English

 

الأربعاء. فبراير. 4, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الفلسطيني

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

جدل المرجعية الفلسطينية.. الشعب وهدف التحرير هما المعيار

نبيل شبيب

Image
دعوة مشعل لمرجعية جديدة اثارت جدلا فلسطينيا كبيرا
إن الجدل الدائر حول منظمة التحرير الفلسطينية ودعوة حماس لتشكيل مرجعية شاملة لشعب فلسطين، لا ينبغي أن يتجاوز قاعدة أساسية ثابتة لا يحيد عنها قانون دولي، ولا منطق سياسي، ولا واقع فعلي -إلا في حالات الانحراف والتزوير- وهي أن الشعب هو المرجعية، وأن أي جهة تمثل الشعب، تستمد مشروعيتها من إرادة الشعب، فتصبح آنذاك فقط "الوكيل" المشروع عن "مرجعية" مشروعة، فإن حادت عنها فقدت مشروعيتها بفقدان شروط الوكالة عن المرجعية، حتى وإن كانت منتخبة بصورة مباشرة وبشروط وآليات ضامنة لعناصر الحرية والنزاهة وضامنة لاستبعاد مختلف أشكال الضغوط والتزييف والتزوير.

شروط مشروعية تمثيل الشعب

إذا تركنا جدلا المنطلق الإسلامي في اعتبار قضية فلسطين قضية العرب والمسلمين جميعا، واكتفينا -فقط- بما يقوله القانون الدولي، نجد أنه في حالة الاغتصاب والاحتلال والتشريد بالذات يستحيل وجود جهة تمثل إرادة الشعب بالوكالة بالشروط المذكورة آنفا تمثيلا مشروعا مطلقا. ولكن هنا أيضا لا يمكن "التلاعب والتحايل" بحجة ظروف استثنائية، فمن فوق حق "تمثيل إرادة الشعب" يوجد في القانون الدولي الحديث "حق تقرير المصير"، فما دامت الانتخابات والاستفتاءات الحرة النزيهة المضمونة مستحيلة في حالة الاغتصاب والاحتلال والتشريد، تصبح مشروعية تمثيل أي جهة للشعب مقيدة بسعيها من أجل تمكينه من ممارسة حق تقرير مصيره.

ولا يمكن القول إن هذا الشعب أو ذاك قد توصل إلى ممارسة حق تقرير مصيره.. هكذا اعتباطا، فحق تقرير المصير ثابت نصا ومضمونا، وينطوي أولا على تحرير الشعب وأرضه دون قيد أو شرط أو تزييف، وينطوي ثانيا على إزالة مختلف القيود والضغوط التي تؤثر سلبا في تعبير الشعب عن إرادته، وآنذاك فقط.. يمكن عن طريق استفتاء حر نزيه مضمون بآلياته وتطبيقه، أن يوصل إلى نتيجة جديرة بالقول إنها تعبر عن إرادة الشعب بشأن تقرير مصيره، فقد يختار أن تكون له دولة مستقلة، أو أن يدخل في اتحاد مع دولة قائمة، أو أن يتخلى عن جزء من أرضه، وليس في تاريخ القانون الدولي الحديث "سابقة" من هذا القبيل.

وبعد أن يمارس الشعب حق تقرير المصير، الثابت نصا وغير القابل للإلغاء أو الانتقاص مضمونا، وتصبح له دولة، يصبح التعبير عن إرادته فيها من خلال انتخاب حر نزيه لسلطة تحكمه، فتمثله تمثيلا مشروعا. ولكن لو وجدت هذه السلطة المخولة بحكمه، لا يعني ذلك أنها مخولة بالاستغناء عن جزء من أرضه، فإذا وقعت اتفاقا ما تتنازل فيه عن جزء من هذه الأرض، فاتفاقها باطل بحكم القانون الدولي لأنها تجاوزت الصلاحيات المخولة لها عبر الانتخابات لتمثيل إرادة الشعب، فتفقد مشروعيتها أيضا.

المنظمات ليست سلطة مطلقة

حتى لو تم بالفعل تشكيل منظمة جديدة ما لشعب فلسطين، وكان تشكيلها بأفضل صورة "ممكنة" في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة، للاحتلال والتشريد وضغوط الحصار والحروب، فإن مشروعية تلك المنظمة تبقى مقيدة وليست مطلقة، فكيف هو الحال مع منظمة قائمة من قبل؟..

من هنا يطرح السؤال الكبير نفسه عن مدى مشروعية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية القائمة منذ عام 1964م لشعب فلسطين.. هل هو تمثيل مطلق غير مقيد ولا مشروط؟..

هل يمكن أن تتخلى المنظمة عن جزء من الشعب عبر القبول ببقائه في الشتات (ما يسمى حق العودة.. وهو لا يعني مجرد عودة السكان بل ينطوي على عودة أرضهم أي على عنصري السيادة والاستقلال أيضا) أو أن تتخلى عن جزء من الأرض (اتفاقات التسوية كأوسلو)؟..

وإن صنعت ذلك فما الذي يبقى من مشروعيتها؟..

ليست القضية قضية تاريخ المنظمة.. فسيان هل كان نظيفا أم لم يكن، مستقيما أم منحرفا، مجيدا أو غير ذلك، فالمهم هو الواقع الحالي للمنظمة، هل تتخذ مواقف وتتبنى سياسات وتُقْدم على ممارسات من شأنها الوصول بشعب فلسطين، في أرضه وفي الشتات، إلى ممارسة حق تقرير مصيره حقا ثابتا شاملا غير منقوص (وغير مزيف) أم لا تفعل!.

تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية لا يقتصر على فترة نشأتها الأولى بغض النظر عما فيه من "أمجاد" أو رافقه من "شوائب"، إنما ينطوي أيضا على ما تلا تلك الفترة، وكان فيه تهديم منظم لأعمدة مشروعية تمثيلها لشعب فلسطين وإرادته وحق تقرير مصيره بنفسه، (1) بدءًا بعدم تطبيق الأنظمة الداخلية للمنظمة وتجاوزها وتطويع أجهزتها لغايات بعيدة عن ميثاقها الأول، وعن أهدافها الأصيلة، وعن مسوغات وجودها من الأصل.. (2) مرورا بمعاول هدم تلك الأهداف والمسوغات لدرجة تجعل اسمها القائم ابتداءً على "التحرير" وفق تعريف الكلمة نصًا في ميثاق تأسيسها (وليس وفق سياسات منحرفة تتخلى عن جزء، فلا يسري عليه التحرير وتقول بتحرير جزء آخر) متناقضًا مع الممارسات التي أصبحت تحمل اسمها.. (3) انتهاء بتقويض البقية الباقية من تمثيل الشعب في أرضه وفي الشتات، بالتخلي يومًا بعد يوم عن جزء بعد جزء من حق تقرير مصيره الذي لا يقبل التجزئة ولا الانتقاص، وبما يتجاوز جميع الصلاحيات الفعلية وحتى "الموهومة" لتمثيل الشعب.. حتى يتحرر وتتحرر أرضه، ويتمكن من ممارسة حق تقرير مصيره بنفسه.

إن المنظمة أصبحت بذلك تنتحل انتحالا حاليا وصف المنظمة، وهدف التحرير ومشروعية التمثيل.

التمثيل المشروع لشعب فلسطين لا يخوّل أي جهة من الجهات، طوال فترة الاغتصاب والاحتلال والتشريد والحروب، أن تتخلى عن حق من حقوقه الأساسية المرتبطة ارتباطا وثيقا بتمكينه من ممارستها، بعد أن يحصل على إمكانية ممارسة حق تقرير مصيره بنفسه.

لغة الواقع القائم

الجدال الحالي الدائر في هذا الميدان ليس نظريا بل هو كما يقول أطرافه من قبيل التعامل مع واقع قائم، ولكن هذا التعامل أيضا ليس "عشوائيا"، فأي منظمة أو أي فرد من الوجهاء والأعيان، إنما يكون تقديمها أو تقديمه للحديث باسم الشعب بالقدر الذي يُنتظر معه أن يخدم هو على أرض الواقع في مختلف الظروف إرادة الشعب وحقه الثابت غير المنقوص في تقرير مصيره، واتباع السبل الكفيلة بتحقيق ذلك.

كل منظمة.. أيا كانت، وكل فرد.. أيا كان، إذا أقدم في أي ظرف من الظروف، على قول أو فعل من شأنه الانتقاص من حق تقرير المصير وهو أساس ثابت من أسس القانون الدولي، يفقد مشروعية تمثيله للشعب، المكتسبة عبر نضال سابق، أو الممنوحة عشوائيا من أي جهة من الجهات.

إن كان عاجزًا عن ذلك بسبب "ظروف الواقع" فعليه التنحي، وليس إخضاع الواقع لظروف عجزه!.

لو أن الطرف الآخر -وهو في قضية فلسطين: "الإسرائيليون ومن ورائهم من قوى دولية"- أعلن الاستعداد للقبول بمفاوضات توصل إلى ممارسة شعب فلسطين في أرضه وفي الشتات، لحق تقرير مصيره بنفسه، دون قيد أو شرط، ووفق ما هو مقرر في المواثيق الدولية بشأن حق تقرير المصير، وليس على أساس شروط تتناقض معه، سواء كان مصدرها قوى دولية مهيمنة، أو جهات فلسطينية أو غير فلسطينية منحرفة، يمكن آنذاك فقط القول إن المنظمة التي تختار طريق المفاوضات بهذه الشروط، تمثل شعب فلسطين مؤقتا، ثم يكون تمثيله بعد ممارسة حق تقرير المصير لمن يختاره بنفسه لنفسه.

هذا الكلام هو الكلام "الخيالي غير الواقعي".. وهو بالذات كلام من يزعمون لأنفسهم ممارسة السياسة الواقعية، فالواقع القائم يقول بوضوح: إن الطرف الآخر يرفض ذلك رفضا قاطعا، وإنه يريد مفاوضات لا توصل إلى حق تقرير المصير الثابت غير المنقوص، بل يعرض شيئا ما.. دون ذلك، مهما بلغ حجمه وكان شكله الموعود، ويقول الواقع أيضا: إن الطرف الآخر لا يمكن أن يعدل موقفه إلا بمقاومته، المشروعة في المواثيق الدولية في حالة الاغتصاب والاحتلال والتشريد تحديدا؛ ولهذا لا يمكن لأي منظمة تختار طريق المفاوضات دون المقاومة، أن تمثل شعب فلسطين بصورة مشروعة.

إن أول ما تقتضيه السياسة الواقعية هو أن الواقع القائم هو الذي يحكم على أسماء المنظمات وتاريخها وأسماء الأفراد وتاريخهم، وليس العكس، فتمثيل شعب فلسطين الآن يمكن أن يكون لمنظمة فتح مثلا (وسواها)، لو أنها ولدت الآن من جديد على أساس سليم يتبنى المقاومة المشروعة ويرفض مفاوضات منقوصة لهدف منقوص، ولا يكون لفصائل المقاومة باسم حماس (وسواها) لو انحرفت جدلا عن طريق المقاومة المشروعة إلى المفاوضات المنقوصة.

لا ينبغي إذن طرح المشكلة الحالية على ساحة فلسطين وأحداثها الآن من باب المفاضلة بين فتح على علاتها وحماس على علاتها، ومنظمات مع هذا الفريق أو ذاك.. بل يجب أن تكون الأسس الثابتة غير القابلة للتزييف والتحوير هي المنطلق في الحديث عن "تمثيل شعب فلسطين".

هذه الأسس هي التي توصل إلى الإقرار على أرض الواقع المشهود بافتقاد منظمة التحرير الفلسطينية لصلاحية تمثيل شعب فلسطين.. وتوصل إلى الإقرار أن فصائل المقاومة هي الأقرب إلى ذلك.

الأنظمة والمنظمة

على افتراض أن جميع الأنظمة القائمة في البلدان العربية قائمة على أسس مشروعة لتمثيل شعوبها -وليست أوضاعها الفعلية على هذا النحو حتما- فهي لا تملك حقا ولا صلاحية ولا مرجعية، لتقرير "مَن" يمثل شعب فلسطين بصورة مشروعة، لا تملك هذا الحق الآن، ولم تكن تملكه يوم أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا لشعب فلسطين.

ولكن حتى مع المضي جدلا وراء القول: إن الأنظمة "أقرّت" آنذاك بواقع قائم، فنزعم جدلا أن المنظمة كانت تمثل الشعب فعلا، بمعنى أنها ربطت وجودها بالوصول إلى ممارسة حق تقرير المصير للشعب المحروم من هذا الحق عبر الاحتلال والتشريد، لا بد رغم ذلك من السؤال:

هل المنظمة على هذه الحال الآن؟..

هل تبقى لها بصورة "أبدية" هذه الصفة المشروطة الممنوحة لها بصورة من الصور؟..

ألا تسقط هذه الصفة عنها إذا أصبحت لا تمثل "شرط التوكيل" الأساسي لهذا التمثيل؟..

يسري هذا على المنظمة الحالية.. وعلى جميع تفريعاتها.. وعلى من لم يصبح عضوا فيها.

ويسري أيضا على أي منظمة تنشأ حديثا وتكون شاملة جزئيا أو كليا للمنظمات الفرعية القائمة وفصائلها ولبعض الوجهاء والأعيان من ذوي المكانة لدى الشعب.

والدول العربية بالأنظمة القائمة فيها حاليا، هي بمفهوم القانون الدولي الحديث "أطراف خارجية"، فمن يدعم منها منظمة أو منظمات تمثل شعب فلسطين على طريق حق تقرير المصير يكن بذلك من الأطراف الداعمة للقانون الدولي بشأن مشروعية تمثيل الشعب، ومن يدعم منظمة أو منظمات لا تمثله على هذا الطريق، يكن بذلك من الأطراف التي تنتهك القانون الدولي بشأن مشروعية تمثيل الشعب.

ولا يخفى فيما سبق التوافق الجزئي "الكبير" بين ما يقرره القانون الدولي الحديث وما يمكن أن نصل إليه بطرح مشروعية تمثيل شعب فلسطين وحقوقه الثابتة من المنطلق الوطني، والعربي، والإسلامي، والتاريخي. إنما لا بد مع التعبير عن ذلك من التعبير أيضا عن الرفض المطلق لما آل إليه وضع قضية فلسطين على أرضية الأوضاع العربية والإسلامية الحالية.

إن تصوير ما يجري تحت عنوان انقسام فلسطيني مرفوض ومصالحة فلسطينية مطلوبة، وكأنه هو المنطلق أو الحجة أو الذريعة لما نشهده من انقسام عربي مرفوض بشأن قضية فلسطين ومصالحة عربية مطلوبة، على صعيد القضية وسواها، يقلب التعامل الواجب مع قضية فلسطين رأسا على عقب، وهو تعامل أصبح يستهدف تصفيتها لا العمل من أجلها على أسس مشروعة عادلة، ولا حتى على أسس منطقية واقعية.

إن تخلي المنظومة العربية التي انفرط عقدها في هذه الأثناء عن قضية فلسطين تحت الشعار "المضلل" في حينه عام 1974م، بمنح منظمة التحرير الفلسطينية وصف الممثل الشرعي لشعب فلسطين، هو المنطلق الأول للانحراف بالقضية عن مسارها التاريخي الأصيل، والدخول بها وبشعب فلسطين مع تغييب إرادته وإرادة الشعوب العربية والإسلامية الأخرى، في سبل لم توصل على امتداد أكثر من ربع قرن إلى أي قسط كبير أو صغير من الحقوق المشروعة بمختلف المقاييس.

ومهما قيل بشأن جهود عربية للمصالحة الفلسطينية-الفلسطينية، لا تخرج هذه الجهود عن طريق الانحراف بمسار القضية، إلا بمقدار ما تقترن بجهود حقيقية فاعلة هادفة لمصالحة عربية-عربية وإسلامية-إسلامية، على أسس قويمة، في مقدمتها إيجاد أوضاع سياسية وغير سياسية مشروعة لتمثيل الشعوب، بما فيها شعب فلسطين، وبما فيها العمل المشترك في قضية فلسطين وسواها من القضايا المصيرية، على أساس الثوابت التاريخية، وبما يضمن عناصر الحق والعدالة أولا، وينتزع ما يجب انتزاعه مما سبق وانتزع بالقوة على حساب فلسطين وعلى حساب المنطقة بمجموعها.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات