English

 

السبت. يناير. 24, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

نظام رسمي عربي جديد؟

نبيل شبيب

Image
قمة الكويت شهدت مصالحة عربية
بدأ الحديث عن عودة النظام الرسمي العربي بعد المصالحات العربية-العربية في قمة الكويت، وكان غائبا على أرض الواقع، بمعنى عدم وجود مواقف عربية مشتركة متقاربة على الأقل خلال الفترة الماضية، إنّما هذا ما يزيد أهمية السؤال عما سيكون عليه حال النظام الرسمي العربي في الفترة المقبلة.

هل ضمدت جراح غزة 2008-2009م الجسد العربي الذي ازداد تمزقا مع جراح لبنان عام 2006م؟..

وقد سبق أن عايشنا شبيه ذلك ما بين غزو الكويت وحرب احتلال العراق، ومن قبل ما بين حرب اليمن وحرب 1973م، فهل أصبحت المنظومة العربية رهينة السقوط والصعود على وتيرة الحروب وزئير القذائف وأنين الضحايا؟..

أم أن مسيرة المقاومة مسئولة عن الشرخ الإضافي في النظام الرسمي العربي عندما واجهت العدوّ الإسرائيلي في لبنان، وهي التي ترتق ذلك الشرخ عبر مواجهة العدوّ الإسرائيلي في قطاع غزة؟.

ولم يعد يمكن النظر في النظام الرسمي العربي دون التساؤل أيضا عن فرضية إيجاد أرضية مشتركة تمحو آثار صراع المحاور، بعد توظيف العلاقة مع إيران وقودا له، بينما ظهرت مؤشرات مستجدة لدخول تركيا بقوة على خطّ الأحداث الجارية، فما هو مستقبل وضع نظام عربي في الإطار الإقليمي الأوسع نطاقا؟..

والسؤال الحاسم من وراء ما سبق: هل سيقتصر إصلاح النظام الرسمي العربي في الفترة المقبلة على مجرد العودة إلى ما كان عليه قبل الحرب ضد لبنان، أم ستكون له صيغة فعالة جديدة، ترتفع به إلى مستوى تطلعات الشعوب وقد ارتفع صوتها حتى طغى -مع شكاوى الضحايا- أو كاد يطغى على زئير القذائف المسعورة؟..

لا يكفي إذن ما شهدناه في قمة الكويت من رنّة جديدة في بعض الخطب، أو أجواء ودية للمصالحات في جلسات جانبية، للقول بوجود انطلاقة جديدة "مرجوة" لنظام رسمي عربي جديد، إنما يجب النظر في عناصر أساسية عديدة هي التي تحدد أو يحدد التعامل معها المسيرة العربية لفترة لا بأس بها من الزمن، وأهمها:

المصالحات والعلاقات البينية

سنحتاج إلى فترة زمنية قد تطول قبل الوصول إلى أجوبة جازمة على التساؤلات المطروحة وأمثالها، فالثابت حتى الآن (فقط) هو أن المنطقة تشهد مخاضا بالغ الأهمية، ربما لم تشهد مثله منذ هزيمة 1967م الطاغية، وقد امتدت نتائجها عبر أربعة عقود، وما يسفر عنه المخاض الحالي يمكن أن تمتد نتائجه عدة عقود أيضا.

المقارنة ضرورية لتأكيد أن الفرصة التاريخية الحالية أكبر مما كانت عليه قبل أربعين عاما، لتتخذ جهود إعادة الحياة إلى جسد المنظومة الرسمية العربية مسارا "مستديما".

مما يرمز إلى ذلك أن قمة الكويت التي تتخذ مكانها في المقدمة من حيث الأهمية السياسية في تاريخ القمم كانت في الأصل قمة اقتصادية تنموية، سبق الإعداد لها على مدى عام كامل، وتزامنت -دون قصد- مع وصول الأزمة المالية والاقتصادية (الرأسمالية) العالمية حضيضا غير مسبوق.

بتعبير آخر: إن شرايين الجسد الرسمي العربي في حاجة إلى مشاريع التعاون والتكامل على طريق البناء والنهوض، اقتصاديا وماليا وتنمويا واجتماعيا، وفي ميادين أخرى، لتأخذ المصالح المشتركة طريقها مكان ارتباطات انفرادية أو ارتباطات مجموعات عربية بالقوى الدولية، كانت وما تزال المدخل لتعزيز التجزئة العربية، ولضعف النظام الرسمي العربي، سواء في صيغة أقطار ومجموعات صغيرة نسبيا، أو في صيغة "جامعة عربية" دون مستوى منظمة إقليمية فاعلة دوليا، ناهيك عن اعتبارها شكلا من أشكال التكتل الضروري في عالم التكتلات المعاصر.

قبل النظر في الحروب ومفعولها، والمقاومة ودورها، والمحاور وموبقاتها، يبقى أن النظام الرسمي العربي، كأي نظام إقليمي، لن تقوم له قائمة على مصالحات شكلية وقتية، بل على مصالح مشتركة مستديمة متنامية، ترفع مستوى التجارة البينية، والمشاريع المحلية، والمناهج التربوية والتعليمية، مع التكامل في توظيف الثروات الطبيعية والبشرية والعلمية والتخصصية وغيرها.

إن الجزر والمدّ في الخلافات الثنائية وغير الثنائية، سيبقى ما بقيت الدول القطرية قائمة في المستقبل المنظور، فذاك جزء من طبيعة العلاقات بين دول متعددة، وليس العالم العربي والإسلامي في الوقت الحاضر "وطنا واحدا" بين المحيط والخليج أو بين المحيطات الثلاث، بل هو "أقطار وأوطان ودول" متفرقة. الخلافات جزء من طبيعة هذا الوضع، على أنها تتحول إلى معاول هدم وصراع نتيجة غياب البنية الهيكلية المتينة من العلاقات والتعاون فيما لا خلاف حوله وفيما يحقق مصالح مشتركة، لاسيما في قطاعات الأمن الغذائي، والبحث العلمي، وتوحيد المناهج، وغير ذلك مما تغتاله الخلافات السياسية، ولو وجد لكان كالأدوية في علاج الخلافات والامتناع عن تصعيدها إلى مستوى القطيعة والصراع.

لهذا على الأقل لا يمكن الجزم الآن بأن مصالحات الكويت ستعيد الحياة للمنظومة الرسمية العربية، إنما يمكن ترجيح ذلك عندما يتخذ التعاون شكلا مرئيا وراسخا، اعتبرت قمة الكويت "الاقتصادية التنموية" في الأصل وسيلة للشروع فيه.

العرب والعالم

موقع النظام العربي الرسمي على هامش الهامش من صناعة القرار الدولي يوجب التأكيد أن تحقيق نقلة حقيقية من الوضع الراهن إلى الوضع المرجو يتطلب تغييرا جذريا للنظرة الرسمية الذاتية إلى موقع البلدان العربية، والقضايا العربية، على خارطة العالم المعاصر.

لن ينشأ نظام عربي متماسك وفعال، ما بقيت النظرة السائدة لدى أنظمة الحكم في الدول العربية، قائمة على التسليم بأن تكون القوى الدولية هي القوى الفاعلة في مسارات قضايا الصحراء الغربية/ المغربية، والصومال، والسودان، والعراق، وفلسطين، ولبنان، وغيرها، بل ودعم ذلك بدلا من العمل المشترك لوضع حد له.

مثال: لم يكن الخلاف القطري-البحريني قبل سنوات في حاجة إلى "قوة دولية" بل إلى "جهة تحكيم" ولكن لجأ الطرفان في حينه إلى "محكمة العدل الدولية" في غياب "محكمة عدل عربية"، وضعت لتشكيلها مشاريع، فبقيت في أدراج جامعة الدول العربية.

مثال آخر: لم يكن الوضع المأساوي في الصومال في البداية في حاجة إلى "جيوش" بل إلى جهود وساطات سياسية وصناديق دعم مالية، ولكن بقي سنوات موضع إهمال رسمي عربي، فتحول إلى ساحة اقتتال داخلي وتدخل أجنبي، وما يزال على هذا الحال مع استمرار الغياب العربي.

وفلسطين هي المثال النموذجي الأخطر والأظهر للعيان على ما يصنعه تسليم مفاتيح القضية (بنسبة 99 في المائة) للقوى الدولية، مع أنها هي القضية الأهم عربيا وإسلاميا، والأجدر بالتلاقي العربي الشامل عليها.

إن اعتبار ما شهدته قمة الكويت بعد الحرب ضد غزة بمثابة إعلان ميلاد جديد للنظام الرسمي العربي، يبقى وهما أو أمنية، على غرار ما كان في قمة الخرطوم قبل أربعين عاما أو عند ميلاد جامعة الدول العربية قبل ستين عاما، ولكن يتحوّل إلى حقيقة واقعة عندما يقترن بسلسلة من الخطوات الفعلية والآليات المتوازنة لتصبح القضايا العربية عربية فعلا، من حيث النظرة القطرية والمشتركة، ومن حيث علاج ما تشهده من أزمات.

وليس نشوب الأزمات بحد ذاته مشكلة، إنما يصبح مشكلة عندما تتحول من خلال التعامل الذاتي معها إلى ثغرات لتدخّل قوى دولية لها غاياتها الذاتية. وليس النظام الرسمي العربي عربيا، إذا بقيت مصائر القضايا العربية المشتركة مرهونة بالإرادة السياسية للقوى الدولية، والسبب الذي يحتاج إلى علاج معروف، وهو ارتباط الدول العربية أو جلها بالقوى الدولية، نتيجة سياسات انفرادية (أو لأسباب مرفوضة أخرى أخطر وأنكى) أكثر من ارتباطها بعضها ببعض. استمرار هذه الارتباطات لا يمكن أن يساهم في ترسيخ أرضية "عربية" مشتركة، لا تكتسب صفة "منظومة سياسية" إلا بإعطائها هي الأولوية على ما عداها.

ما حصل في الكويت خطوة، بل ربما كان مجرد "كلمة"، وفي الحالتين يبقى نشوء نظام عربي متماسك هدفا بعيدا، ويبقى الطريق إلى "تعريب" القضايا العربية بسبب الأوضاع المعقدة الراهنة طريقا شائكا، ولكن سلوك الطريق وتحقيق الهدف ليس "مستحيلا"، وواقعيته مرتبطة بحقيقة نوايا صانعي القرار، وتصميمهم، وسلوكهم، وعلى هذا -وليس على الكلمات وحدها- ستحكم عين الرقابة الشعبية المتيقظة أضعاف ما كانت في الماضي القريب، ويُرجى أن تجد ما يسمح بالحديث عن ميلاد المنظومة العربية عبر المخاض الحالي، بصورة سليمة، وإلا ستبقى هذه "المنظومة" غائبة أو مشوّهة عقيمة.

الدائرة الإسلامية

إن سياسات المحاور الإقليمية في المنطقة العربية والإسلامية مرفوضة ومدانة وتضرب جذور

 

 إيران.. عمق إستراتيجي للعرب

 المصالح المنفردة والمشتركة، كما تشهد الخبرات التاريخية الحديثة. ومن السابق لأوانه الجزم بأن قمة الكويت تجاوزتها، فأقصى ما شهدته هو "تحييد" مفعولها مؤقتا لتتحقق المصالحات العربية-العربية، أو -وهو ما لا نرجوه- لمجرد تسويقها إعلاميا بالإعلان الاستعراضي عنها، بهدف امتصاص مفعول الغضبة الجماهيرية. 

إنما يجب التمييز تمييزا دقيقا وقاطعا بين رفض سياسات المحاور، وبين حقيقة ثابتةٍ من قبل قمة الكويت وستبقى بعدها، مع وجود تلك المحاور وفي غيابها، وهي أن المنطقة العربية جزء محوري مركزي من الدائرة الحضارية الإسلامية، المتميزة عن دوائر حضارية أخرى في عالمنا المعاصر.

والتميز لا يعني "الانقطاع والعزلة" دوليا، ولكن يعني (1) أن طبيعة العلاقات داخل الدائرة الحضارية المشتركة تفرض نفسها تلقائيا، ويعني (2) أن إعطاءها الأولوية تجاه سواها، مصلحة من المصالح العليا الواجبة، وواجب تفرضه المعطيات التاريخية والمعاصرة، ويعني (3) أن هذه العلاقات الراسخة لا تتحول إلى مصدر للأزمات إلا عند تغليب سواها -أي الارتباطات الأجنبية- عليها. ولا تنفرد المنطقة العربية والإسلامية بذلك، فهذه قاعدة تسري على مختلف مناطق العالم بصور مماثلة.

بتعبير مباشر: إيران قوة إقليمية مجاورة للمنطقة العربية، وتركيا كذلك، وتوجد قوى إقليمية مشابهة أبعد منهما جغرافيا وليست أبعد من حيث المنطلقات والمعطيات الحضارية، مثل إندونيسيا وباكستان وماليزيا. هذه القوى ستبقى من وراء جميع خلافات الأنظمة في مختلف الأوقات هي العمق الحضاري والفكري للمنطقة العربية، فإما أن توضع وتُطبّق الصيغ الضرورية لتكون عمقا اقتصاديا وسياسيا وأمنيا أيضا، أو بالتعبير المتداول "عمقا استراتيجيا" شاملا لمختلف الميادين، أو يبقى إعطاء الأولوية لسواها عليها سياسة حافلة بالأخطار لحساب قوى دولية، وهي أخطار شاملة لجميع الأطراف، بما فيها المنطقة العربية.

بغض النظر عن طبيعة الحكم في كل من تركيا وإيران (الشاه المرتبط بالغرب والثورة الإيرانية.. العلمانية الأصولية الأتاتوركية وعهد حزب العدالة والتنمية) لا يعني ما سبق أن تجد السياسات والتطلعات الإقليمية لكل من الدولتين أو سواهما من القوى الإقليمية الإسلامية، القبول المطلق، ولكن لا ينبغي أيضا أن تجد الرفض المطلق، إنما يقتضي وجود تلك التطلعات التعاملَ معها بسياسة واقعية، للخروج من نفق منظور المحاور، ولوضعها على أرضية تكاملٍ ضروري وتنافسٍ إيجابي مع سياسات وتطلعات عربية مشتركة (هي من شروط وجود منظومة عربية) كي تكون نقاط التلاقي حجر الزاوية في تنامي المصالح الإقليمية العليا المشتركة، وهي آنذاك المعيار، ولها آنذاك الأولوية تجاه العلاقات مع القوى الدولية والتجمعات السياسية الأخرى، خارج نطاق الدائرة الحضارية الإسلامية.

إن كل منظومة سياسية كبيرة أو صغيرة -كالاتحاد الأوروبي أو الاتحاد الروسي- تحرص على أن يكون للجوار موقع متميز في خارطة العلاقات الخارجية، وتسعى إليه، وتعقد الاتفاقات من أجله، وتدخل في أزمات علنية مع قوى دولية أخرى بسببه.. وهذا في مقدمة ما يفتقر إليه أي نظام رسمي عربي مشترك، وافتقاده في مقدمة أسباب تحويل العلاقات الإيجابية والسلبية مع الجوار إلى بؤرة أزمات عربية-عربية وأزمات إقليمية.

إذا كان المطلوب بعد قمة الكويت، أن تتبع الكلماتِ جهودٌ عملية ضرورية لتطوير منظومة عربية، فالمطلوب أيضا أن تقترن هذه الجهود بمساعٍ حثيثة على محورين، (أولهما) تطوير وضع التجمع الإسلامي القائم حاليا في صيغة "منظمة المؤتمر الإسلامي" إلى تجمع مصلحي، يتجاوز شكليات استضافة "الأمين العام" في بعض القمم، وبيانات مشتركة من حين إلى آخر -والقليل من المشاريع العملية حتى الآن-  و(المحور الثاني) هو العمل لإيجاد صيغة مشتركة للتعامل مع القوتين الإقليميتين المجاورتين مباشرة للمنطقة العربية، أي إيران وتركيا، بما يشمل التعاون على أساس المصالح العليا في مختلف الميادين، وآليات متوازنة لحل النزاعات الناشبة، دون تدخلات خارجية.

إن ما يمكن تحقيقه من ذلك، مع تمتين البنية الهيكلية للعلاقات البينية في منظومة رسمية عربية، سيكون رفدا لهذه البنية، في التحرك على مسرح الأحداث والتطورات الدولية، وعلى صعيد التعامل مع القضايا المحلية في الساحة العربية والإسلامية. ولئن سبق الإقدام على بعض محاولات مبدئية، كما كان في استضافة إيران في قمة خليجية والتفاعل مع تركيا في التعامل مع الحرب ضد قطاع غزة، فالمفروض أن تتحول المحاولات الوقتية والخطوات الرمزية إلى نهج مدروس، بأهداف محددة، وصيغة مستديمة.

فلسطين والمقاومة على الخارطة العربية

إذا قامت لمنظومة رسمية عربية قائمة، فليس لها بقاء دون قضية فلسطين، فهي بمثابة عمودها الفقري، ولا يمكن ضمان بقائها واستقرارها دون حاضنة شعبية لها تتوافر عندما تحرر إرادة الشعوب الإرادة السياسية الرسمية.

وقد سبقت الإشارة إلى مقارنة الفترة الحالية بالفترة بعد هزيمة 1967م..

1- عام 1967م كانت الهزيمة هزيمة أنظمة وجيوش، وكانت التضحيات فيها جسيمة بعشرات الألوف، وصنعت دمارا بقيت آثاره حتى اليوم، وشهدت المنطقة آنذاك مصالحات واسعة النطاق، بدأت في قمة الخرطوم 1967م.. وضاع مفعولها سريعا، ثم سقطت بالضربة القاضية في كامب ديفيد 1978م.

وفي الوقت الحاضر تأتي المصالحات مع قمة الكويت 2009م بعد الحرب الإجرامية ضد قطاع غزة، حيث كانت التضحيات كبيرة وجسيمة، إنما يمكن الجزم أنها أسفرت عن إخفاق عسكري إسرائيلي آخر بمقياس عدم تحقيق الأهداف السياسية من الحرب (حتى الآن.. ولا يُستبعد تحقيقها بجهود دولية وإقليمية وليس بإنجازات إسرائيلية مباشرة) وفي هذه الحرب لم تكن الجبهة العربية جبهة أنظمة وجيوش، بل جبهة فصائل وصمود.

2- بعد الهزيمة ومصالحات الخرطوم عام 1967م مضى الخط السياسي الرسمي رغم "اللاءات الثلاث الشهيرة" في اتجاه التهاوي (انفراديا ثم جماعيا) على منحدر بعد منحدر، وكان القاسم المشترك بين مختلف التطورات التالية -بما في ذلك حرب 1973م- هو ما تعبّر عنه كلمات التسويات والمبادرات والاتفاقات، وكان آخرها على هذا الطريق مبادرة بيروت.

بعد انتصار المقاومة وصمود شعب فلسطين في غزة ومصالحات الكويت 2009م، وجب السؤال ما إذا كانت البداية الأولى لإعادة النظر في مبادرة بيروت ستجد مصير "اللاءات الثلاث" وما إذا كانت الصور التذكارية للقادة العرب معا بعد العجز عن اجتماع مشترك بينهم بالأمس القريب، ستحترق مجددا كما كان مع الصور التذكارية في قمة الخرطوم، وقد احترقت بعد عشرة أعوام في خندق "كامب ديفيد".

3- بعد قمة الخرطوم بفترة وجيزة تعامل النظام الرسمي العربي مع ما سمّي "مبادرة روجرز" وتلاها الكثير حتى "مبادرة بيروت" وغالبا ما ارتبط التقلب من مبادرة إلى أخرى بالتقلب في "مصنع الآمال وخيبتها" على وقع انتخابات أمريكية ورئاسات أمريكية متتابعة.

وربما لا تنقضي بعد قمة الكويت سوى فترة وجيزة إلا ويصبح محتما الإعلان عن إسقاط ما يعرف بمبادرة بيروت ونهج المبادرات، إذا تحققت الاستجابة لإرادة شعبية ونشأت إرادة سياسية لمنظومة عربية.. أو يتجدد السقوط بعد فترة وجيزة تحت عنوان جديد (ربما بحجة عهد رئاسة أمريكية جديدة)!. 

4- آنذاك اقترن بقمة الخرطوم احتضان المقاومة الفلسطينية بعد نشأتها الأولى وسبق أن بقيت موضع الإهمال نسبيا لأكثر من عامين، وانقلب الاحتضان لاحقا إلى "تسييس" وملاحقات في أكثر من بلد عربي.

بعد الحرب على غزة تأتي مصالحات الكويت مع تركيز ملحوظ على ضرورة "المصالحة الفلسطينية" على أرضية من العسير تصوّرها دون احتضان المقاومة الفلسطينية بعد نشأتها الثانية، وإن مضى على هذه النشأة الثانية أكثر من عقدين من السنوات وليس عامين فقط.

حصيلة المقارنة:

إن قمة الكويت لم تنعقد "فقط" على أنقاض خلّفتها حرب عدوانية ضد غزة، ولا على أنقاض سياسية وغير سياسية خلال زهاء ست سنوات مضت على إطلاق مبادرة بيروت متزامنا مع ما سمي "حصار المقاطعة" وما تلاه في ملحمة جنين، بل انعقدت قمة الكويت على "أنقاض" أربعين عاما مضت من طريق التسويات من قبل "مبادرة روجرز" عبر محطات كامب ديفيد وفاس ومدريد وأوسلو وغيرها تحت عنوان "تسويات سلمية".. ومعيار النجاح والإخفاق هو إزالة هذه الأنقاض، وليس الأنقاض في غزة فقط.

ليس التحدي الحقيقي على طريق إحياء المنظومة العربية كامنا فقط في العبارة الواردة أثناء قمة الكويت "أن مبادرة بيروت لن تبقى على الطاولة طويلا" بل يكمن بصورة جذرية في العبارة الواردة في القمة أيضا عن أن "مسألة السلام والحرب لن تبقى مفتوحة على الدوام".

بتعبير آخر:

هزيمة 1967م صنعت منحدرا عربيا طويلا وخطيرا على مدى عقود، وصمودُ المقاومة 2009م (بعد انتفاضتين وأحداث أخرى) يجب أن يصنع في المنظومة العربية الصعود بعد هذا الانحدار، وليس مجرد تضميد جراح وإقامة أبنية.

إن المعيار الحاسم هو قضية فلسطين والمقاومة. فالنظام الرسمي العربي مع كل ما يمكن أن يُبذل لتمتين بنيانه، مما سبق الحديث عنه، سيبقى مرتبطا بقضية فلسطين المحورية المركزية، بوجوده وقوته وضعفه، ببقائه شكليا دون مضمون أو تحقيقه إنجازات كبرى.

إن من أصحّ ما قيل في وصف الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة ما صدر عن جماعة يهودية غير صهيونية في فرنسا وجاء في صيغة "إسرائيل تحفر قبرها بيديها"، والأصح: بآلتها الحربية، وهذا مهما بلغ دعمها أمريكيا وغربيا ومهما بلغ التراجع عن مواجهتها عربيا وإسلاميا.

لم يقع هذا التغيير نتيجة "مبادرات سلمية" ولا "مفاوضات عقيمة" ولا "وساطات دولية"، بل كان نتيجة حتمية لطبيعة الصراع الدائر، وتجسيد المقاومة الفلسطينية للوسيلة التي لا غنى عنها في صنع التغيير في مجرى تاريخ القضية. ولا ريب أن النظام العربي الرسمي يقف بذلك أمام مفترق طرق حاسم، ينهي به مسيرة أربعين عاما مضت، حصيلتها معروفة، وتكاد تتجاوز وجودَه الأحداث من خلال ما تصنع المقاومة الفلسطينية المحدودة عددا وعدة، دون مشاركته الفعالة.

لهذا لم يعد يوجد "خيار إضافي" بديلا عن خيار تبني طريق المقاومة المشروعة، وفق الحق التاريخي الثابت بفلسطين، ووفق القانون الدولي دون السقوط في وحل تزييفه عبر قرارات هيمنة القوة في مجلس الأمن الدولي.

ولا يتحقق تبني المقاومة بمصالحة شكلية يجري الحديث عنها ما بين سلطة وفصائل، فالمشكلة لم تكمن قط في توزيع مناصب وسلطات، ولا في الفصل بين الضفة والقطاع، ولا في مشروعية ما تسفر عنه انتخابات واستفتاءات، إنما كانت ولا تزال مشكلة صُنعت صنعا وتدور في جوهرها حول "نهج" التعامل مع قضية فلسطين. وكما أسقطت مذبحة جنين وما سبقها وتلاها نهج التسويات وقابلية حصار المقاومة، فإن ملحمة غزة بمختلف وجوهها، من حيث العدوان الإجرامي، والصمود البطولي، والمآسي الإنسانية" جديرة بأن تضع حدا نهائيا للتعامل الرسمي مع الفصائل الفلسطينية للمقاومة كما لو أنها ليست جزءا محوريا من النظام العربي المطلوب نفسه ومن موقع قضية فلسطين على رأس مقومات وجوده واستمراره والرقي به على مختلف الأصعدة.

مهما كان الطريق "شائكا" لعودة الالتحام الاندماجي بين النظام الرسمي العربي والمقاومة المشروعة في فلسطين وسواها تجاه كل أشكال الاحتلال والاغتصاب والعدوان، فإن الطريق التي مضى عليها النظام الرسمي العربي خلال 40 عاما مضت وأكثر، كانت مليئة بأخطار أكبر، وخسائر أعظم، على كل صعيد، وفي مقدمتها انهياره ذاتيا.

ولا يتحقق الالتحام المفروض فرضا دون أن تكتمل الأرضية الضرورية له من خلال ما سبق ذكره من عناصر أساسية لتثبيت أركان النظام الرسمي العربي، على أساس بنيته الهيكلية، وعمقه الإسلامي، وعلاقاته الخارجية بالقوى الدولية، فالموقف من المقاومة ونهجها للتحرير، وليس من حصار شعب فلسطين والعدوان المتواصل عليه في الضفة والقطاع فقط، يجب أن يكون هو المعيار الأول في أي حديث عن تحرير الإرادة السياسية العربية، التي لا يقوم نظام رسمي دون تحريرها، وهو المعيار الأول فيما ينبغي أن تكون عليه العلاقات العربية والإسلامية مع مختلف الدول والمجموعات العالمية بما فيها القوى الدولية.

إن الموقف من تبني نهج المقاومة تبنيا شاملا ونهائيا هو حجر المحكّ في الحديث عن ميلاد نظام رسمي عربي من جديد، أو عن مصالحات شكلية، وتصريحات كلامية، والتمويه على واجب التحرير بأداء واجب ملحّ على صعيد مساعدات الإغاثة الإنسانية والتعمير.

حاضنة الشعوب للأنظمة

لا ريب أنّ ما أحدث تحولات مرئية في المواقف الرسمية، مما ظهر للعيان في مؤتمر الدوحة،

 

 غزة..أشعلت الشارع العربي

 ثم في مؤتمر الكويت، وفي بعض المواقف الأخرى، إنما هو رصد الأنظمة لما وصلت إليه علاقة الشعوب بالأنظمة.

وكان من المؤشرات ذات الدلالة العميقة ظهور الغضب الشعبي فور بدء العدوان على قطاع غزة، وليس بعد أيام كما كان مع انتفاضة الأقصى أو أسابيع كما كان مع حرب احتلال العراق، ناهيك عن تغييبه إلى حد بعيد أثناء حقبة النكبات العسكرية والسياسية في القرن الميلادي العشرين. وهذا ما يطرح السؤال ما إذا كانت أي غضبة جماهيرية قادمة لسبب ما، ستبقى في حدود أشكال التعبير التي ظهرت حتى الآن، فلا تتجاوزها وتصنع انفجارا لا يمكن التنبؤ بنتائجه.

لقد ارتفع مستوى الوعي الجماهيري العربي إلى درجة غير مسبوقة، فالحرب ضد قطاع غزة طرحت جميع ما يرتبط بفلسطين مباشرة وبالمنطقة العربية والإسلامية عموما، طرحا علنيا مباشرا مكشوفا أمام الجماهير من الشعوب، وأصبح من نتائج ذلك (كما سبق تعدادها في مقالة أخرى):

1- كل اتفاق باطل يعقد دون مشروعية تكليف شعبي قويم (وما أكثر ذلك.. كاتفاقية تمديد الاحتلال في العراق أو اتفاقية معبر رفح مع الاحتلال) سيفتقر إلى اطمئنان السلطات المحلية والدولية إلى قابلية تمريره أصلا، ناهيك عن  التزام الشعوب بمضامينه.

2- كل نظام يشارك في حصار شعب (وما كان حصار أهل غزة الأول من نوعه) سيحاسَب.. آجلا أو عاجلا، من جانب الشعب "الشقيق" داخل منطقة سلطته.

3- لم يعد يمكن لنظام قائمٍ الاطمئنان إلى وسيلة القمع للحيلولة دون غضبة جماهيرية تتصاعد حدثا بعد حدث، وقد بلغت مع الحرب ضد غزة، ذروة قصوى، وباتت من الانفجار شعبيا على قاب قوسين أو أدنى.

لا يعني ذلك بالضرورة أن الغضبة الجماهيرية ستقوض الأنظمة، فمما لا ريب فيه أن كل احتجاج جماهيري إنما هو في جوهره وبغض النظر عن التعبير عنه، احتجاج ضد السياسات وليس ضد الأشخاص، وإن كانوا هم بممارساتهم يجسدون تلك السياسات، إلا أن ذلك يؤكد أن ممارسة السياسات القويمة، يمكن أن تحوّل الغضب الضخم إلى تأييد ضخم، لتصبح القوة الشعبية الكبرى في وجه كل عدوان خارجي، هي الحاضنة الشعبية الأقوى، وهي الوحيدة المضمونة، لنظام رسمي عربي متحرر من قيود التبعيات الخارجية والمطامع الأنانية الداخلية.

الجماهير الهادرة بين المحيطات الثلاث تريد سياسة عربية وإسلامية قائمة على تحقيق أهدافها الجليلة، وتطلعاتها المشروعة، وتأمين حقوقها وحرياتها واحتياجاتها، وخدمة قضاياها المصيرية، تحريرا وتكتلا وتقدما، فإن حقق نظام رسمي عربي جديد هذه الشروط، كان استقراره مضمونا، وليس الاستقرار الحقيقي متحققا قطعا عبر مجرد بقاء السلطات وقدرتها على "تطويع" الشعوب، لاسيما وأن جميع وسائل التطويع والقمع أصبحت عقيمة، كوسائل تدجين العدوان وتوهم إمكانية "التطبيع" معه. إنما الاستقرار الحقيقي مشروط بتعبير النظام عن الإرادة الشعبية عبر آليات مضمونة وممارسات نزيهة مستديمة، فإن جاء ذلك "طوعيا" من جانب الأنظمة بما يشمل العمل لفلسطين ومختلف القضايا الأخرى، انتهت الأزمة المستعصية بين الأنظمة والشعوب، وإن لم يكن فالبقاء للشعوب ولإرادتها التي لا يمكن أن تنكسر، على النقيض من بقاء الأنظمة فقد كان ولا يزال رهنا بتحقيق هدف الإصلاح الجذري والتغيير الشامل انطلاقا من إرادة الشعوب.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات