English

 

الاثنين. فبراير. 2, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الانتخابات المحلية.. العراق يعود لعصر الدولة

رجائي فايد

Image
مواطن عراقي يدلي بصوته في الانتخابات المحلية
رغم أنها ليست انتخابات برلمانية أو استفتاء على دستور جديد، وإنما مجرد انتخابات محلية لاختيار مجالس محلية للمحافظات, إلا أنها حظيت بمتابعة إعلامية واسعة.

 ويرجع ذلك لأكثر من سبب, فهي إحدى الخطوات السياسية بالعراق التي تجري والقوات الأجنبية غير موجودة في معظم الشارع العراقي؛ إذ إن الملفات الأمنية لمعظم مدن العراق ومنها بغداد سلمت للعراقيين.

وأجريت هذه الانتخابات المحلية يوم 31 يناير 2009، وعنف الشارع قد تقلص إلى حد كبير، وتمت في ظل تواجد مراقبين أجانب وصلوا إلى العراق بطلب من المفوضية العليا للانتخابات، وصل عددهم إلى 400 مراقب من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا والجامعة العربية وغيرهم.

كما أنه ولأول مرة تشارك كافة التيارات والكتل السياسية والطائفية في الانتخابات، ولم تعد هناك مقاطعة للعملية السياسية لأي طرف من الأطراف باستثناء التيار الصدري الذي لم يشارك فيها، لكنه لم يقاطعها؛ حيث يؤيد مجموعة من المستقلين بعيدا عن القوائم الانتخابية, والذين يرفعون شعارات متعلقة بمواجهة الفساد الإداري والمالي والمطالبة بجلاء القوات الأجنبية عن العراق.

خطوة أولى لإنهاء الطائفية

ولقد سبق أن ذكرنا في مقالات سابقة أن صعود المرجعيات الدينية، وزعماء العشائر إلى صدارة العملية السياسية معناه أن العراق قد عاد إلى الوراء وإلى عصر ما قبل الدولة الحديثة, لكن الملاحظ أنه بهذه الانتخابات قد بدأت رحلة العودة من جديد إلى عصر الحداثة؛ فالمرجعيات الدينية ابتعدت كما هو في الظاهر عن تلك الانتخابات، ولم تعلن تأييدها لأي طرف من الأطراف، وتركت الأمر للشعب العراقي ليختار كما يشاء, كما أنه لم يلاحظ تردد أي مرشح أو زعيم لائتلاف سياسي على المرجعية للحصول على تأييد أو مباركة.

أما بالنسبة للعشائر، فإن هناك أيضا خطوة لا بأس بها تمت في اتجاه الحداثة، وهي أن معظم الشعارات المرفوعة تتحدث عن وطن العراق ووحدته ومستقبله.

وباستثناء التنظيم العشائري المسمى بالصحوة، وهو تنظيم مسلح تأسس في غرب العراق من العشائر العربية السنية، وأنفق عليه بسخاء، وأسهم بفاعلية في القضاء على جماعات العنف فيه -فضلا عن أن من أسباب تشكيله خلق توازن مسلح إلى حد ما بين الجانب السني والشيعي داخل العراق- كان عليه بعد أن أنجز مهامه بنجاح بانحسار العنف إلى حد كبير أن يظهر في شكل تنظيمات تطالب بالعديد من الاستحقاقات، مثل الانخراط في قوى الأمن والقوات المسلحة لضمان دخل شهري ثابت، والمطالبة بحصة في العملية السياسية، لذلك فقد دخلت تلك التنظيمات العشائرية الانتخابات المحلية بوضعها العشائري وبرصيدها في مواجهة الإرهاب.

وإذا أضفنا إلى المشاركة العشائرية تلك صورة العمامة السوداء لرئيس المجلس الإسلامي الأعلى عبد العزيز الحكيم، والتي تتصدر ملصقات مرشحي ائتلافه المسمى "ائتلاف شهيد المحراب" (المقصود بشهيد المحراب هو الرئيس السابق للمجلس محمد باقر الحكيم، والذي قتل بعد صلاة الجمعة يم 29 أغسطس 2003 عند خروجه من مسجد الإمام على بن أبي طالب في النجف في تفجير مروع)، فباستثناء هاتين الصورتين "عشائر الصحوة وائتلاف شهيد المحراب"، فإننا نستطيع أن نقول إن باقي المظاهر الانتخابية تجردت إلى حد كبير من العشائرية والمرجعيات الدينية، وهي بالتالي خطوة هامة قد حدثت في تلك الانتخابات باتجاه الحداثة.

وإذا تأملنا القوائم والائتلافات الانتخابية للاحظنا وجود تغييرات كبيرة في شكل تلك القوائم، فلم تعد كما كان الأمر عليه على الأغلب في السابق عندما كانت القائمة الانتخابية محصورة لطائفة من الطوائف، فقد أصبحت معظم القوائم تضم -ربما على استحياء- خليطا من الطوائف الأخرى.

 فمثلا القائمة التي يقودها رئيس الحكومة الدكتور "نوري المالكي" تحت شعار "دولة سيادة القانون" تضم إلى جانب حزب الدعوة الذي يتزعمه المالكي، الحزب الإسلامي التركماني، وحزب الأكراد.

 والتحالف الكردستاني يضم إلى جوار الأكراد مرشحين من العرب والتركمان والكلدان والآشور.

وهذا مؤشر لا بأس به على أن العراق قد خطا خطوة محدودة في اتجاه التخلص من الطائفية، وأنه لو سارت الأمور على هذا المنوال، فإن الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في العام القادم ستشهد دون شك خطوة أخرى في نفس الاتجاه، وبالتالي فإنه مع استمرار العملية السياسية ربما يتخلص العراق نهائيا من مثالب عصر ما قبل الدولة من طائفية، وعشائرية، ومحاصصة، وسيطرة لرجال الدين وزعماء العشائر على القرار السياسي.

المستقبل السياسي بالعراق

والانتخابات العراقية المحلية جرت في 14 محافظة عراقية من أصل 18 محافظة؛ حيث لم تجر في محافظات إقليم كردستان "أربيل والسليمانية ودهوك"، كما لم تجر في محافظة كركوك؛ نظرا للخلافات التي نشأت من حولها عند صدور قانون انتخابات المجالس المحلية، واعتراض الأكراد على المادة 24 منه.

 وكادت تلك الخلافات تعصف بالعملية السياسية كلها إلى أن اتفق على تقاسم السلطات المحلية فيها مؤقتا بين العرب والأكراد والتركمان لحين التوصل مستقبلا إلى حل يرضي جميع الأطراف، أو تكون مسألة كركوك وانتمائها قد تم حسمه.

لكن ربما يطرأ سؤال حول أسباب مشاركة التحالف الكردستاني في تلك الانتخابات ما دام أن إقليم كردستان لا يشارك فيها؟.

 والإجابة تكمن في تواجد الأكراد في مناطق عديدة من العراق كالموصل وبغداد وديالى؛ ولذلك فإنهم يشاركون من أجل تلك المناطق، وحتى تكون لهم حصة في إدارة تلك المحافظات.

واتسمت هذه الانتخابات إضافة إلى ما سبق بظاهرتين:-

الأولى: الحرص على مشاركة الجميع؛ لذلك تم تنظيم عملية اقتراع مسبقة، وقبل الموعد المحدد بأيام للمرضى في المستشفيات، ولرجال الأمن وللسجناء.

الثانية: المرحلون من محافظاتهم إلى محافظات أخرى نظمت لهم لجان خاصة للإدلاء بأصواتهم, وهؤلاء رحلوا من أماكن سكناهم تحت وطأة الإرهاب والفرز الطائفي الذي شهده العراق على نطاق واسع في السنوات السابقة بعد سقوط النظام السابق، وقبل أن تستتب الأمور إلى حد كبير الآن.

والمجالس المحلية ليست كما يتصورها البعض ذات أهمية محدودة, فالمهام الملقاة على عاتقها كبيرة، فتلك المجالس هي التي ترشح المحافظين، وتوصي بإقالتهم، وهي التي تتولى متابعة كافة الأمور الخاصة بالمحافظة من إعمار وكافة الأمور الخدمية والتنفيذية بالمحافظة, كما أنها ترشح وتستبعد ممثلي المحافظة في السفارات العراقية في الخارج؛ حيث نص الدستور العراقي الدائم على "وجود ممثلين عن الإقليم والمحافظات في السفارات العراقية في الخارج للأغراض الثقافية والاجتماعية".

وهناك مسئولية أخرى غاية في الأهمية لهذه المجالس، وهي أنه يحق لنسبة معينة من مجلس أي محافظة أن يطلب من الحكومة الاتحادية في بغداد تحويل المحافظة وحدها إلى إقليم أو اتحادها مع محافظة أخرى أو أكثر في إقليم واحد.

ومن المتوقع خلال الشهور القادمة أن تبدأ تلك الإجراءات في الجنوب العراقي ولثلاث محافظات هي: (البصرة, وميسان, وذو قار).

 وكانت هناك محاولة في الأيام الماضية لتحويل محافظة البصرة منفردة إلى إقليم، وقد فشلت تلك المحاولة، وكان وزير العدل العراقي السابق "وائل عبد اللطيف" هو المتزعم لتلك المحاولة, في حين أن المتزعم لإقامة إقليم الجنوب هو "عبد العزيز الحكيم" زعيم المجلس الإسلامي الأعلى.

لكن هل ما تكشف من تلك الانتخابات حتى الآن سيؤثر في المستقبل السياسي للعراق؟.

لقد اتضح من خلالها أن التحالفات السياسية بين التيارات المختلفة هي تحالفات آنية تكتيكية، وليست تحالفات إستراتيجية بعيدة المدى.

فعلى سبيل المثال، فإن جبهة التوافق (السنية) حدثت بها انشقاقات بخروج الحزب الإسلامي، وخروج محمود المشهداني وخلف العليان، وإن كلا منهما قام بالدخول في تحالفات جديدة, كما أن صالح المطلك أسس هو الآخر كتلة انتخابية.

وعلى الجانب الشيعي، فإن كتلة الائتلاف العراقي خرج منها التيار الصدري مبكرا، ثم حزب الفضيلة، وشكل كل من حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى تحالفات جديدة، كل بعيد عن الآخر.

هذا معناه أن الخريطة السياسية العراقية سيحدث فيها مستقبلا تغييرات هامة ومؤثرة, ويعزز ذلك الرأي مشاركة التيارات التي كانت تقاطع في الماضي العملية السياسية.

 وبالتالي فإن مشاركتها ستؤدي إلى عدم تحقيق أغلبية كبيرة كما كان في السابق لتيار بعينه، وهذا سيترتب عليه بالضرورة أن الحزب الذي سيحصد المقاعد الأكثر في الانتخابات البرلمانية القادمة سيضطر إلى عقد تحالفات مع أحزاب أصغر ليحقق الأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة, ووضع كهذا سيجعل لتلك الأحزاب والتيارات الصغيرة أهمية في العملية السياسية القادمة.

ولا شك أن نوري المالكي قد قدم نفسه للشعب العراقي بقوة على أساس أنه رجل دولة استطاع أن يخرج بالعراق من خطر أتون الحرب الطائفية, وتمكن من تنظيم أول انتخابات ربما تكون حقيقية في تاريخ العراق الحديث، وكل ذلك سيحسب له تاريخيا ولا شك, إلا أن ما يخشاه الشعب العراقي هو أن يدخل المالكي في حالة تودي به إلى تصور أنه الحاكم الأوحد، ومن ثم تتجمع السلطات تدريجيا في يده ويتحول شيئا فشيئا إلى ديكتاتور جديد, والشعب العراقي لديه هاجس دائم من ديكتاتورية مقبلة.

ومن المؤشرات لذلك هو مطلب نوري المالكي الدائم بالتعديلات الدستورية، وتقليص سلطات الأقاليم لحساب السلطة المركزية، وهذا الأمر ما قد يكون محل خلاف لاحق داخل العراق.


  كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية والتركية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات