك قوى إقليمية ودولية مثل الهند وإيران والسعودية في رسم مستقبل المنطقة.
باكستان.. في عين العاصفة
لا يخفي المسئولون في واشنطن قلقهم من تدهور الأوضاع في باكستان، حليفتهم التاريخية في جنوب آسيا، والتي تحولت وبسبب لعبتها المزدوجة في التعامل مع المجموعات الإسلامية المسلحة إلى ساحة لمواجهة حقيقية بين نظام الحكم وبين هذه الجماعات التي أصبحت لها أطماع محلية وإقليمية وضعت باكستان في وضع حرج عالميا.
فالوضع أصبح خارج السيطرة في مناطق القبائل التي تتاخم الحدود الأفغانية؛ حيث بسطت حركة طالبان باكستان سيطرتها عليها، ويشهد وادي سوات خارج منطقة القبائل كذلك مواجهات دموية بين القوات الأمنية الباكستانية وإسلاميين مسلحين منتمين إلى حركة تطبيق الشريعة المحمدية.
على هولبروك وهو يتعامل مع الملف الباكستاني أن يجد حلولا سياسية تؤدي إلى احتواء الجماعات الإسلامية المسلحة التي لها أجندة محلية في باكستان وتفصل مسارها عن مسار تنظيم القاعدة الذي يملك أجندة عالمية وتعلن واشنطن عدم استعدادها للتفاوض معه.
على هولبروك أيضا أن يراعي توازنات اللعبة في جنوب آسيا بين الهند وباكستان ويسعى لإبعاد مخاوف إسلام آباد وهو يعكف على معالجة الوضع في أفغانستان على ألا تصبح قاعدة خلفية للهند، ونفس المخاوف لدى نيودلهي أن تتحول أفغانستان إلى عمق إستراتيجي لباكستان أمام الهند.
ورغم الجهود الأمريكية وحتى الباكستانية عبر حزب الشعب الحاكم بأن الخطر المحدق لأمن باكستان والمنطقة يكمن في وجود الإرهاب والمجموعات الإسلامية المتشددة التي تعتمد على استخدام العنف في فرض أجندتها، لكن هذا الخوف ليس كافيا لتضييق المسافات بين الهند وباكستان وهو ما ظهر جليا عقب هجمات مومباي الإرهابية.
وقد تستمر الأوضاع المتوترة بين الهند وباكستان لفترة أخرى، غير أن واشنطن تبذل كل ما بوسعها لتقف دون وقوع أي أزمة عسكرية بين الدولتين من شأنها أن تضعف جهود واشنطن في "الحرب على الإرهاب" في المناطق الحدودية بين أفغانستان وباكستان.
وهذا ما يدفع البعض للحديث عن جهود أمريكية باتجاه دفع الهند وباكستان للحديث حول حل سلمي لكشمير، الأمر الذي ترفضه الهند حاليا بشدة، لكن قد يجد مستقبلا أذنا صاغية في نيودلهي في ضوء التقارب الهندي الأمريكي الجديد.
وتبدو واشنطن راغبة في بقاء حكومة حزب الشعب على الحكم ومساعدة باكستان على تخطي أزماتها الاقتصادية والأمنية، خوفا من وقوع البلد في فوضى عارمة أو سيطرة الإسلاميين على الحكم والأسلحة النووية الباكستانية، وهي مخاوف ترددها وسائل إعلام غربية من وقت لآخر، ربما لتحقيق مآرب أخرى.
ترحيب.. وتوصيات
لقد رحبت كل من كابول وإسلام آباد بتعيين هولبروك مبعوثا أمريكيا خاصا للمنطقة، لكن هذا الترحيب لم يخل من توصيات صريحة أو مبطنة لسادة البيت الأبيض الجدد، بألا تكرر التجارب الفاشلة السابقة في الاستخدام المفرط للقوة والقيام بعمليات عسكرية أو تحركات سياسية دون التنسيق مع الشركاء المحليين والإقليميين ودون دراسة تبعات هذه الخطوات.
فكلتا الدولتين تشكوان من الهجمات العسكرية الأمريكية الصاروخية أو الجوية التي تقتل المدنيين وتضع الحكومات في وضع حرج مع شعوبها في كل من أفغانستان وباكستان.
فهل يكون بمقدرة هولبروك الذي اشتهر باسم "جرافة البوسنة"، والذي مهد الطريق للسلام هناك عام 1995، أن يمهد الطريق إلى الهدوء والاستقرار في جنوب آسيا؟
وهل يكون قادرا على إيجاد حلول توفيقية تلبي المصالح المتقاطعة للقوى المحلية والإقليمية المتصارعة في المنطقة؟
وأسئلة أخرى كثيرة تنتظر الرجل الذي اعترف بأنه أمام مهمة صعبة وأعداء شرسين.
كاتب ومحلل سياسي أفغاني.
|