English

 

الخميس. يناير. 22, 2009

حواء و آدم » أب وأم

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الاستسلام خارج قاموسها

"الغالية" أمي .. مشاهد من حياتي

دعاء الشامي

Image

اسمحوا لي أن أستضيفكم في حياتي لمدة دقائق هي مدة قراءة هذا الموضوع، واسمحوا لي أيضا أن أحكي لكم عن أهم وأخطر إنسانة في حياتي..

نعم عمري 23 سنة مرت بي خلالها مواقف كثيرة، لكن هناك مشاهد لا تغيب عن بالي ولا أنساها أبدا، كلها لها بطلة واحدة هي "أمي" أو"الغالية"، كما كان يناديها جدي الذي أعرفه جيدا برغم أنني لم أره، ولكنها لا تمل من سرد حكاياتها معه..

"الغالية" فلاحة مصرية بسيطة لكنها قوية، تركت التعليم مرغمةبعد المرحلة الابتدائية.. لتساعد والدتها في المنزل برغم تفوقها الواضح، وعندما بلغت 15 سنة تزوجت وبدأت رحلتها الشقية مع الحياة والمشكلات والمسئولية، عرفت معنى الصلابة والقوة والرجولة في آن واحد، جميلة مثل أغلب أهل قريتها، ولكنها تملك روح أجمل من عيونها الخضراء، وقلب أبيض مثل وجهها الباسم برغم تجاعيد الزمن، وقصة أقوى من نظرتها ساعة غضب.

فادية" هو اسمها الحقيقي في شهادة الميلاد.. أرملة مات زوجها بعد10 سنوات فقط من الزواج، قضى ثلاث منها في التجنيد وخمسة في رحلة مع الفشل الكلوي الذي لم يكن له علاج وقتها إلا الغسيل، ولكن الموت مؤكد.. وكما أخبرها الأطباء المسألة لن تتعدى شهورا قليلة.. رحل بعدها الزوج تاركا لها ثلاثة أطفال، أكبرهم عمره 6 سنوات فقط والصغرى لم تتعدَ سنتها الأولى بعد، والمعاش لا يتعدى 80 جنيها والباقي لكم أن تتخيلوه.

لا تعرف الاستسلام

بصراحة لم أسمع فصول القصة كلها منها شخصيا، لكني عرفت الكثير من الناس؛ لأنها نجحت في كسب احترام الجميع فهي "ست جدعة" كما يصفها أهل القرية، وفي كل مرة يعرفون أنني ابنتها ولو بالصدفة يشرعون على الفور في سرد قصة السيدة التي تركها الجميع فتحملت وفعلت ما يمل منه الرجال، ربت وتعبت ولم تطلب المساعدة إلا من الله، وفي كل مرة أرى في عيونهم نظرة إعجاب بها وبقدرتها أشعر بالفخر لأني ابنتها.

لم تعرف معنى الملل أو الاستسلام طوال حياتها، فرفضت الزواج مرة أخرى برغم جمالها وصغر سنها، وقررت أن تخوض المعركة مع الزمن والقدر والناس، وراحت ترسم على جبين كل منا حلما وبدأت في ترجمته على الفور، علمتنا أهمية التعليم الذي حرمت منه فتفوقنا جميعا في الدراسة، وراح كل منا يختار مجالا يحبه.. فتخرج أخي من كلية التجارة وأنا من الإعلام وأختي الصغرى من التربية، لترى ثمار تعبها وتشعر بأن الدنيا قد ابتسمت و"العيال كبرت".

والآن وبعد عشرين عاما كاملة على رحيل والدي لم نشعر أبدا بحاجتنا إلى أب، فقد لعبت وباقتدار دور الأم والأب والأخت والقريبة والصديقة، ونجحت في جعل أحلامها حقيقة ملموسة على أرض الواقع.

واليوم عندما حاولت أن أكتب عنها تداعت إلى ذاكرتي الكثير من المشاهد بت أمامها حائرة أيها أسرد وأيها أهمل، فجميعها أثرت في حياتي بالإيجاب، ومعظمها يدل على صلابة ورجاحة عقل وحسن تصرف ما زلت أغترف من مخزونه بداخلي لمواجهة المواقف الحياتية المختلفة، فلا تسارعوا بتفسير كلماتي على أنها نوع من المديح مبعثه الحب الطبيعي من ابنة بارة لأمها، ولكن اقرءوا أولا وأرجئوا حكمكم للنهاية...

المشهد الأول: وغاب الرفيق

صورتها بملابسها السوداء -التي ما زالت ترفض أن ترتدي سواها منذ رحيل والدي- وسط سيدات القرية الصغيرة التي ودعت الفرحة واستعدت لاستقبال سيارة الإسعاف لم تبرح خيالي، وصوت أمي يرتفع ليصبح أعلى من صوتها بمراحل برغم أن صوتها كان مخنوقا بالعبرات، وفجأة أغمي على أمي فقد خرج أبي من السيارة.. أو بالأحرى خرجت جثته التي تشبثت بها بكلتا يديها رافضة أن يحمله غيرها، وقتها كنت صغيرة جدا (3 سنوات) لكني فهمت أن خَطْبًا ما قد وقع، وحينما سألت جارتنا قالت: "أبوك مات وسابكم"، وكانت أول مرة أعرف يعني إيه أبويا مش موجود.

المشهد الثاني: خليكِ مع ربنا

صورتها ساعة صلاة الفجر قاعدة على السرير أكثر من ساعة تدعو الله أن يدبر حالها ويرزقها رزق 3 قطط صغيرين – اللي هو إحنا –، وعندما سألتها: "بتعملي إيه هو حد زعلك؟"، قالت: "بتكلم مع ربنا لأن ماليش غيره.. هو العالم بحالي، خليك معاه دائما"، وكنت وقتها ما زلت صغيره 5 سنوات تقريبا، وتكرر هذا المشهد بعدها مئات المرات حتى الآن.

المشهد الثالث: إحساس باليتم

كان أصعب مشهد في حياتي.. فيه شعرت لأول مرة بمعنى اليتم وقسوته، فرغم يتمي المبكر فإنها نجحت بحبها وعطائها وحزمها ألا تدع هذا الإحساس يتسرب إلينا، ولكني في هذا اليوم شعرت به يقترب مني شيئا فشيئا.. فقد كانت أمي تعاني من وجود حصوات على الكلى، وفي هذا اليوم رأت الموت بعينيها لأن الدكتور -سامحه الله- أعطاها الدواء غير المناسب، وعندما زاد عليها الألم بدأت تبكي وتوصيني على أشقائي، وتتنفس بصعوبة بالغة متشبثة بملابسي، وقتها تيقنت أن الغالية كل حياتنا والحمد لله ربنا نجاها بأعجوبة.

المشهد الرابع: زغاريد الفرح دخلت منزلنا

فرحتها وهي تزغرد لأول مرة في حياتها يوم نجاحي في الثانوية العامة بمجموع 98%، لتعرف جدران منزلنا لأول مرة معنى الفرحة التي افتقدناها منذ وقت طويل، صورتها وهي توزع الشربات على المهنئين الذين اكتظ بهم المنزل لا تبرح خيالي، صوتها وهي تشيد بي للجميع معلنة في ارتياح أن واحدة من القطط كبرت ما زال يتردد صداه في أذني، إصرارها على دخولي كلية الإعلام التي طالما حلمت بها برغم اعتراض الجميع على الفكرة - لأننا في كفر الشيخ- وممنوع البنت تبات خارج البيت ولو ليوم واحد، بالإضافة إلى مصاريفها الكثيرة، وتحديها للجميع قائلة: "أنا ربيت وأنا هاكمل"، يمدني بقوة جبارة أجدها في مواجهة الأزمات والشدائد مهما كانت قسوتها.

المشهد الخامس: أمي مثالية

يوم 20 مارس 2005 وكنت في الشغل في القاهرة واتصلت أقول لها كل سنة وأنتِ طيبة وأعتذر عن عدم سفري لأن الإجازات ممنوعة، وسمعت صوت بكائها.. قلبي توقف من الخوف وبسرعة ردت وطمأنتني:"اختاروني أما مثالية وبعثوا جواب من المحافظة عشان أروح بكرة" ونزلت جري من الشغل وسافرت بدون تفكير، أخذتنا في أحضانها وانسالت دموع الفرحة منا جميعا، وثاني يوم تم تكريمها وتسلمت شهادة التقدير، وكل البلد زارتها في البيت "لأنها تستاهل كل خير" على حد وصفهم.

المشهد السادس: العريس المنتظر

يوم زيارة العريس الذي قرر أن يرتبط بي بعد سنوات من رفضي للفكرة من الأساس، "لأني كان نفسي وقتها أن أركز في العمل فقط، لكني عندما حكوت لأمي عنه ابتسمت"، وقالت: "يعني أنت موافقة عليه"، ورديت بابتسامة أخرى، فشجعتني على الاقتران من حيث المبدأ لأن الطموح والزواج لا يتعارضان، وعندما رأته لأول مرة احتضنتني وقالت: "ياااااااااه.. كبرتي وخلاص هاتتجوزي"، وامتلأت عيناها بدموع الفرح، ودخلت وبدأت تسأله عن الصلاة والدين والشقة والحياة، وبعد استئذانه وصتني عليه، وقالت: "إن الست لازم تراعي جوزها وتتحمل ظروفه وتراعي ربنا فيه وفي عائلته".

ولأنها "الغالية" مشاهدها الجميلة لن تنتهي.. ولأنه لا يخلو بيت من غالية مثلها فإن القصص ستتوالى والتضحيات لن تتوقف، أدعو الله أن يحميهن ويوفقنا إلى رد جزء بسيط من حقهم علينا.


صحفية   

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم