English

 

الاثنين. فبراير. 2, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » العدوان والمقاومة

 
أهم الأخبار  

قراءة حضارية في مشاهد أربعة من الحرب على غزة 4-4

أركان الأمة الثلاثة ودبلوماسية وقف العدوان على غزة

د. نادية مصطفى

Image
د. نادية مصطفى
المشهد الرابع: أركان الأمة الثلاثة: تركيا – إيران - مصر (العرب)، ودبلوماسية وقف العدوان على غزة: دلالة الأبعاد التاريخية - الحضارية وحسابات المصالح الوطنية

الصراع مع إسرائيل صراع قومي مع العرب بحكم الجغرافيا، وهو أيضا صراع حضاري مع المسلمين بحكم التاريخ والحضارة والدين، وهو أخيرا صراع ذو امتدادات خارج الإقليم (أو امتدادات العالم إلى داخل الإقليم) بحكم منشأ المشروع الصهيوني ومؤامرة القوى الغربية لزرعه في قلب العالم العربي والإسلامي في فلسطين، وهو فوق كل ذلك صراع يكشف ويتحدى ويختبر حسابات المصالح الوطنية والقومية من ناحية، وكذلك توازنات القوى الإقليمية والعالمية من ناحية أخرى، وأخيرا مفهوم الجوار الحضاري (بين أركان الأمة الإسلامية الثلاثة: تركيا، وإيران، ومصر).

ولقد شهدت مراحل تطور هذا الصراع مع إسرائيل، الممتد ومتعدد الأبعاد، تعاقب ظهور وصعود أحد الأبعاد مقارنة بالآخر.

طالع أيضا:

تطور الصراع

فلقد دُشِّن المشروع الصهيوني وبدأ إرساء أركانه على أرض فلسطين في ظل نهاية مرحلة أفول ثم انهيار آخر الخلافات الإسلامية (الخلافة العثمانية)، وفي ظل إتمام استعمار ما تبقى من العالم الإسلامي (الشام) تحت نظام الانتداب البريطاني والفرنسي في فترة ما بين الحربين العالميتين، وذلك في وقت أخذت فيه إرهاصات حركات التحرر الوطني في الظهور عبر أرجاء الأمة العربية والإسلامية.

واندلعت حروب 1948 و1956 و 1967 في مرحلة بداية ثم صعود المد القومي والثوري العربي، في نفس الوقت الذي كانت تتدعم فيه أركان التحالف التركي والتحالف الإيراني مع القوى الغربية المهيمنة على النظام الدولي (بريطانيا ثم الولايات المتحدة)، ومن ثم مع إسرائيل، وفي المقابل أخذت تتوالى حركات الاستقلال في العالم العربي والعالم الإسلامي مقدمة ساحة جديدة لاختبار توازنات "الحرب الباردة طوال عقدي الخمسينيات والستينيات؛ وكانت ساحة الصراع العربي الإسرائيلي من أهم ساحات هذا الاختبار.

وكانت المرحلة منذ هزيمة يونيو 1967 وحتى ما بعد حرب أكتوبر العظيمة بمثابة مرحلة انتقالية على عدة أصعدة: التغير في حالة المد القومي العربي الثوري الذي أخذ في التراجع مقابل تجدد وصعود تيارات أخرى إسلامية وليبرالية ظلت محجوبة تحت ضغط هذا المد، وفي نفس الوقت كانت تركيا وإيران تستكملان تغيرات سياسية واجتماعية، سواء في ظل نظام علماني تعددي أو في ظل نظام شاهنشاهي تسلطي، وعلى نحو قاد إلى انقلاب جذري في إيران مع اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية، في حين كان النظام التركي، وفي ظل ديمقراطية وليدة تنمو بتؤدة وتراكم، يشهد بدوره إرهاصات الحركات الإسلامية التربوية والمجتمعية التي ألقت بظلالها ونتائجها تدريجيا أيضا وبتراكم على قواعد اللعبة السياسية على نحو أفرز خلال العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين تيارا سياسيا ذا توجهات إسلامية.

وفي مقابل هذا النمط من التغيير الثوري الجذري في إيران والتغيير التدريجي من أسفل إلى أعلى في تركيا، واللذين استدعيا "البعد الإسلامي" في توجهات السياسة الخارجية للدولتين، فإن حالة التغير المجتمعي والسياسي في النظام العربي شهدت، ولما يقرب من أربعة عقود حتى الآن (منذ 1967)، صعودا مقيدا ومضغوطا للتيارات الإسلامية على نحو استحضر قضية العلاقة بين الديمقراطية والمواطنة وبين الإسلام إلى صميم الجدالات والتوازنات بين القوى السياسية على الساحة العربية.

وفي ظل غياب الديمقراطية التعددية، وفي ظل استمرار نمط الصدام الحاد بين معظم النظم العربية وبين الحركات الإسلامية السياسية (السلمية) ظلت الفجوة تتنامى بين شعوب وقواعد تتمسك بهوية مهددة وبين نخب تعاني من أزمة هوية وبين نظم وظفت قضية الهوية (بأنماط متنوعة) بما يتناسب واستمرار استبدادها وتسلطها وإحكام قبضتها على شعوبها بمساندة خارجية، وتبدو حالة مصر واضحة وجلية في هذا السياق، باعتبارها الدولة القائد تاريخيا في هذه المنطقة، عبر العصور المتتالية التي مرت عليها.

ولقد كان لهذه التطورات على صعيد هذه الأركان الثلاثة، مصر، وتركيا، وإيران – عبر القرن الأخير على الأقل - (والذي شهد أيضا مولد ونمو المشروع الصهيوني وتدعيم أركانه) انعكاساتها على نمط دور كل ركن منها وعلى نمط التنافس بين أدوارها الإقليمية في المنطقة العربية بجوارها الحضاري التركي -الإيراني أي فيما يسمى الآن "الشرق الأوسط الكبير"، والذي تتطابق حدوده مع ما وصلت إليه حدود الخلافة الإسلامية في ظل الخلافة العباسية الثانية.

كما كان لهذه التطورات بالطبع انعكاسها على موقف الأركان الثلاثة من الصراع مع إسرائيل والموقف من "القضية الفلسطينية"، فبعد محورية الصراع مع إسرائيل خلال مرحلة المد القومي الثوري العربي من توجه السياسة المصرية وبعد التحالف الإيراني والتركي مع الغرب ومع إسرائيل في ظل الحكم الشاهنشاهي وفي مرحلة الانقطاع التركي عن العالم العربي، وصلنا إلى مرحلة المد الوطني في توجه السياسة المصرية التي شهدت تدريجيا علو حسابات المصلحة الوطنية على حسابات مصالح الأمن القومي العربي، وهي المرحلة التي فقدت خلالها "القضية الفلسطينية محوريتها" مقارنة بمتطلبات الحفاظ على "السلام مع إسرائيل والتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية" كما لو كان لا يمكن الجمع بين الأمرين.

وفي نفس المرحلة قفزت القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل إلى صدارة السياسة الخارجية الإيرانية، وعلى نحو بدت فيه كورقة من أوراق هذه السياسة في إدارة تحالفاتها الإقليمية والعالمية وتدعيم دورها الإقليمي وحماية مصالحها الوطنية والإقليمية، حيث اندمجت وانجدلت الاعتبارات "الأيديولوجية" في منطلقات هذه السياسة الثورية (نصرة المقاومة في فلسطين) مع حسابات المصالح الوطنية الإيرانية في مرحلة تبحث فيها إيران عن دور جديد في الفضاء الحضاري العربي والإسلامي.

أما تركيا فإن إعادة الحسابات في توجهاتها الإقليمية والعالمية عقب نهاية الحرب الباردة قادتها إلى إعادة التوجه نحو المنطقة العربية في نفس الوقت الذي أخذت تدق فيه بقوة للدخول إلى الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي كان لابد أن يفرض إعادة الحسابات تجاه درجة مساندة سياسات إسرائيل في المنطقة ودرجة مساندة القضية الفلسطينية، وخاصة من جانب القوى السياسية الحاكمة ذات التوجهات الإسلامية.

 كل هذه التغيرات التدريجية في توجهات سياسات الأركان الثلاثة الخارجية والتي تراكمت عبر ثلاثة عقود تزامن معها تغيرات مهمة أخرى على صعيدين؛ تنامي "الصحوة الإسلامية" بين الشعوب العربية والإسلامية من ناحية، وتنامي دور التيار الإسلامي في المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية من ناحية أخرى.

خطرين متوازيين

إن العقود الثلاثة الأخيرة، منذ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية ومنذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران قد شهدت تنامي خطين متوازيين:

التدخل الخارجي بكافة الأدوات على نحو شكّل تحديات وتهديدات خطيرة للأمن الوطني والأمن القومي والأمن الحضاري، في مقابل تنامي المقاومة – من أسفل - وذلك بتجدد صعود الإسلام كمصدر لمقاومة حضارية متعددة الأبعاد: سلفية - حفاظا على الدين، صوفية - حفاظا على الروحاني والأخلاقي، إصلاحية تربوية واجتماعية - حفاظا على الناس عقلا ونفسا، حركية سياسية - حفاظا على الشرعية الحاكمة.. إلخ.

والملامح الكبرى والسريعة المشار إليها عاليا، في محاولة للربط بين أدوار أركان الأمة الثلاثة، قد تبدو في نظر البعض تبسيطا مخلا لتفاعلات مركبة ومتشابكة، وقد تبدو أيضا اختزالا لخريطة أكثر تعقيدا الآن لأركان الأمة، حيث توجد الآن أركان أخرى للأمة، بالمعنى الاقتصادي المالي على الأقل (السعودية وماليزيا مثلا).

إلا أن هذا المنهج الذي يبدو تبسيطيا واختزاليا هو منهج إجرائي مقصود بغرض التقاط خيط ناظم يبرز ما يلي: انتماء الأركان الثلاثة إلى فضاء حضاري عربي وإسلامي، الممتد عبر التاريخ، ولقد شهد تفاعلاتهم التنافسية من ناحية، الرابطة بينهم وبين الصحوة الإسلامية (بأنماطها وتياراتها المختلفة) من ناحية أخرى، وبين الصراع مع إسرائيل من ناحية ثالثة، وهذا الخيط الناظم يستجيب مع الهدف من وراء مدخل القراءة في المشهد الرابع ألا وهو استدعاء الذاكرة التاريخية والحضارية عند مناقشة ثلاثة أسئلة كبرى تكرر طرحها خلال أسابيع العدوان الثلاثة وقبله أيضا، وستستمر في تداعياتها عقب وقف النار وخلال البحث في "ما بعد الحرب"، بل إن "ما بعد الحرب" كان حاضرا وبقوة خلال التفاعلات الدبلوماسية التي حاولت أن توقف العدوان، وشاركت فيها هذه الأركان الثلاثة بأدوار متنافسة أو صراعية؛ هذه الأسئلة الثلاثة هي:

ثلاثة أسئلة كبرى

(1) هل تواطأت مصر مع إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا ضد المقاومة في غزة؟ هل تخلت مصر عن دورها كشريك في التسوية سلما أو حربا؟

 

 موقف مصر من العدوان على غزة كان مثيرا للجدل

(2) ما الجديد في الدور التركي، الحليف الإستراتيجي لأمريكا ولإسرائيل؟ ولماذا؟

(3) أين حماسة إيران وحزب الله من حيث الهجوم على إسرائيل ومن حيث ضرورة استمرار المقاومة وضرورة استمرار مساندتها؟ هل تعدت مساندتها الإدانة اللفظية لإسرائيل؟

وتحوي هذه الأسئلة في مجملها تساؤلا رابعا، وهو هل هذه الأدوار متصارعة أم متنافسة؟

وكيف لأركان هذه الأمة أن تتنافس أو تتصارع حول قضية محورية في علاقة الأمة الإسلامية بالغرب والصهيونية؟ وإذا كان تاريخ الأمة الإسلامية – عبر عصورها المختلفة - قد كشف عن حالات ودرجات من التنافس والصراع بين هذه الأركان (وإن كان تحت أردية مختلفة من النظم ومن السياقات) فإن هذا التنافس أو الصراع يمثل في حد ذاته نمطا متكررا عبر التاريخ، وخاصة منذ تكوين الدولة الصفوية في إيران (في بداية القرن السادس عشر الميلادي) تداخلت في تشكيله متغيرات عديدة: التنافس على قيادة العالم الإسلامي، التدخل الخارجي ومصادر التهديد الخارجية، الاختلافات المذهبية، وبدون ادعاء القدرة في هذه السطور على استدعاء دلالة هذه الذاكرة التاريخية فإنه يكفى القول وببساطة أن حسابات المصالح الوطنية (أو القومية) تداخلت مع تأثيرات التدخل الخارجي، بحيث لا يمكن القول إن الاختلاف المذهبي (السني والشيعي) كان المنطلق الأساسي أو الوحيد وراء هذه التنافسات والصراعات.

ومن ثم، إذا كانت الأركان الثلاثة عبر القرن الماضي قد اختلفت نظمها السياسية واختلفت شبكة تحالفاتها الخارجية والإقليمية، وصولا إلى المرحلة الراهنة من هذه العلاقات الثلاثية، فإن مشهد الحرب العدوانية على غزة كان بمثابة مرآة كاشفة للحالة الراهنة للتفاعلات بين هذه الأركان الثلاثة بصفة عامة وفي قلبه التفاعل بين مواقف كل منها تجاه "القضية الفلسطينية"، في مفصل آخر مهم من مفاصل تطورها منذ بداية مسار التسوية السلمية الفلسطينية - الإسرائيلية وآثارها على خيار المقاومة.

فإن الحالة الراهنة للتفاعلات بين الأركان الثلاثة، في ظل تجدد اهتمام تركيا بالمنطقة العربية وتنامي توجهها إليها خلال العقد السابق، تشهد استمرار التوجه الإيراني النشط منذ الثورة الإيرانية للقيام بدور إقليمي فاعل، وهذان التوجهان هما من طبائع أمور السياسة والجغرافيا والتاريخ والحضارة، وفي المقابل فإن النخب العربية (الحاكمة والرسمية والفكرية وغيرها) تتفاوت رؤاها حول هذين التوجهين: إيران مصدر فارسي لتهديد العروبة أو مصدر تهديد شيعي للجماعة السنية، وتركيا مصدر تهديد من "العثمانية الجديدة" بأساليب القوة الناعمة، وفي المقابل، ألا يمكن النظر إليهما كمصدر من مصادر المساندة الجديدة التي يمكن تعبئتها، وفق رؤية إستراتيجية حضارية تتصدى للتهديدات والمخاطر الشديدة التي تحيق بالأمة برمتها الآن؟

قضايا رئيسية

عودة مرة أخرى إلى الأسئلة الثلاثة الكبرى، فإن الملامح الأساسية العامة لمواقف الأركان الثلاثة لتحمل دلالات بالنسبة لمجموعة من القضايا التي استدعتها التعليقات والتحليلات طوال 3 أسابيع تعرض خلالها أهل غزة لنيران إسرائيلية وحشية.
وهذه القضايا هي:
(1) هل التصدي بقوة للعدوان الإسرائيلي يستدعي بالضرورة تحريك آلية عسكرية عربية أو إسلامية أو هل يهدد بالضرورة بالانجرار إلى حرب مفتوحة مع إسرائيل أو هل يؤدي إلى التعرض لاتساع نطاق العدوان الإسرائيلي إلى دول مجاورة مثل مصر وإيران؟

وبعبارة أخرى ما هو نمط النصرة المطلوبة في هذه الحالة؟ وكيف يتم تحديد هذا النمط؟ وما الذي يجب مراعاته عند هذا التحديد؟

وهل التصدي بقوة للعدوان الإسرائيلي بأساليب غير عسكرية يقتصر على الإدانة الشفوية والشجب أم يتطلب أمورا أخرى تمتد إلى نصرة الطرف المعتدى عليه بكل أنماط النصرة الممكنة؟

(2) هل التحالفات والعلاقات الوطيدة مع قوى خارجية (الولايات المتحدة) يحول ويمنع دون التصدي بقوة للعدوان لوقفه ولنصرة المعتدى عليه؟ وما الذي يحول دون تنسيق بين أركان ثلاثة مختلفة من حيث الأيديولوجية الداخلية للنظام ومن حيث التوجه الخارجي؟ هل التوجه الخارجي أم الاختلاف الأيديولوجي أم الرؤية للمصالح الكبرى؟ أليس للضغوط الخارجية من دور وكيف؟

(3) هل حماية المصلحة الوطنية والأمن الوطني تتحقق بالانسحاب إلى داخل هذه الحدود دون اعتبار لمصالح السياق المحيط؟ وهل المصالح الوطنية متناقضة بالضرورة - أو في معظم الأحيان - مع المصالح القومية أو مصالح الأمة؟ أليست حماية الأمن الوطني – لأية دولة عربية وإسلامية - يتطلب التنسيق مع غيرها في مواجهة تهديد إسرائيل للجميع؟ ألا تمثل إسرائيل دافعا لتطوير مفهوم الأمن الجماعي على اعتبار أن الأمن لا يتجزأ، ولأن تهديد إسرائيل لأمن طرف هو تهديد لأمن الجميع؟ أم أن حسابات الواقعية – بأن الأمن يتجزأ - هي الغالبة على الجميع دون استثناء، ومهما تفاوتت درجات مساندة المقاومة في فلسطين أو درجات العلاقات مع إسرائيل؟

(4) ما هي درجة التطابق بين توجهات النظم وبين توجهات شعوبها حول درجة التصدي للعدوان ودرجة المساندة للمقاومة؟
وما دلالة ذلك بالنسبة لدرجة شرعية هذه النظم بصفة عامة ودرجة ما تواجهه من معارضة داخلية بصفة خاصة؟ وهل تعني المساندة الخارجية لبعض النظم الاستمرار في السلطة؟

بل أليس التذرع بالأمن الوطني وعدم المغامرة به هو قرين تدهور إمكانات وقدرات ومن ثم ضعف إرادة سياسية؟

(5) أليس من الممكن أن توزع الأركان المتنافسة الأدوار فيما بينها؟ أليس هذا هو حال الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تجاه الصراع العربي الإسرائيلي؟

ألا يجدي هذا التوزيع للأدوار في دعم القدرات الذاتية (إدارة أزماتنا بأنفسنا) أكثر من اتجاهنا لاستدعاء الدور الخارجي والاعتماد عليه في وقت بات واضحا فيه حدود مساندة هذا الدور الخارجي لحقوق الشعب الفلسطيني وخاصة حقه في المقاومة ضد المحتل؟

مواقف الأركان الثلاثة

أما الملامح الأساسية في مواقف الأركان الثلاثة المقارنة، والتي تختبر هذه القضايا وعلى ضوئها يمكن الإجابة عن الأسئلة المطروحة عاليا، فهي تتلخص في الآتي:

1- إدانة قوية من إيران مصحوبة بهجوم شديد على سياسات إسرائيل مع التأكيد على قرب زوالها، في مقابل إدانة قوية أيضا من تركيا ولكن مصحوبة برفض صريح وقوي لمسئولية حماس عن اندلاع العدوان ودعوة مبكرة، منذ أيام العدوان الأولى، للاستماع إلى صوت حماس في المحافل الدولية ورفض حرمانها من شرعية وجودها كحركة مقاومة وكسلطة وصلت بانتخابات ديمقراطية، بل كان حضور تركيا قمة الدوحة الطارئة التي حضرها مشعل ورفض حضورها أبو مازن مؤشرا على مبادرة تركيا المبكرة بالتفاوض مع حماس وعدم إخراجها من اللعبة السياسية وكسر الحصار السياسي عنها.

ومن ناحية أخرى اتسم الموقف التركي بالتشدد في مواجهة الدبلوماسية الإسرائيلية، حيث رفضت أنقرة استقبال ليفني وغيرها لمناقشة أمر غزة.

أما موقف مصر المعلن فلقد قدم، منذ ما قبل العدوان بيومين، أدلة متوالية لمن يريد أن يتهمها بالتواطؤ أو أن يزايد على دورها الممتد في مساندة القضية، بل يحرمها أو ينزع عنها قيادتها التاريخية لجهود حل الصراع مع إسرائيل حربا أو سلما: ابتداء من الهجوم على رفض حماس تجديد التهدئة واعتباره مسئولا عن إعطاء المبرر للعدوان، وصولا إلى عدم الإدانة الصريحة والقوية لهذا العدوان، وهي الإدانة التي لم تأتِ بالقوة المطلوبة من مصر إلا في خطاب مبارك عشية قمة شرم الشيخ وقمة الكويت، مصحوبة - من جانب أبو الغيط – بالقول بأن استخدام إسرائيل القوة لا يحقق أهدافها بإنهاء حركة المقاومة في غزة، مما يعني اعترافا بأن عدوان إسرائيل على غزة لم يكسر المقاومة.

2- في حين ساندت تركيا وإيران مطالب حماس في رفع الحصار وفتح المعابر كشروط لا غنى عنها لقبول وقف نار من جانبها، فإن موقف مصر من المعابر –وخاصة معبر رفح - كان مناط كل الانتقاد لموقف مصر وكل الاتهام لها بالتواطؤ.

والأمر لا يقتصر على مساندة مصر موقف أبو مازن ضد موقف حماس، أو ادعاء مصر رفضها تكريس فصل غزة عن الضفة، ولكن الأمر يتعدى هذا الجانب المهم إلى جانب آخر أكثر خطورة، وهو أن المتابع لهذه القضية منذ أكثر من عام يتبين بالفعل كيف أن مصر تعرضت لضغوط متوالية من إسرائيل والولايات المتحدة بشأن معبر رفح والأنفاق، لمنع تهريب السلاح إلى غزة، فلقد اتهم باراك حينئذ مصر بأنها لا تقوم بما يكفي لمنع تهريب السلاح مما ولّد حالة من التوتر في العلاقات المصرية الإسرائيلية.

وهو الأمر الذي وصل إلى أقصاه بتوقيع مذكرة التفاهم بين إسرائيل والولايات المتحدة لضمان منع تهريب السلاح، وما تحتويه من بنود إحكام الحصار – ولا أقول الرقابة - بحرا وجوا على المنطقة برمتها وليس على غزة فقط، فأين ردود الفعل المصرية تجاه هذا التهديد للأمن الوطني والسيادة الوطنية المصرية (ولا نتحدث عن أمن قومي أو...).

3- وإذا كانت إيران تقود - ولما يقرب من عشرة أعوام الآن - معركة "برنامجها النووي" مع الدبلوماسية الأمريكية والأوروبية ومع مجلس الأمن، مستخدمة في ذلك كل الأوراق لإدارة هذه المعركة، ودون أن تتخلى عن قرارها باستمرار هذا البرنامج واستكماله، فإن الدول العربية جرت إلى مجلس الأمن تبحث عن قرار يوقف العدوان على غزة، وهو مجلس الأمن الذي ما فتئت إسرائيل ترفض تنفيذ قراراته، بل تتحداها أمام نظر العالم متذرعة بشتى الأعذار والمبررات، في حين اعتبرته الدول العربية الملجأ والملاذ، وذلك في نفس الوقت الذي شهد فيه العالم مسرحية تواطؤ القوى الكبرى في مجلس الأمن مع إسرائيل، وهي ليست بحاجة لتواطؤ أحد معها حتى تكمل ما أرادته، كانت تجري مهزلة القمم العربية المتوالية.

وفي حين اتخذ أردوغان موقفا قويا من مهزلة مجلس الأمن مهددا بأن تركيا لن تلتزم بعد ذلك بقرارات له إذا لم تلتزم إسرائيل، ومبادرا بالوساطة بين الدول العربية والفلسطينية، وذلك بالقيام بجولة في عدة دول عربية في وقت مبكر بعد اندلاع العدوان مباشرة، وفي حين تحركت إيران دبلوماسيا أيضا ولكن مع الحرص – هي وحزب الله - على ضبط النفس والاقتصار على إعلان المساندة الكاملة لحركة المقاومة بكل السبل الممكنة، وفي حين رفضت مصر والسعودية عقد قمة طارئة من أجل غزة، فلقد حضر أحمدي نجاد قمة الدوحة الطارئة، وكذلك نائب رئيس وزراء تركيا، وفي حين انعقدت قمة الكويت والتي غلب على أعمالها العدوان على غزة، لم تلوح مصر بأي من أوراقها ضد إسرائيل واستمرت أسيرة "المبادرة المصرية"، بل أعلن أبو الغيط أن موقف مصر كان وراء عدم توصل قمة الدوحة إلى بيان أكثر قوة

 الشعب التركي استقبل أردوجان استقبال الأبطال

.ولقد بررت مصر "الفوضى الدبلوماسية العربية" بأنه كان يجب التدرج في الجهود، ابتداء من مجلس الأمن، إلى مبادرة مصرية إلى القمة العربية، وإذا بالإعلان الإسرائيلي لوقف النار من جانب واحد ينهال بصفعة على كل ما يسمى بجهود عربية ومصرية لوقف النار دون استخدام أوراق ضغط!! باستثناء ما أسميه أوراق المزايدة على مصر التي استخدمتها قطر على استحياء (تجميد، وحتى حين) بعد المعركة الدبلوماسية التي أحاط بها أمير قطر وملك السعودية نفسيهما، وهما يرزحان تحت احتلال عسكري أمريكي.

4- ولم تهدد مصر بقطع علاقتها أو سحب سفيرها، وبفرض قبول أن استمرار العلاقات بين مصر وإسرائيل يمكِّن الدبلوماسية من أداء دورها بشكل أفضل، أي بفرض قبول حجج مصر ومبرراتها لمسلكها التفاوضي وليس الصدامي مع إسرائيل، فلم تستخدم مصر ورقة واحدة من أوراق الضغط الممكنة على إسرائيل، وهي أوراق ما لبثت المعارضة المصرية والشارع المصري تطالب باستخدامها، وهي أوراق لا غنى عنها لتفاوض صعب مثل التفاوض مع إسرائيل، وخاصة أن تلك الأخيرة لا تترك ورقة واحدة لا تستعملها في كل دوائر اتصالاتها، وخاصة مع مصر نفسها، ومن ثم وعلى العكس، بدا أن مصر هي التي كان واضحا –لدرجة تمس السيادة المصرية ذاتها وتنال من الأمن الوطني المصري الدائم - التدرج بضرورة حمايته من خلال عدم الاندماج أو الانخراط بانفعال في مساندة "غزة" لدرجة قد تؤدي إلى حرب.

 وفي المقابل توالت مؤشرات عن ضغوط تركية – ولو غير فاعلة في كيان مثل إسرائيل - ومنها:

استقالة 300 برلماني من إجمالي 305 أعضاء من أعضاء جمعية الصداقة التركية الإسرائيلية، وإعلان أردوغان أن التحالف مع إسرائيل لا يمكن ألا يتأثر بالعدوان على غزة، كذلك فإن إيران، وبعد الاتفاقية الأمريكية الإسرائيلية لضمان منع تهريب السلاح، لم تتورع عن فضح أهداف هذه الاتفاقية؛ معلنة أن المساعدة العسكرية الإيرانية هي التي مكنت حماس من الصمود، ومؤكدة أنها ستستمر في إرسال هذه المساندة مهما كانت قيود الحصار الجديد الذي تسارعت فرنسا وبريطانيا وألمانيا لتفعيله تنفيذا لخطة ليفني بعد زيارتها الاتحاد الأوروبي وتصريحاتها الآمرة لقياداته في مؤتمر صحفي علني في بروكسل عقب وقف النار أحادي الجانب من قِبل إسرائيل.

5- نظرا لأيديولوجية حماس وأيديولوجية إيران وحزب الله أيضا، انطلقت مقولات رافضة لتديين الصراع مع إسرائيل، ورافضة في نفس الوقت أن تعترف بمؤشرات التديين في المشروع الصهيوني، دعما لأبعاده كمشروع استيطاني عنصري استعماري، ولقد قام الموقف الرسمي المصري على رفض هذا البعد الديني من الصراع، مدعوما في ذلك بموقف تيارات فكرية قومية وليبرالية ويسارية، وإذا كان البعد الديني، وفق هذا المنظور يعني أن الصراع هو بين اليهود والمسلمين أساسا، استكمالا للصراع الذي حدد ملامحه القرآن الكريم وتجلى عبر التاريخ، فإن الاعتراف بالأبعاد الأساسية في المشروع الصهيوني، كمشروع استيطاني إمبريالي يجب ألا يُسقط البعد الديني من زوايا أخرى هي الأجدر بالاهتمام، وليس مجرد زاوية الصراع بين اليهود والمسلمين، عقديا وتاريخيا، ومن الزوايا الأخرى الأجدر بالانتباه إليها تلك التي تتجاوز البعد الديني - كمجرد عقيدة - إلى البعد الديني كمرتكز لبعد حضاري وتاريخي ممتد.

هنا نستطيع أن نستحضر الفارق بين موقف إيران الممتد وبين موقف أردوغان الذي قفز مؤخرا معلنا بصراحة عما أثار من قبل الكثير من الأسئلة والتوقعات عن التوجه الحضاري لسياسة تركيا، فإن موقف أحمدي نجاد، وكذلك حسن نصر الله، المؤكد على أن إسرائيل إلى زوال ويجب أن تزول، هو موقف قائم على قراءة عقدية تاريخية، ولكن أيضا على قراءة للواقع الذي يبين أن كل إفراط وغطرسة في استخدام القوة لا يحمي الأمن، ولابد أن يقود إلى سقوط، وكان في هذه الرؤية –وغيرها - حافز لتحديد مصادر التهديد للأمن الإيراني بدقة ومن أهمها إسرائيل؛ فإسرائيل لن تقتصر على الدائرة العربية ولكن يمتد توسعها إلى خارجها، ومن ثم فإن تدعيم عناصر القوة العسكرية والاقتصادية ليست إلا سبيلا من سبل المواجهة مع هذا التهديد الذي لا تجدي معه وسائل أخرى مثل التسوية التفاوضية لإدارة الصراع.

ومن ثم، فإن موقف أحمدي نجاد من إسرائيل ليس انفعالا أو حماسا أو مغامرة بلا حسابات للقوة المطلوبة في إدارة الصراع، كما أن هذا الموقف لا يعني في نفس الوقت الانجرار إلى حرب ضد إسرائيل في وقت تحدده هي، فإن موقف إيران خلال العدوان على غزة، وإن كان أبدى شدة في الإدانة وشدة في المناصرة، إلا أنه لم يصل إلى حد التدخل العسكري المباشر لمساندة حماس، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى مع حزب الله، فإن الإيمان بزوال إسرائيل، لا يعني الاندفاع إلى "إلقائها في البحر" دون استعداد كافٍ ودون حساب لتوازنات القوى القائمة، ولكن لا يعني أيضا عدم المقاومة وإسقاط إسرائيل كمصدر تهديد لأمن الوطن الإيراني والأمن القومي العربي وأمن الأمة الإسلامية برمتها.

أما أردوغان رئيس الوزراء التركي، ذو التوجه الإسلامي، فلقد خاض ورئيس دولته عبد الله جول، ذو التوجه الإسلامي أيضا، معارك سياسية وقانونية متلاحقة مع من يريدون إخراجهم من اللعبة السياسية بذريعة انتهاك سياسات حزب العدالة والتنمية لقيم النظام العلماني التركي.

إن أوردغان هذا الذي أكد مرارا وتكرارا أن حزبه وحكومته يحترمان قانون الدولة ونظامها الأساسي، إن أردوغان هذا الذي يرتبط بعلاقات تحالف إستراتيجي مع الولايات المتحدة تمكن من حماية مصالح بلاده من خلال إرادة تفاوضية قوية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إن أردوغان هذا صرح بقوة وأمام برلمان تركيا تصريحا بين كيف أن الأبعاد الحضارية للأمة التركية، في ذاكرتها التاريخية، لا يمكن إسقاطها بسهولة وللأبد.( خلال إعداد الدراسة للنشر وقعت المواجهة في دافوس (30/1/2009) بين أردوغان وبيريز على نحو استدعى وبقوة هذه الأبعاد مرة أخرى).

فلقد قال خلال اتهامه وانتقاده عدوان إسرائيل، أنه لن يترك هذا يمضي بدون تأثير، فهو حفيد أجداده العثمانيين الذي سبق وحموا اليهود وآووهم حين طردوا والمسلمين من الأندلس، وذلك في حديثه للكتلة البرلمانية لحزبه، حيث قال: "إنَّ الأتراك العثمانيين أنقذوا أجداد (وزيرة الخارجية الصهيونية تسيبي ليفني) و(وزير الدفاع الصهيوني إيهود باراك) من مظالم الصليبيين في إسبانيا عام 1490م لدى سقوط الدولة الأندلسية"، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يذكر فيه مسئول رسمي كلمة "الأتراك العثمانيين" منذ سقوط الخلافة العثمانية في عام 1924م.

ولقد تعددت تفسيرات هذا التصريح الذي لقي اهتماما كبيرا من المعلقين ما بين معتبر إياه ورقة من أوراق الانتخابات في مواجهة تزايد وزن حزب الشعب لدى الشارع التركي ذي التوجه الإسلامي، وما بين مشير إلى دلالته بالنسبة لتوجه تركي جديد للاتحاد الأوروبي والذي يلعب العامل الحضاري دورا أساسيا فيه، وما بين محذر من عواقب هذا التصريح على موضع حزب العدالة والتنمية على خريطة القوى السياسية التركية في نظام علماني، وما بين مؤكد أن هذا التصريح هو تدشين واضح لدوافع وأهداف "العثمانيين الجدد" في تركيا، أي العودة للعب دور ناشط وفعال في الفضاء الحضاري العربي الإسلامي بعدما قامت به في الفضاء التركماني، سواء في آسيا أو البلقان.

ومهما تعددت التفسيرات والتحليلات التي فجرها الدور التركي خلال العدوان على غزة، وخاصة بعد هذا التصريح لأوردغان، فسيظل مشهد العدوان على غزة كاشفا عن توجه تركي جديد نحو الجنوب وليس نحو الغرب، معيدا تقاليد عثمانية مهمة، فلقد اتجهت الدولة العثمانية نحو المنطقة العربية في نهاية العصر المملوكي، ساعية إلى مد نفوذها وتأكيد قيادتها للعالم الإسلامي وتدعيم دورها العالمي، وذلك في وقت تزامن فيه أمران: من ناحية ضعف سلاطين المماليك عن حماية المنطقة من تزايد هجوم الإفرنج من الشمال، والتفاف البرتغال وإسبانيا (بعد سقوط الأندلس) حول العالم الإسلامي من الجنوب، ومن ناحية أخرى تزايد الصدام مع الدولة الصفوية، والذي كان صداما وتنافسا على المصالح والنفوذ، بالرغم من ارتدائه أيضا ثوب الخلاف المذهبي السني الشيعي، وهذا الصدام الذي زكته القوى الأوروبية المتصارعة مع الدولة العثمانية في وقت وصلت فيه الأخيرة إلى مصاف القوة العالمية الأولى.

ومن ثم، فإن أحدا لم يطلب من مصر أن تعلن حربا على إسرائيل من أجل غزة أو الانتفاضة من قبلها، وفي المقابل لم يطلب أحد منها تديين الصراع – مثل حماس وإيران وحزب الله - ولم يطلب أحد منها أن تضحي بالأمن المصري، ولكن المطلوب من مصر "التاريخية" أن تعرف أن أسباب اتهامها بالتواطؤ متعددة:

أن الأمن المصري هو الذي أضحى في خطر على عكس ما تدعي مصر أن سياساتها الحذرة والحكيمة تهدف إلى حمايته، أن تآكل عناصر الإرادة، وليس القدرات، وراء إيثار السلامة والاعتدال وعدم الصدام مع إسرائيل والولايات المتحدة، ذلك لأنه كان بمقدور مصر أن تفعل الكثير لحماية أمنها وصيانة سيادتها، دون أن يتهددها حرب ودون أن تفقد نصرتها لأهل غزة ودون أن تقطع علاقاتها بإسرائيل ودون أن تهدد علاقتها بالولايات المتحدة، إلا أن مواقف مصر بدت مضحية بكل الرصيد الحضاري لمصر ودورها القائد في هذه المنطقة، وعلى نحو أيضا لا يقبله أي منطق من حسابات القوة والتوازنات الرشيدة، لأن أمن مصر أضحى مكشوفا ومهددا، لافتقادها الإرادة ولافتقادها الوعي الحضاري.

ما بعد العدوان وإعادة الإعمار

(6) ما بعد العدوان وإعادة إعمار غزة كانا حاضران في تفاعلات مرحلة العدوان وما قبل وقف النار.

وهذا الحضور يعكس اعترافا متقدما بأن الآلية العسكرية الإسرائيلية المعتدية على غزة لن تحسم الحرب الإسرائيلية ضد خيار المقاومة بصفة عامة وضد حماس بصفة خاصة، ومن ثم فإن هناك حاجة للنظر مبكرا فيما بعد الحرب.
وفي حين قدمت الدبلوماسية المصرية طريقا واحدا نحو استمرار التعامل مع "أبو مازن" باعتباره ممثل السلطة الشرعية، ومحذرة من مخاطر فصل حماس لغزة عن الضفة، وداعية إلى حوار فلسطيني فلسطيني بوساطة مصرية، ومتمسكة بموقفها من معبر رفح، فإن المفاوضات التي جرت في مصر - وبمشاركة تركية - في نطاق المبادرة المصرية لوقف النار (وما بعدها) وبعض نتائج القمة العربية، قد بينت أن هناك حاجة إلى طريق وسط بين المسلك المصري الذي يحظى بمساندة أوروبية وأمريكية وبتوافق إسرائيل وتعاون السلطة الفلسطينية في رام الله، وبين مسلك إيران الذي يأخذ جانب موقف حماس فقط، طاعنا في شرعية "أبو مازن" لتعاونه مع إسرائيل ولتواطئه لضرب حماس والتخلص منها ولاستمراره في التمسك بخيار التسوية التفاوضية على حساب خيار المقاومة، في وقت تبين به كل الأدلة إطاحة إسرائيل بهذا الخيار السلمي.

وأخيرا ترفض إيران وحماس – منذ قمة الكويت - تسييس ورقة إعادة إعمار غزة، والتحذير من الانشغال بمن يتولى الإعمار وكيف، على حساب أولويات أخرى إنسانية وسياسية.

هذا المسلك الوسط قد جسدته مواقف الدبلوماسية التركية المعلنة، داعية إلى احترام وجود وشرعية حماس كحركة مقاومة وكشريك في السلطة وصل بانتخابات ديمقراطية، ومبادرة بالمشاركة في إطار تفاوض لا يقتصر على رعاية مصرية فقط ولكن يشهد دورا توفيقيا بين الأطراف الفلسطينية وبين الدول العربية، وأخيرا فإن الدور التركي لم يقطع تواصله مع سلطة "أبو مازن" أو إسرائيل أو أوروبا، ولكن من خلال مواقف تريد قطع الطريق على الحلقة المفرغة الجديدة التي يمكن السقوط فيها بعد وقف النار.

وإذا كان الدور الإيراني لا يحظى إلا بالاتهام، ربما يكون أكبر أو على الأقل مساويا لما تحظى به إسرائيل من اتهام، من جانب بعض ما يسمى دولا عربية معتدلة وعلى رأسها مصر، فإن الدور التركي الجديد أضحى يكتسب مساندة وخاصة من جانب حماس لدرجة التصريح بأنه دور موثوق به أكثر من الثقة بدور مصر الآن، فهل سيظل مكتسبا نفس الزخم في مفاوضات ما بعد وقف النار؟ وهل سيكون بديلا عن دور أوروبي طالما اجتهد لتعبئة خط "الاعتدال" في المنطقة والحفاظ عليه من خلال أدوات الترغيب السياسية (مثل الاعتراف) وأدوات الترغيب الاقتصادية (المعونات).

وذلك في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن الاتحاد الأوروبي، ودوله الكبرى فرادى (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا) قد تخلوا عن هذا الدور، أو لم يعد هناك مجال للقيام به في ظل المساندة الإستراتيجية الحاسمة التي أضحت إسرائيل تحظى بها، ومن أهم علامات هذه المساندة لدرجة غير مسبوقة التمسك بمسئولية حماس عن اندلاع الحرب، مقرونة ببعض الإدانات الشكلية لإفراط إسرائيل في استخدام القوة دفاعا عن النفس، ومدعومة باستمرار تصنيف حماس كحركة إرهابية، ومن ناحية أخرى رفض الدول الأوروبية في اجتماع بلجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة خلال العدوان إدانة إسرائيل بارتكاب مجازر ضد الإنسانية ورفض إرسال لجنة تقصي حقائق، ومن ناحية ثالثة: تسييس إعادة الإعمار ورفض التعامل مع حماس بهذا الشأن.

ويجب ألا يخفى على أحد أو يغيب عن نظرنا مغزى ذلك التجمع للقادة الأوروبيين الذين توجهوا إلى إسرائيل، في زيارة جماعية تضامينة، عقب مؤتمر شرم الشيخ الذي دعت إليه مصر عشية انعقاد قمة الكويت، وذلك في وقت كانت الآلة العسكرية الإسرائيلية تقصف فيه غزة بلا هوادة، فما مغزى هذه الزيارة الجماعية التي اصطف فيها قادة أوروبا على مائدة واحدة أمام أولمرت وليفني يستمعون إلى أسانيدهم لتدمير غزة وضرب أهلها، وبعد أن اجتمعوا مع مبارك يعلنون تأييدهم مسار التسوية التفاوضية الذي يسلكه مبارك وأبو مازن، ولو داعين بدون أية ضغوط مباشرة إسرائيل إلى فتح المعابر للمساعدات الإنسانية.

