|
| رغم الدمار أهل رفح مصرون على بدء الحياة بها من جديد |
غزة - قبل أشهر
قليلة أهداها أهلها بفخر وفرح ألقابا جميلة
دافئة، فكتبوا على جدرانها: "أهلا بكم في
عاصمة غزة الاقتصادية".. وقبل أيام قليلة
كتبوا على جدار يحمل بصمات المحرقة
الإسرائيلية "أهلا بكم في رفح المنكوبة".
ومنذ
أسابيع فقط (قبل العدوان الإسرائيلي الذي
استمر 22 يوما متواصلة على القطاع مخلفا 1412
شهيدا و5450 جريحا) كانت المدينة تبتسم
لزائريها.. ترحب بالقادمين إلى أروقتها
العامرة.. عصافيرها ومآذن مساجدها تستيقظ
باكرا كل صباح تنفض الكسل وتفتح أذرعها لحياة
فوق الأرض وتحتها، متباهية بأنفاقها
وبانتعاش أسواقها ومطاعمها.
اليوم
وبعد أن سكتت نيران الحرب الإسرائيلية
الدامية على غزة منذ 18 يناير الجاري انقلب
المشهد وتبعثرت تفاصيله؛ فمئذنة الجامع
نالها القصف الرهيب، وما من عصفور إلا وهاجر
أو مات.
"رفح"
المدينة الواقعة جنوب القطاع استيقظت على
واقع جديد لا يمت لأمسها وأيامها الماضية
بشيء.
"إسلام
أون لاين.نت" وهي تطأ المدينة لمحت صغارها
المنشغلون بكتابة لافتة دامعة تختصر أوجاعهم
وحرقتهم.. علقوا حروفها على جدار مقصوف: "هلا
بكم في رفح المنكوبة".
بقايا
صور
على
طول الشريط الحدودي في جنوب المدينة كان
الأهالي يتفقدون بذهول غلف وجوههم حجم الخراب
الهائل.. يقفون على عشرات المنازل المدمرة..
ينقل أحدهم ما نجا من أثاث.. ويبحث آخر عن نقود
ومدخرات لم تمهله طائرات الموت لحملها.
"إيمان"
طفلة في السابعة من عمرها تصيح بسرور من عثر
على كنز: "ها هو الألبوم.. لقد وجدته.. تعالوا"،
يجري نحوها أشقاؤها بثيابهم المملوءة بغبار
التشريد والبحث عن مأوى.. أكبرهم يهلل وهو
يقلب الصور: "هذا أنا".. تضحك شقيقته وهي
تشير للصورة المحترقة بعض أطرافها: "لقد
قطعوا رأسك.. أما أنا فقد حرقوا يدي".
والدهم
"سالم النجار" الذي انهمك في البحث عن
أوراق عمله قال لـ"إسلام أون لاين.نت":
"ألقى الاحتلال علينا أوراقا صغيرة
تطالبنا بإخلاء منازلنا وفورا.. أصوات الرصاص
جعلتنا نغادر بما نرتدي من ثياب فقط.. لقد
دمروا أكثر من خمسين منزلا على طول الحدود..
شردوا آلاف العائلات.. في النهار نجلس فوق
ركام بيوتنا ونرقد بالخيام.. وحين يأتي الليل
نلجأ إلى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين".
قصف
رفح وتدميرها على مدار أيام وليالي العدوان
الإسرائيلي الشرس لم يعرف منطقة واحدة، إذ
نال جميع طرقاتها غربا وشرقا.. فأحياء "يبنا
والقشوط والبرازيل والسلام" كلها جلست
تشتكي موتا مر على جسدها.
التتار
"أهون"
في
مخيم يبنا وهي تتفقد حجم الوجع بشعور تائه عن
المكان والزمان همست أم أسامة اليعقوبي
وكأنها تحدث نفسها: "قرأنا وسمعنا عن
التتار وعن كل من عاث في الأرض فسادا.. ولكن
بمثل هذه الوحشية والبشاعة لم نسمع ولم نر".
الحاج
خميس برهوم انشغل هو وأحفاده بإزالة أكوام
حجارة المنزل المكون من أربعة طوابق.. يلملم
الصغار ما تناثر من قطع لثيابهم وألعابهم.
يقف
كمن يستجدي لحظات من الراحة بعد صور طويلة من
المعاناة.. يمسك بمسبحته الخشبية بأصابع
مرتجفة.. يحاول أن يخفي دمعة تكومت في عينيه
وهو يروي لنا عن بيته الذي انتهى من بنائه قبل
أشهر قليلة: "كنا سعداء بالبيت الجديد
والفرحة تغمرنا.. اليوم الكل يسأل: (أين ذهب
البيت).. انظري لا شيء تبقى منه".
تجاعيده
المحفورة على جبينه أخذت تسأل بحرقة عن حلم
شيده هو وأولاده بالدم والعرق.
وفي
حي الشاعر إلى الشرق من بوابة صلاح الدين
انشغل مئات المواطنين برحلة بحث ترشدهم إلى
عناوين بيوتهم؛ فصواريخ وقنابل الطائرات
الحربية هدمت عشرات المنازل وأحالتها إلى
كومات من الركام، تداخلت جدرانها وأعمدتها
وأخفت تفاصيلها الصغيرة.
وأفادت
تقارير فلسطينية أن العدوان الإسرائيلي قد
سوى 4100 منزل في غزة بالأرض، وأصاب 17 ألفا
آخرين بالتصدع.
"الرئة"
"أنفاق
رفح" متنفس غزة الوحيد في الأشهر الماضية
ومن ضخت في تعب المدينة المحاصرة أكسجين
الحياة، قد تعرضت للقصف الإسرائيلي هي الأخرى
وبعنف شديد دمر المئات منها على طول الحدود مع
مصر، ولم يبق منها سوى عيون صغيرة بعدد أصابع
اليد الواحدة.
أحد
التجار أعرب عن حزنه لما جرى لرفح من قصف،
وقال وهو يضرب كفا بكف: "لقد كانت ملجئا
للعاطلين عن العمل والباحثين عن لقمة العيش..
كانت تضج بالحياة.. ومطاعمها ومحالها
وسياراتها لم تكن تعرف الصمت".
أبو
عادل صاحب أحد الأنفاق قال إن القصف نال ما
بين 700 و 1000 نفق.. وكمن يبكي بيته قال: "ونحن
خسرنا.. تكلفة النفق التي تصل إلى نحو 100 ألف
دولار.. لقد دمروا البيوت والشوارع.. ومصدر
حياتنا أيضا".
وبصوت
يتحدى آلة الموت والغبار الكثيف من حوله قال
أحد أصحاب الأنفاق: "رئة غزة لن تتوقف..
سنعيد علاجها من جديد".
وبالفعل
نقلت تقارير إعلامية صورا لأهالي غزة وهم
يعيدون ترميم ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية
من أنفاق على طول الشريط الحدودي مع مصر كانت
بمثابة شرايين الحياة لجسد القطاع الذي عانى
حصارا غير شرعي فرضه الاحتلال الإسرائيلي منذ
نحو عامين.
|