|
| الوالد المكلوم يبحث عن سلوى في دمية طفلته |
غزة- في عزبـة عبد ربـه بمخيـم جباليا شمـال غــزة كانت الشمس تستـعد للغـروب.. بدت أشعـتها الذهبية وكأنها تعتـذر لعيـون اغرورقت بالدمـوع.. ترسل قبيل الرحيل دفئها لجسـد انكمش عـلى حـزنه واستقـر بصـره المتعب شـرقا صـوب "كفار عزا"..
أنوار المستـوطنة الإسرائيلية تنعكس عـلى العشب الأخضـر البعيـد.. بينـما صاحب الجفـون التي أرقـها طـول السـهاد يحتـضن دميـة مقطـوعة الرأس ممـزقة الأطراف بقوة من يتشبث بآخر أمل له في الحياة.
"خالد عبـد ربـه" فـي العقـد الثـالث من عمـره يجـلس على حجـر في حـلقة دائريـة صنـعها للبقـاء دومـا أمام أنقاض منـزله وذكـرى ثلاث زهرات سحقهن الاحتلال.. البـرد يتسلل إلى المكـان، والنـار التي أوقـدها لا تكفـي لمواجهة عواصف القهر التي تمزق روحه.
يـلمح أضـواء سيارات "كفار عـزا".. يشيـر بإصبـعه المرتجف إلى هناك.. يخـرج صـوته بطيئا مثقلا: "الآن ينشـغل الآباء الإسرائيليون بأخـذ أطفـالهم إلى أجمـل الحدائق.. يشتـرون لهم الدمـى والألعاب.. يقصـون على مسـامعهم القصص الدافئة.. أما نحـن فـ....".
غصـة الصـور الحـزينة تسكت حـروفه.. وبعد دقائق من الصمت الطويل يروي عبد ربه لـ"إسلام أون لاين.نت" ما جـرى في الأيام الأولـى من الاجتياح البرى قائلا: "تمـركزت إحدى الدبابات عـلى مقـربة من بيـتي.. زاد انتشـار الدبابات وفجأة ارتفعت أصوات الجنود تأمرنا بمغادرة المنزل.. خرجت أنا وزوجتـي وبناتي الثـلاث".
وأضاف: "خطـوات معدودة ولمحنـا جنديـان فـوق ظهر دبابـة كانا يلتـهمان شرائح البطاطس والشيكولاتة.. وفجـأة شـرع أحـدهما بإطـلاق النـار من بندقيـته مباشـرة صـوب بناتي بجنون".
"(سـعاد) -7 سنـوات- أكثـر من عشـرين رصـاصة اختـرقت صـدرها، ومزقت جسـدها الغض فلفظت أنفاسـها عـلى الفـور، ولم تمـهلها نيـران المـوت لهمس كـلمات الوداع في قلب أحبـتها.. (أمـل) -عـام ونصف- نـزفت دمـا كثيـرا وغـزيرا.. تفتت ظهـرها وبطنـها.. سقطت دميتها إلى جوار جثمانها مقطوعة الرأس مضرجة بدماء صاحبتها"، يضيف الوالد المكلوم.
سمر.. الوجع الحي
سمر (4 أعوام) لم تقتـلها الرصاصات التي انهمرت على جسدها الصغير، وإنما أرقدتها على سـرير في بلجيكـا بعـد أن استكملت علاجا أوليا في مصـر.. أسيرة المرض يحوم في أفق مستقبلها تقرير الأطباء "إن نجت من الموت فستعيش عمرها مستلقيـة على ظهـرها.. ولـن يكون بإمكـانها أن تتحرك أبدا".
عبد ربه يقسـم أنه لفـرط ما بكـى جفـت دمـوعه.. يلملم المشاهـد القاسيـة ويعيـد رسمها من جـديد "الدبابـة كانت لا تبـعد عن البيت سـوى 10 أمتار أو أقـل.. كنا واضحين لأعينهم كالشمس.. لم يكتفـوا بجريمتهم، بـل منعـوا سيارة الإسعـاف التي طلبها شقيـقي من الاقتراب.. أنزلوا سائقـها واعتدوا عليـه بالضـرب، ثـم أجهـزوا بالدبابـة على السيارة.. ها هو حطـامها الشاهد على حقدهم الأسـود".
وبعـد أن أعيـاه انتظار سيارة صليب أحمـر لن تصل، حمل عبد ربه -بحسب روايته- سمـر وجثتي سعاد وأمل سائرا هو وزوجتـه إلى قلب بـلدة جبـاليا وسـط إطلاق نار كثيف يطلقه جنـود الاحتلال فـوق رءوسـهم.. وصـلوا بعد سـاعات فتلقفتهم الأيـادي المصـدومـة بفاجعـة المشـهد.
يعتصر عينيه بقوة كأنه يريد أن يمحو صورة مؤلمة التصقت بحدقتيهما.. نتـركه لصمته قليلا.. ونلتفت لركام المنزل الذي كان مكونا من أربعة طوابق قبل أن تحيله جرافات الاحتلال لجبل من الأنقاض لا ملامح له.
"امنحوني صورة"
فجـأة يقطع صمته الحزين صائحا بذهول لم يفارقه منذ الواقعة "تعـرضت هذه المنطقـة لعشـرات التوغلات، ووقفت الدبابات على مقربة من بيتي أكثر من مرة، واعتادوا تجريف الأرض، وإطلاق الرصاص، وتدمير البيوت، ولكن بهذه الوحشيـة والحـقد لم يحدث من قبل.. لقد أعدموا بناتي أمام عيني".
وبسؤاله عن صور لصغيراته ينتفض بقوة كأن تيارا كـهربائيا صـعقه.. وبكل ما يسكن قلبـه من لـوعة وحنيـن يرجونا "أنا على استعداد لدفع ألـف دينـار بـل آلاف لمن يهديني صـورا لسمر وأمل وسعـاد وهم أحياء.. أو صـورة تجمعنـا معـا.. أما الآن فالبيت مدمـر، ولا أرى منه سوى سقفه، وما تحتـه من ذكريات بالتأكيد احتـرق".
حتى سمر التي بقيت على قيد الحياة فلم تكن السلوى لقلبه النازف "لم أتمكن من السفـر معها إلى بلجيكا؛ حيث ضاعت هـويتي وجـواز سفـري وأوراقي الثبوتيـة في القصف الوحشي.. بالأمس تلقيت اتصالا هاتفيـا يخبـرني أن حـالتها خطيرة.. كم كنت أتمنى لـو أني معهـا لأضمها بين ذراعي فأجد فيها السلوى عن أختيها أو على الأقل أكحل عيني برؤيتها من بعيــد".
وكـمن يتذكـر صورا غائبـة عن تفاصيل الحكاية قال: "أتدرون؟ لقد استشهدت سعـاد وهي صائـمة العاشر من محرم (عاشوراء)، وكانت تحفظ سبـعة أجزاء من القرآن الكريم، وهي الأولى على مدرستـها، وقبل أن نخـرج من البيت أصرت على أن تقرأ سـورة يس كـاملة، وارتدت أحـلى ما لديها من ملابس، وكأنها تستعد للذهاب للجنـة".
وأردف: "أمـا أمل الصغيـرة فكـانت تردد قبـل أيام من استـشهادها أن اسمـها بـراءة.. وتصر علينا أن نناديـها بهذا الاسـم.. ربما ظنت أن براءتها ستشـفع لها أمام رصاصات حاقدة".
القتل مع "الشيبسي والشيكولاتة"
رسـالة لقـادة الاحتـلال الإسرائيلي خطـها عبد ربه بدموع حارقة "جنـودكم يقولون إنهم لا يقتـلون أطفال غـزة.. وإنهم يذهبون ضحايا المواجهات مع المقاومة.. جنودكم كانوا يستندون على ظهر الدبابة بارتياح.. وصوبوا رشاشـاتهم لبناتي الذين لا حول لهم ولا قـوة وأطلقوا رصاصاتهم بعنف.. ثـم هـل من يأكل قطع الشيكولاتة ورقائق الشيبسي ويشرب العصيـر يكـون في مـوضع المواجهـة؟!".
ويستدرك وهـو يضم الدميـة أكثـر فأكثـر "أعدموا كـل أطفالي.. فقط طفل وحيـد كان نائما عنـد جـدته نجا من المجزرة البشعة".
عـلى بعـد أمتـار من الأب كـان رأفت الصغيـر (6 أعوام) يحتمي بأحضـان والدتـه المصدومـة من برد قارس يلسع جسده الصغير.. تمتنـع الأم الثكلى عن الحديث وتعتـذر عيـونها الملتهبـة لكـل الأقـلام والكاميـرات.
رأفت راح ينادي عـلى أمـل وسعـاد وسمـر ولا مجيب.. قـالوا لـه إن الأخيـرة ستأتي للعب معـه بعد أيام، ولكـن عقـله أمام الأبـواب الموصـدة والـوجوه الحـزينـة رفض التصديق فانحـدرت دمعة خـوف من عينيـه وأسرع نحـو جـدته يبكي حـزنا سيعي يوما حجمه الحقيقي.
|