ومن ناحية أخرى، ختمت رايس وختم بوش إدارتهما بتوقيع اتفاقية التعاون مع إسرائيل لضمان منع تهريب السلاح إلى غزة، في وقت ظل الجميع ينتظر فيه ما ستقدمه إدارة أوباما من جديد يستجيب للآمال العظام التي أغرق فيها العرب –وخاصة الشعوب - أنفسهم وهم ينتظرون "أوهام" ما بعد بوش.

مرآة غزة الكاشفة

وخلاصة القول: على ضوء الاستدعاء السريع للذاكرة التاريخية الحضارية عن نمط العلاقة بين أركان الأمة الثلاثة، وعلى ضوء القضايا الكبرى التي يطرحها نمط التفاعلات المعاصر بين الأركان الثلاثة - انطلاقا من اختلاف النظم والتوجهات الخارجية - وعلى ضوء بعض الملامح الكبرى عن سلوك كل منها خلال العدوان على غزة، على ضوء كل ما سبق، فإن غزة كانت بمثابة مرآة كاشفة عن الآتي

 

 موقف نجاد من حرب غزة ليس انفعالا أو مغامرة

:من ناحية، أنه في الوقت الذي تتكالب فيه الأمم على "المقاومة في غزة" فإنها قد هانت أيضا على النظم العربية، غير مدركة أن هوان المقاومة، والآن بصفة خاصة، في وقت كشفت فيه إسرائيل بنفسها عن خواء خيار السلام لديها، إنما هو هوان للقضية الفلسطينية برمتها التي تتعرض للتصفية كما أنه تهديد صريح وخطير من إسرائيل للأمن الوطني لكل الدول العربية، ناهيك عن "الأمن القومي العربي"، هذا إذا كانت هذه النظم ما زالت تدرك مغزى هذا الأمن القومي العربي ومغزى أن تصبح إسرائيل هي القوة الإقليمية المهيمنة التي تتحكم سياساتها العدوانية في مصير هذه الأمة بكل أبعادها.

ومن ناحية ثانية، ما مآل العلاقة بين الدورين التركي والإيراني في المنطقة؟ فإذا كانت إيران تتعرض بالفعل لاتهامات عربية وخارجية عديدة حول دوافع ومآلات توجهها الإقليمي، وإذا كانت إيران تتعرض لحصار متزايد سياسي وعسكري واقتصادي تقوده الولايات المتحدة بتعاون عربي، حيث تقدم أمريكا وإسرائيل إيران كمصدر التهديد الأساسي والعدو الأول للعرب، فماذا عن تركيا العلمانية التي يحكمها الآن حزب ذو توجه إسلامي تؤثر عليه ذاكرة حضارية؛ أي ذاكرة ما جمع بين تركيا والعرب وإيران في إطار حضاري إسلامي، وهي ذاكرة تفاوت في الحكم عليها بعد سقوط الخلافة العثمانية، كل من العرب والترك والفرس، فهل سيتصادم الدوران التركي والإيراني، وهل سيكون التركي (المعتدل) على حساب الإيراني (المتشدد) وخاصة مع تزايد الحديث عن أن تركيا وسيط موثوق به من الجانب الفلسطيني في غزة، وكذلك مع تزايد الضغوط على حماس (ما بعد العدوان) من أجل درجة أكبر من "الاعتدال"؟ وأين من ذلك كله الدور المصري؟

هل اختيار نظام مصر التخلي عن دورها تجاه الصراع مع إسرائيل وتجاه مساندة القضية الفلسطينية لصالح خيارات أخرى أكثر برجماتية؟ ألم يكن مشهد فوضى القمم الغربية المتلاحقة مؤشرا على تآكل دور مصر القيادي على صعيد النظام العربي الرسمي، على الأقل أمام مزايدات الآخرين عليها؟ هل يتحقق على هذا النحو الأمن الوطني المصري وحماية المصالح المصرية التي تتذرع بها قيادة النظام لتبرير حكمتها ورشادتها وعدم انفعالها؟! أم أن مقارنة هذا المشهد المصري مع نظيريه التركي والإيراني، على اختلافهما أيضا بالطبع، يبين كيف أن تركيا وإيران بدورهما النشط تجاه القضية إنما يخدمان أيضا مصالحهما وأمنهما، ولو بأساليب مختلفة: صراعية أو تفاوضية، وأن العداء مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو التحالف معهما ليس هو الدافع أو المقيد للقيام بالدور النشط في الفضاء الحضاري المجاور لهما، إذن فالمحك بالنسبة لمصر مقارنة بتركيا وإيران هو ضعف إرادة النظام المصري وقدراته نظرا لضعف شرعيته وتآكل رؤيته الإستراتيجية، حيث إن الأولوية معطاة للحفاظ على أمن النظام ومصالحه وليس أمن مصر وشعبها.

ومصدر هذا الحفاظ هو التحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل بأي ثمن ممكن ولو تحت مبرر اتهام حماس واتهام إيران واتهام قوى المعارضة الداخلية.

من ناحية ثالثة، ومع الاعتراف بأن التغيرات في النظم وبأن مصير إسرائيل ومستقبلها ككيان استيطاني عنصري، جميعها عمليات ليست آنية وحالة، ولكن عمليات ممتدة، ومع الاعتراف بأن الرؤية التثويرية للمواجهة مع إسرائيل تقتضي عدم الاعتراف بوجودها وعدم التعاون معها، بل السعي إلى إحداث تغييرات جذرية في النظم القائمة وشبكة التحالفات العربية والإقليمية، ومع الاعتراف بأن الرؤى التفاوضية لإدارة الصراع مع إسرائيل يقوم على الاعتراف بها كأمر واقع مفروض وضاغط، ومن ثم علينا إجراء حسابات المكسب والخسارة لتعظيم المكاسب بقدر الإمكان وتقليل الخسائر بقدر الإمكان.

إستراتيجية للمقاومة الحضارية

وعلى ضوء ما تفرضه توازنات القوى الحالية من ضغوط وقيود، فإنه يجب الاعتراف من ناحية أخرى بأن الرؤى التفاوضية يمكن ألا تكون استسلاما وانهزاما، كما أن الرؤية التثويرية يجب ألا تكون مجرد مقاومة عسكرية بلا غطاء وبلا رؤية إستراتيجية، ومن ثم فإن الوضع القائم، مع كامل الوعي بخرائطه، يتطلب رؤية إستراتيجية للمقاومة الحضارية الشاملة تتوزع فيها الأدوار بين أركان الأمة الثلاثة ويتحقق على صعيدها قدر من التوافق في المواقف حول عدد من القضايا التي لا تفريط فيها حماية للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، وحماية لأمن الأمة بأسرها.

وهذه القضايا هي:

1- قضية إعادة إعمار غزة ليست قضية إنسانية فقط ولكن قضية سياسية بالأساس، وستكون منطلقا لمداخل سياسية عدة: من سيدير العملية؛ حماس أم السلطة الفلسطينية أم هيئة جماعية دولية عربية أو دولية؟ ولصالح من سيكون إعادة الإعمار وما هي شروط إسرائيل للسماح به؟ هل سيكون دليلا على انتصار مقاومة غزة وهل يمكن أن يكون إعادة بناء لوعاء ونسيج المقاومة؟ أم سيستخدم كورقة ضغط – اقتصادية ومالية أخرى- للحصول على مزيد من التنازلات الفلسطينية باسم حماية التسوية السلمية ومن أجل مزيد من الضغوط والقيود على خط المقاومة بصفة عامة وليس حماس فقط؟ إذن كيف يمكن أن تنجح الجهود الدبلوماسية للأركان الثلاثة في مواجهة هذه المعضلة، وخاصة وقد تبين منذ ما قبل وقف النار وبعده مباشرة، كيف تتشدد إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بهذا الشأن مدعومة بمواقف بعض الدول العربية؟

ومن ثم، من الضروري الحذر أن تؤدي المساندة الإيرانية المباشرة، من خلال الإعلان عن المشاركة في إعادة الإعمار والاستمرار في الإمداد بالسلاح رغما عن الحصار، إلى مزيد من التشدد، أو أن تؤدي المبادرة التركية إلى "استئناس مقاومة غزة المسلحة وتطويعها، وذلك من خلال تكرار ما سبق وقام به الاتحاد الأوروبي مع منظمة التحرير الفلسطينية، من الدعوة إلى الاعتراف بشرعيتهم والتفاوض معهم مقابل الاعتراف بإسرائيل والتخلي عن خيار المقاومة المسلحة (بند العنف) ومن ثم الدخول إلى مسار أوسلو؟

إن خيار المقاومة في حاجة لتكاتف الجهود من أجل إعادة تكامله مع خيار التسوية السلمية، ولكن وفق أسس جديدة تعيد الاعتبار لخيار المقاومة وليس احتواؤه وحتى تصفيته، وهو الأمر الذي يعني أن على حركة حماس أن تقود معركة سياسية جديدة بعد أن صمدت أمام العدوان العسكري، ومن ثم فإن لكل من تركيا وإيران أدوارهما المتكاملة في هذه المعركة السياسية، كما يمكن أن يكون دور مصر رصيدا لإنجاح هذا التوازن، على أن تتخلى عن تحيزها ضد حماس ولا نقول عداءها لها، على غرار المقولة التي ترددها الدبلوماسية الإسرائيلية ابتداء من ليفني إلى رئيس المخابرات الإسرائيلية في محاولة لإحراج الدبلوماسية المصرية وكشف ما لا تستطيع أن تصرح به علنا، ولكن يدركه العديدون، ألا وهو أن مصر تعتبر حماس تهديدا وتريد التخلص منه.

بعبارة أخرى، هناك حاجة لاستثمار زخم "صمود المقاومة" من أجل كسر الحصار عليها كخطوة لازمة مسبقة لأيه مصالحة بين جناحي المقاومة الفلسطينية، العسكرية والتفاوضية السلمية، ومن ثم فإن هناك حاجة لتحرك دولي عربي وإسلامي بلغة جديدة ووسائط جديدة لإعادة التوازن بين هذين الجناحين ابتداء من رد الاعتبار لخيار المقاومة بصفة عامة وكشف عورات خيار التسوية التي جرت لأكثر من ثلاثة عقود حتى الآن، وصولا إلى إصلاح منظمة التحرير. (عند إعداد الدراسة للنشر صعدت حماس من هجومها السياسي من خلال دعوة خالد مشعل – من الدوحة – إلى التوافق حول مرجعية جديدة للشعب الفلسطيني، على نحو أثار تساؤلات حول منظمة التحرير الفلسطينية).

 2- معالجة خطيئة فصل غزة عن الضفة أيا كانت مبررات وأسانيد الأطراف المعنية واتهاماتها بعضها لبعض، فإن هذا الفصل الجغرافي الذي يدعم الفصل بين خياري المقاومة – وهما لابد أن يكونا متكاملين- إنما يخدم مخطط إسرائيل من أجل استكمال إجهاض فكرة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة فاعلة، ومن ثم لابد أيضا من إدراك محاذير إلقاء غزة على كاهل مصر، عودة إلى وضع تاريخي سابق، واستكمالا لما بدأه مخطط شارون بالانسحاب الأحادي من غزة موهما بأن غزة لم تعد محتلة، في حين أن ما حدث لم يكن أكثر من إعادة انتشار عسكري بعد إزالة المستوطنات.

 ومن ثم، ومهما تعددت الانتقادات لموقف مصر من معبر رفح ومن سلطة حماس في غزة، ومهما تعددت مبررات مصر، فإن من أكثر المبررات مصداقية في حد ذاتها (بغض النظر عن أسباب استدعائها) هو تحذير مصر من مخاطر فصل غزة عن الضفة والناجم عما يسمى "انقلاب حماس على الشرعية".

3- ضرورة تكاتف كل الجهود العربية والإسلامية – ومن خلال وساطة متعددة الأطراف - لإعادة اللُّحمة إلى الصف الفلسطيني، وباستخدام كل أوراق الترغيب والضغط الممكنة على الطرفين، فإذا كان بوش وإسرائيل لم ينجحا في إزالة خيار حماس لصالح خيار "أبو مازن"، وطالما أن النظام العربي الرسمي ومصر لم يتخلَ عن مبادرة السلام العربية، إذن هل القدر الأدنى من المواقف المشتركة لا يحقق مصالح مشتركة، في نفس الوقت الذي لا ينال من المصالح الوطنية المتنافسة بين الدول الثلاثة، بل قد تساعد على تحجيم المخاطر والتهديدات المتزايدة المحيطة بالأمة الإسلامية برمتها، وليس مصر والعرب بمفردهم أو إيران بمفردها أو تركيا بمفردها.. إلخ.

ألا ندرك مثلا قدر الخطر من ظهور الأساطيل الأوروبية، بعد الأسطول الأمريكي، في المتوسط وفي جنوب البحر الأحمر باسم المشاركة في الحصار ومنعا لتهريب السلاح إلى غزة، وهو حصار موجه بالأساس لإيران ولكنه أيضا مهدد لأمن وسيادة مصر وكل الدول العربية؛ حيث يحمل هذا الحصار البحري دلائل وعلامات استعمار أوروبي عسكري جديد، بعد أن شهدت الأمة - وعبر ما يقرب من عقدين من الزمان - عودة تدريجية ومتصاعدة للاستعمار التقليدي متمثلا في البداية في القوات الأمريكية في قواعد الخليج والتي تجسد احتلالا ناعما مغلفا بأطر تعاقدية أمنية مشتركة، ثم تمثل بعد ذلك في قوات الاحتلال الأمريكي في أفغانستان والعراق تحت ذريعة التحرير من قوى الإرهاب والاستبداد، ناهيك عن محاولات التدخل العسكرية المتعددة باسم التدخل الإنساني، في الصومال وفي دارفور، وفي مواجهة القرصنة جنوب البحر الأحمر.

إن هذه المخاطر قد تبدو حاليا بعيدة عن تركيا، ولكنها ليست كذلك في نظر أصحاب الرؤى الإستراتيجية طويلة الأمد ذات الأفق الحضاري الواسع، التي تستدعي الذاكرة التاريخية والخريطة الكلية للمشاهد، إذن كيف ستقدم مشاهد "ما بعد العدوان" ساحة لاختبار مواقف أركان الأمة الثلاثة؟


أستاذ العلاقات الدولية، ومدير برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات