|
| أوباما.. هل يجلب التغيير إلى الشرق الأوسط؟ |
أسبوع واحد فقط فصل بين تعيين السيناتور السابق جورج ميتشيل مبعوثا خاصا للشرق الأوسط، وبين جولته التي بدأها في المنطقة قبل أيام قليلة زار خلالها مصر، وإسرائيل، والضفة الغربية، والسعودية، والأردن.
قطعا لا يمكن التعويل كثيرا على جولة ميتشيل، وهي الأولى له منذ عام 2001 حين أعد تقريرا عن إمكانية وقف إطلاق النار بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد انتفاضة الأقصى الثانية التي اندلعت عام 2000، بيد أن قراءة موضوعية للاقتراب الذي تطرحه إدارة أوباما للشرق الأوسط بوجه عام تكشف أن ثمة اختلافا قد يميزها عما طرحته إدارة سلفه جورج دبليو بوش طيلة السنوات الثمان الماضية.
إستراتيجية أوباما
ما يطرحه أوباما فيما يخص الشرق الأوسط لا يختلف عن رؤيته لكيفية إدارة ملف السياسة الخارجية الأمريكية بوجه عام، وهي رؤية تقوم على ثلاثة محاور أساسية، الأول: هو الدبلوماسية "الهجومية"، التي تقوم على مباغتة الخصوم السياسيين والأطراف المنخرطة في علاقات متشابكة مع الولايات المتحدة أو المتداخلين معها، بخطوات غير متوقعة.
واختيار ميتشيل يمثل نموذجا في هذا الصدد، ليس فقط لسرعة الاختيار والتي جاءت بعد يومين فقط من تنصيب أوباما رئيسا للولايات المتحدة، وإنما أيضا في شخصية ميتشيل نفسها، والذي كان مفاجأة لكثيرين داخل الولايات المتحدة وخارجها؛ فهو لم يأت من قلب "الماكينة" السياسية التقليدية في واشنطن والتي تنتجها مراكز الأبحاث والدراسات، كما أنه كان بعيدا عن ممارسة السياسة خلال الأعوام القليلة الماضية؛ حيث كان يشغل منصب مدير إحدى الشركات الخاصة للمحاماة، كما أنه ليس مواليا لإسرائيل على غرار غيره من المبعوثين والمسئولين الأمريكيين الذين تولوا ملف الصراع خلال إدارتي كلينتون وبوش الابن.
الركيزة الثانية هي "التفكير خارج الصندوق"، وهي تقوم على الاجتهاد لوضع رؤى مغايرة ومختلفة لإدارة السياسة الخارجية، وهنا يحاول أوباما أن يرسم لنفسه طريقا مختلفا عن سابقيه في كيفية التعاطي مع الصراع في الشرق الأوسط، وذلك سواء من خلال الانفتاح على كل الرؤى والأفكار المطروحة، أو من خلال تقديم مبادرات وأطروحات جريئة، ولا تبتعد تصريحات أوباما بشأن الانفتاح علي إيران وسوريا عن هذا الإطار.
أما الركيزة الثالثة فهي "الضغط على الحلفاء"، فأوباما يرى أنه لا يمكن تحقيق اختراقات في ملفات الصراع في الشرق الأوسط دون حدوث تعاون حقيقي مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
وفيما يخص إسرائيل، فعلى الرغم من التزام أوباما بضمان أمن إسرائيل، شأنه في ذلك شأن كافة من سبقوه في البيت الأبيض، إلا أن رؤية أوباما لا تقوم على التماهي الكامل بين مواقفه ومواقف الحكومة الإسرائيلية، وهو هنا يحاول أن يعيد للدور الأمريكي في الصراع قدرا من النزاهة واعتدال المواقف.
ولعل اختيار ميتشيل لتولي ملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي إحدى العلامات الواضحة في هذا الصدد، لذا لم يكن غريبا أن تسود نبرة من القلق لدى بعض المسئولين الإسرائيليين بسبب تعيين ميتشيل في منصبه، بل ثمة شكوك وهواجس لدى بعض الإسرائيليين بإمكانية أن تشهد العلاقات بين واشنطن وتل أبيب قدرا من التوتر أو عدم الانسجام خلال فترة أوباما؛ نظرا لمحاولة هذا الأخير وضع مسافة، ولو بسيطة، بينه وبين السياسات الإسرائيلية.
زيارة استكشافية
ربما بديهيا القول بأن زيارة ميتشيل هي مجرد زيارة استكشافية للأوضاع في المنطقة، وهو قطعا لم يطرح أية مبادرات أو رؤى سياسية، بقدر ما استمع لكافة الأطراف المنخرطة في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، بيد أنها أيضا زيارة تحمل دلالات عديدة لا تخطئها العين؛ فهي أولا زيارة تأتي بعد أيام قليلة من وقف الحرب الإسرائيلية على غزة وما أحدثته من تبدلات وتحولات في جوهر الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي سوف يترك آثاره لفترة طويلة قادمة.
وثانيا: أن الزيارة تأتي قبل أيام قليلة من الانتخابات النيابية في إسرائيل، وهو ما سوف يعطيها مذاقا خاصا بشأن التعرف على توجهات الداخل الإسرائيلي، وما إذا كانت الكفة سوف تميل لصالح اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو أم لمصلحة حزب العمل بقيادة وزير الدفاع الحالي و"مهندس" عملية الحرب على غزة إيهود باراك، أم سيظل حزب "كاديما" مسيطرا على الأوضاع؟
وثالثا: أن الزيارة تستهدف التعرف على خريطة التشابكات الإقليمية التي خلفتها إدارة الرئيس بوش، والتعرف على أوزان اللاعبين فيها.
وبالطبع تنتظر ميتشيل مهمة ثقيلة في الشرق الأوسط، وهو الذي يعود للمنطقة مجددا بعد أن تركها قبل ثمان سنوات، شهدت المنطقة خلالها ثلاثة حروب في أقل من ست سنوات أي بمعدل حرب كل سنتين، وقد نتج عن هذه الحروب إعادة ترتيب للأوضاع وللأوزان الإقليمية بين الدول والفاعلين ما دون الدولة، كما أنه يأتي في وقت انهارت فيه كافة ملامح الثقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وفي وقت يرتفع فيه خيار الحرب والمواجهة بديلا عن المفاوضات والسلام، كما أنه يواجه جبروتا إسرائيليا تجاوز كل حدود المعقول.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه على إدارة أوباما هو: من أين سيبدأ؟ هل سيبدأ مما خلفته الحرب الأخيرة على غزة؟ أم سيبدأ مما خلفته عملية "أنابوليس" من فشل ذريع ترك آثاره على محادثات السلام بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل؟ أم أنه سيبدأ من خارطة الطريق التي وصلت إلى طريق مسدود طيلة الأعوام الستة الماضية؟
معضلة أوباما فيما يخص النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، أنه يمتلك الإرادة ولكنه لا يمتلك الرؤية، على الأقل حتى الآن؛ حيث من الصعب أن نضع أيدينا على رؤية واضحة لأوباما حول طبيعة الحل المفترض لهذا النزاع، وذلك على عكس بيل كلينتون الذي رعى عملية أوسلو عام 1993، وجورج بوش الذي اقترح فكرة إقامة الدولتين عام 2002.
لذا فمن المتوقع أن تتركز أولويات عمل ميتشيل خلال الشهور القليلة المقبلة في ثلاث قضايا رئيسية، أولها: العمل على تشجيع تثبيت وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل، وهي قضية تبدو على درجة عالية من الأهمية لأوباما شخصيا. وثانيها: التأكد من وقف تهريب السلاح لحركة حماس، وفرض رقابة شديدة على المعابر البرية والبحرية.
وثالثها: العمل على دعم السلطة الفلسطينية بزعامة محمود عباس.
إيران.. حجر الزاوية
تمثل إيران حجر الزاوية في السياسة الخارجية لإدارة أوباما في الشرق الأوسط؛ وذلك ليس فقط بسبب تشابكاتها مع بقية الملفات العربية والإقليمية، وإنما بالأساس بسبب دورها المحوري في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب.
ويمكن القول بأن العنوان العريض لسياسة أوباما تجاه إيران هو "تصفية الأزمة الإيرانية"، سواء سلما أو بالطرق العسكرية، ويبدي أوباما اهتماما واضحا بضرورة اعتماد لغة وسياسة جديدة مع طهران، وهو في ذلك يتبع ما يطلق عليه إستراتيجية "الدبلوماسية الذكية"، والتي تقوم على ثلاثة محاور أساسية، أولها: الهجوم الدبلوماسي على إيران، وإبداء الرغبة في حوار مباشر معها دون شروط مسبقة، وذلك على غرار ما كانت تفعل دوما إدارة بوش.
وثانيها: استبدال سياسة العصا والجزرة (الحوافز والعقوبات) بسياسة "الضغط البناء" التي تقوم بدمج كافة الخيارات (الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية)، مع إبقاء الخيار العسكري على الطاولة دون التهديد به، وتوفير مظلة ضغط دولية وإقليمية بحيث يتم دمج كافة القوى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي مع دول الخليج والدول العربية المؤثرة فيما يشبه "الكماشة" الدبلوماسية على إيران؛ وذلك من أجل التوصل لحل شامل لأزمتها.
وثالثها: دمج كافة الملفات مع بعضها البعض، أي عدم الفصل بين الملف النووي الإيراني عن بقية الملفات الإقليمية التي تلعب فيها إيران دورا مؤثرا.
قطعا، ليس بالضرورة أن تنجح مثل هذه الإستراتيجية في تحقيق أهدافها، بيد أنها قد تكون الفرصة الأخيرة أمام كلا الطرفين (الإيراني والأمريكي) لإمكانية "تبريد" العلاقات المتأزمة بينهما، وذلك قبل اللجوء للخيار العسكري.
ويتبقي عاملان مؤثران في هذه الإستراتيجية، الأول: هو الواقع السياسي الذي قد تفرزه الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي ستجرى في يونيو المقبل، وإمكانية وصول الإصلاحيين للسلطة في إيران، والثاني: هو العامل الزمني الضاغط على تل أبيب ومن خلفها إدارة أوباما؛ حيث تشير التقديرات أنه خلال الأعوام الثلاثة المقبلة سيكون بمقدور إيران الاقتراب من إنتاج سلاح نووي.
سوريا.. الحصان الأسود
يمثل الملف السوري أكثر الملفات التي قد تشهد انفراجة سياسية في العلاقات مع الولايات المتحدة، وذلك ليس فقط بسبب عدم وجود خلافات عميقة بين الطرفين، فضلا عن زوال العائق الأيديولوجي بزوال المحافظين الجدد، وإنما أيضا بسبب رغبة أوباما في تحقيق إنجاز سياسي على الأقل خلال فترته الرئاسية الأولى، وربما يكون ذلك من خلال رعاية المفاوضات السورية – الإسرائيلية.
وقد بدأت بالفعل إرهاصات لإمكانية تحسين العلاقات بين دمشق وواشنطن؛ حيث من المفترض أن تقوم ثلاثة وفود أمريكية من مستويات مختلفة بزيارة سوريا خلال الأسابيع القليلة المقبلة، فضلا عن تردد الحديث حول إمكانية عودة السفير الأمريكي إلى دمشق، وذلك بعد فترة غياب وصلت إلى ما يقرب من أربع سنوات.
ولعل ما قد يعوق تحسين العلاقات بين الطرفين هو ما ستسفر عنه المحاكمة الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، والمخاوف من احتمالات تورط القيادة السورية في القضية، فضلا عن تداعيات لعبة "شد الحبل" بين واشنطن وطهران.
وإذا كان على أوباما ومبعوثه الخاص أن يتعاملا مع الأوضاع المعقدة في المنطقة، والتي تسببت فيها السياسات الخاطئة للرئيس بوش وإدارته، فسيظل حريا بالعرب والفلسطينيين أن يلتقطوا إشارات التغيير في السياسة الأمريكية، من أجل استثمارها والبناء عليها من أجل خدمة قضاياهم.
نائب مدير تحرير مجلة السياسة الدولية – الأهرام
|