|
هل من مصلحة الإدارة الأمريكية الجديدة الاستمرار في دعم الأجندة الديمقراطية الشرق أوسطية التي كانت قد أعلنتها الإدارة الأمريكية السابقة؟ أو هل من مصلحة الرئيس أوباما أن يسير على خطى "بوش" بعد أن أوصلته إلى الجحيم في العراق وفلسطين؟
سؤال شغل العديد من مراكز البحث الأمريكية المراقبة لأحوال السياسية الخارجية الأمريكية على مدى السنوات السبع السابقة، ومن أهم تلك المراكز "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS"، والذي تصدر عنه مجلة "واشنطن كوارتيرلي Washington Quarterly"، الدورية العلمية الأمريكية المعروفة.
فقد تناولت مجلة "واشنطن كوارتيرلي" –في عددها يناير 2009– هذه القضية، محددة وجهتها التي تقول إن التأييد الأمريكي للديمقراطية في الشرق الأوسط لابد له أن يستمر، حتى بعد فشل بوش في العراق وفلسطين.
وتحت عنوان "التأييد الأمريكي للديمقراطية بعد بوش"، الذي اختارته المجلة لتحديد رؤيتها، نشرت مقالات عدة لباحثين أمريكيين متخصصين في مجال الشرق الأوسط، يؤكدون على ضرورة وحتمية تأييد "أوباما" للديمقراطية العربية في غضون الأعوام القادمة.
النجاحات "المخفية" في مصر والمغرب والبحرين
ومن هؤلاء المتخصصين "ميشيل دن Michele Dunne"، وهي الباحثة حاليا بمركز "كارنيجي"، ومحررة "نشرة الإصلاح العربية Arab Reform Bulletin"، والعاملة سابقا بوزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي (2003-1986) كمتخصصة في دراسات الشرق الأوسط.
ففي مقالها "الجنين وأجندة الديمقراطية في الشرق الأوسط"، تبدو الباحثة في الوهلة الأولى كأنها تعارض استمرار "أوباما" في انتهاج الأجندة الديمقراطية بالمنطقة العربية، وذلك نتيجة لما يردده الكثيرون عن إخفاقات "بوش" الابن في إنزال تلك الأجندة على أرض الواقع، وعن تعارض الأجندة الديمقراطية مع المصالح الإستراتيجية الأمريكية، لكن الباحثة تقوم في النهاية بنقض كل ذلك من خلال الكشف عن "نجاحات بوش" غير المعلنة في المنطقة؛ تلك النجاحات التي لم تتعارض مع المصالح الإستراتيجية الأمريكية، والتي يجب أن يستفيد منها "أوباما" خير استفادة، على حسب قول "دن".
وتوقعت الباحثة أن تؤجل إدارة "أوباما" قضية "دمقرطة" الشرق الأوسط؛ نظرا لتعارضها مع المصالح الإستراتيجية الأمريكية، كما يعتقد الكثيرون.
فالأنظمة الديمقراطية في المنطقة -كما تقول الباحثة على ألسنة الكثيرين - لم تشهد زهوا في عهد "بوش" الابن؛ بل إن تركيز الأخير على مسألة الديمقراطية أسفر عن اندلاع إشكاليات جسيمة –خاصة في العراق وفلسطين– بدلا من إسفارها عن إيجاد حلول عملية.
ولذلك كانت قناعة الكثير من المراقبين أنه ليس بالإمكان ضمان قدرة الولايات المتحدة على تعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط، دون المخاطرة باستقرار المنطقة، وتعريض المصالح الأمريكية للخطر.
ومن ثم، فلابد -على الأقل- وضع سياسة دمقرطة الشرق الأوسط جانبا، حتى تتضح الإجابة عن أسئلة عديدة.
لكن إدارة "أوباما"، كما تقول "دن"، ستواجه في غضون الأعوام المقبلة مجموعة من التحديات والفرص المتعلقة بالدمقرطة في المنطقة؛ وهي التي ستحتل حيزا كبيرا من اهتمام الجماهير العربية التي ضاقت ذرعا من تضخم وتورم المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فعلى مدى الأعوام الأربعة القادمة، سيأتي حتما تغيرا طبيعيا –بحكم تقدم السن- في الرئاسات العربية (في مصر والجزائر واليمن)؛ وهو ما سيروي ظمأ القاعدة العربية، وتعطشها نحو الإصلاح السياسي.
وفضلا عن ذلك، لن يتوقف العراقيون واللبنانيون والفلسطينيون عن محاولة حل نزاعاتهم حول السلطة، وأمام كل ذلك، ستكون إدارة "أوباما" بحاجة إلى اتخاذ قرار، إما بدعم انتخابات حرة وعادلة، أو بتجاهل الأمر كلية؛ بسبب فشلها في العراق وفلسطين.
لكن "دن" تفصل هذا الجدل قائلة، "إن قصر الحكم على موضوعي العراق وفلسطين يغض الطرف عن أمثلة أخرى لاقت نجاحا أمريكيا في دعم الديمقراطية دون التضحية بمصالحها الإستراتيجية، فمصر والمغرب والبحرين ثلاث دول عربية بالمنطقة شهدت تقدما ملحوظا في الديمقراطية؛ بفضل المساندة الأمريكية، لكن تلك النجاحات لم يكن لها نصيب في الانتشار إعلاميا، على عكس الفشل الذي حدث بالعراق وفلسطين، والذي كان له حظ وافر في الانتشار الإعلامي.
ومن ثم، فعلى إدارة "أوباما" أن تنهل الدروس من تلك النجاحات المخفية، حتى تساعدها على دعم الديمقراطية في المنطقة العربية ككل بشكل أكثر فعالية.
أما تجاهل أجندة الدمقرطة في الشرق الأوسط، فيعتبر خطأ تاريخيا، لا يقل عن خطأ "بوش" التاريخي في تهميش عملية السلام العربية الإسرائيلية، وخروجه كلية عن مسار كلينتون.
الديمقراطية.. قيمة وأداة
وفي مقاله "تعزيز الديمقراطية العالمية.. سبعة دروس للإدارة الجديدة"، كتب "ديفيد برايس David Price" –وهو النائب الديمقراطي بولاية "نورث كارولينا"– عن دعم الديمقراطية باعتبارها قيمة أمريكية باقية، بغض النظر عمن سيتولى الرئاسة الأمريكية.
ويمضي النائب الديمقراطي حُجته قائلا إنه "على الرغم من النقد الذي لاقته إدارة "بوش" –بسبب الوسائل والأدوات التي استخدمتها لتعزيز الديمقراطية– فإن تعزيز الديمقراطية سيظل وسيبقى حجر الأساس للسياسة الخارجية الأمريكية، وسيظل تعبيرا عن القيم الأمريكية، وسيظل أداة يمكن استخدامها لتحقيق المصالح الإستراتيجية الأمريكية، ومن ثم فإنه من الضروري التعلم من أخطاء السنوات السبع الماضية، سعيا نحو إعادة النظر، بل تنقيح و"تكرير" تعزيز الديمقراطية، فكرا وممارسة".
ولا يُهون "برايس" من أخطاء "بوش" التي يرى معظمها متمثلة في الخلط غير المتوازن بين الأجندة الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط وبين المصالح الإستراتيجية الأمريكية.
لقد كان خطأ "بوش" متمثلا في مضيه في سياسات خارجية قصيرة المدى، وإهماله للرؤية الأمنية القومية الأمريكية طويلة المدى.
ومثال ذلك، مضيه في سياسات صديقة مع كل من كينيا وباكستان –باعتبارهما نظامين مؤيدين للغرب– وعدم رؤيته للمعارضة الشعبية المتصاعدة للنظامين.
أما خطيئته الكبرى، كما يقول "برايس"، فهو افتراضه بأن الديمقراطية يمكن أن تنطلق من فوهة البندقية، مثلما حدث في العراق.
ويشير "برايس" في نهاية مقاله إلى واقع تداخل الأجندة الديمقراطية مع المصالح الإستراتيجية الأمريكية، وتزايده يوما بعد يوم، مما يدفع إلى إمعان التفكير في المسلك والمنهج السياسي الذي ستسلكه الإدارة الأمريكية الجديدة.
ويتبين لنا من الرؤى المقدمة في مجلة "واشنطن كوارتيرلي"، تحبيذا واضحا لعدم تخلي الإدارة الأمريكية الجديدة عن مشروعها الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط، على الرغم من الخسائر الفادحة التي ابتليت بها الرئاسة الأمريكية السابقة، وهو تحبيذٌ إنما ينم عن الرغبة في إبقاء السياسة الخارجية الأمريكية على نهجها "البوشوي" المرتكز على تضخيم الدور الأمريكي الخارجي "المخلص" للبشرية كلها من كافة أنواع الظلم والفقر والديكتاتورية؛ و"المُنقِذ" لكافة أجناس الأرض عبر نشر مشاريعه الديمقراطية والتنموية؛ ومن ثم تفهيم العالم كله بأنه لن يتحرر إلا عبر المبشر والتاجر والعسكري الأمريكي.
وهو الأمر الذي يدل على بقاء هيمنة تأثير خطاب المحافظين الجدد على مستوى المراكز البحثية الأمريكية المقربة للرئاسة الأمريكية "الأوبامية" الديمقراطية الجديدة.. إنه ذلك الخطاب "المثالي" جدا ظاهريا، والعدواني جدا باطنيا؛ ذلك الخطاب الذي "يتلفع" بثوب القيم –مثل نشر الديمقراطية– ليحقق مطامعه واحتكاراته واعتداءاته الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
ومن ثم، لم يخطئ "برايس" حينما قال إن الديمقراطية أداة لتحقيق المصالح الإستراتيجية الأمريكية؛ لكنه لم ينوه عن ماهية وحقيقة تلك المصالح التي لا تعني إلا الهيمنة الكاملة والاعتداء الكامل على المنطقة العربية، اقتصاديا، وعسكريا، وسياسيا.
باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
|