English

 

الاثنين. يناير. 19, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » بيئة الصراع

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

غائبون دوليون عن مشهد غزة

مطيع الله تائب

Image
روسيا.. الغائب الأكبر عن حرب غزة
وسط صمت دولي كبير وتحرك عالمي بطيء وتشرذم عربي رسمي وغضب شعبي عارم، استمر العدوان الإسرائيلي ثلاثة أسابيع مستمرة، استخدم فيها الجيش الإسرائيلي كافة أنواع الأسلحة، فتسبب في قتل وجرح الآلاف من أهل غزة معظمهم أطفال ونساء وعجائز، ودمر البنى التحتية والمرافق المدنية والبنايات السكنية.

هذه المرة لم تشعر إسرائيل بأي ضغوط دولية كبيرة، فالولايات المتحدة واقفة معها بكل قوة مثل كل مرة، والاتحاد الأوروبي تفهم موقفها جيدا، وبقية أطراف العالم أبدت أسفها على الضحايا المدنيين على "الجانبين"، وطالبت طرفي الحرب بوقف إطلاق النار حقنا لدماء الأبرياء، اللهم بعض المواقف الإقليمية (والدولية البعيدة) الشجاعة القادمة من دول قطر وتركيا وفنزويلا.

لقد بدا واضحا غياب أطراف دولية وإقليمية فاعلة عن المشهد الغزاوي، والذي وفر فرصة كبيرة لتمادي تل أبيب في عدوانها الحالي، وجسد هذا الغياب كذلك مسلسل تضاؤل الدعم الدولي للقضية الفلسطينية، خصوصا فيما يتعلق بتصفية الحساب مع حماس في غزة في ظل الانقسام العربي وعدم تحرك الجامعة العربية بشكل قوي وموحد لحشد الدعم الدولي لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة.

وتعتبر روسيا والصين والهند من الأطراف الدولية والإقليمية ذات التأثير في المنطقة، والتي دعمت القضية الفلسطينية دوما سياسيا وماديا، خصوصا في فترة الحرب الباردة، غير أن الحرب على غزة كشفت أن مستوى الدعم لشعارات قضية فلسطين بدأ ينخفض لدى هذه الدول، خصوصا في هذه المرة، نظرا لأسباب عديدة نحاول تحديد أهمها هنا.

روسيا.. مشغولة بصراع الغاز

لقد كان من المتوقع أن تلعب موسكو دورا أكثر فعالية في الضغط على إسرائيل في حربها على غزة، غير أن التحرك الروسي النشط جاء متأخرا، وفي الأسبوع الثاني من الحرب، بعد أن ظهر الصمود الفلسطيني أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية الضخمة، واكتفى الدور الروسي في الضغط باتجاه وقف إطلاق النار دون ممارسة ضغوط حقيقية على تل أبيب لوقف عدوانها على غزة.

وفي ظل العلاقات غير المستقرة بين تل أبيب وموسكو، والتي تجسدت بشكل كبير في الأزمة الجورجية في الصيف الماضي، وفي ظل التوتر الروسي الأمريكي لنشر الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية، كان من المتوقع أن تتحرك موسكو بشكل أكثر فعالية ونشاطا في ملف غزة.

ويرجع البعض التحرك الروسي المتأخر إلى رغبة روسيا في عدم فتح جبهة جديدة مع الولايات المتحدة في ظل إدارتها الديمقراطية الجديدة بقيادة الرئيس باراك أوباما، والذي ترى موسكو أن تبدأ معه عهدا جديدا يتسم بالتعاون والتفاهم.

ويمكن أن نعتبر التأخير الروسي ردا جميلا على الصمت الأمريكي والأوروبي على السيطرة الروسية على أوسيتيا الجنوبية في جورجيا، وقد تتوقع موسكو بالمقابل تنازلات أمريكية وأوروبية أخرى في ملف توسع الناتو والدرع الصاروخية والشراكة الاقتصادية.

ومن زاوية أخرى يرى البعض أن موسكو ومن طرف خفي تريد استمرار عربدة إسرائيل فوق أشلاء غزة لتعميق الهوة بين العالم العربي والإسلامي والولايات المتحدة وأصدقائها؛ وبالتالي يمكنها التحرك في الوقت المناسب لملء هذا الفراغ الإستراتيجي.

ومن جهتها تسعى الدبلوماسية الإسرائيلية إلى بقاء الدور الروسي في الواجهة كقناة تواصل مع كل من سوريا وإيران، وكذلك كوسيلة ضغط عليهما، وهو الدور الذي قد لا يروق كثيرا لحكام الكرملين الجدد الذين آثروا الانشغال بأزمة الغاز مع أوروبا على أزمة غزة.

الصين.. الاقتصاد أولا

مع أن الصين أرسل مبعوثا خاصا إلى المنطقة التقى بالمسئولين في مصر وإسرائيل، فإن التحرك الصيني يمكن تصنيفه بأنه كان مداهنا للسياسة الأمريكية إلى حد كبير، حيث اكتفى بالضغوط الكلامية والمطالبة بتنفيذ قرار 1860 لمجلس الأمن.

والحقيقة أن الشرق الأوسط ما زال يشكل قيمة اقتصادية بالنسبة للصين، حيث تستورد منه قرابة 50% من ضرورياتها في مجال الطاقة، وبالتالي يشكل العامل الاقتصادي أبرز محددات التحرك الصيني في المنطقة، وما تريده الصين حاليا هو الحيلولة دون توسع رقعة الحرب إلى بقية دول المنطقة، بما يمكنها من الاستمرار في توسيع شبكة علاقاتها واستثماراتها الاقتصادية.

وتشكل العلاقة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أحد أهم محددات السياسة الصينية في الشرق الأوسط، مما يدفعها لاتخاذ سياسات أكثر برجماتية تحقق أهدافها الاقتصادية والأمنية طويلة المدى.

وبكين تواجه الولايات المتحدة في ملفين أمنيين، هما: تايوان وكوريا الشمالية، كما أنها تتوجس من الوجود العسكري الأمريكي في جنوب آسيا (أفغانستان وباكستان والعلاقات القريبة مع الهند)، وبالتالي من الصعب أن تدخل منطقة ملغمة مثل الأزمة الفلسطينية على حساب ملفاتها الأمنية والاقتصادية القائمة على طاولة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

الهند.. مصالح فوق القيم

تعتبر الهند دولة صديقة للقضية الفلسطينية طوال فترة الحرب الباردة، خصوصا بعد تأسيس حركة عدم الانحياز في أعقاب مؤتمر باندونج عام 1955، وظلت هذه العلاقات قوية إلى أن بدأت العلاقات الهندية الأمريكية في الانفتاح بعد الانهيار السوفييتي، وشهد عام 1992 إقامة علاقات رسمية بين الهند وإسرائيل كذلك، وبدأت نيودلهي تقترب من تل أبيب وتدخل معها في تنسيق أمني وعسكري وسياسي، وقد دفع العداء مع باكستان واستمرار المقاومة القومية والإسلامية في كشمير إلى اقتراب أكثر بين الدولتين.

وقد شكل الهجوم على المركز اليهودي في مومباي في هجمات نوفمبر الماضي، والتي نالت فنادق وتجمعات مدنية أخرى، نقطة إضافية أخرى في تقريب مصير الدولتين في مواجهة نفس العدو، ألا وهو "الإرهاب الإسلامي"، على الأقل في تعبير الحلقات المتشددة الهندوسية.

ولذا أدانت الهند رسميا ما يحدث في غزة، وطالبت بوقف العنف الحاصل هناك دون أن تحمل الجانب الإسرائيلي مسئولية ما يحدث، وكان كافيا بأن يعتبر ذلك موقفا متخاذلا بالنسبة للقضية الفلسطينية من دولة تدعي ريادة الديمقراطية في العالم الثالث وتدافع عن القيم الإنسانية مثل الحرية والسلام، كما أنها تضم أكثر من 160 مليون مسلم عبر العديد منهم عن وقوفهم مع شعب غزة وإدانتهم للعدوان الإسرائيلي.

ويكمن فهم الموقف الهندي في ظل علاقاتها المتنامية مع الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا بعد الصفقة النووية التي وقعتها مع واشنطن مؤخرا، وبالتالي تهيئ نفسها لعقد شراكة إستراتيجية مع أمريكا في إدارة المنطقة لإيجاد توازن ضد التوسع الصيني، وكذلك ممارسة الضغط على القوى الإسلامية المتنامية في المنطقة مثل إيران وباكستان.

والانقسام العربي.. أيضا

وبجانب الأسباب الخاصة بكل من روسيا والصين والهند في الغياب عن المشهد في غزة، أو الظهور على استحياء في بعض الحالات، كان للانقسام العربي الحاصل حول ما حدث في غزة دور كبير في هذا الغياب.

فالانقسام الذي بدأ من البيت الفلسطيني نفسه مرورا بدول الطوق ووصولا إلى الجامعة العربية، أعطى ذريعة كافية لغياب كثيرين من بينهم هذه الدول ذات التأثير الدولي والإقليمي، فالدبلوماسية العربية المترهلة في ظل التحرك الإسرائيلي للدعاية بأحقية حربها على "حماس" دفاعا عن النفس، لم تقدر أو لم ترد حشد الدعم الدولي ضد إسرائيل هذه المرة، وكان واضحا أن ثمة أطرافا عربية تتمنى نجاح إسرائيل في تحقيق هدفها فيما يتعلق بإضعاف حماس وجعل غزة منزوعة السلاح.

وفيما تحرك قطار القمم العربية والإقليمية والدولية حول الوضع في غزة بعد توقف إطلاق النار، يبدو أن روسيا والصين والهند غير معنيين بشكل كبير برسم الترتيبات الجديدة للمنطقة، فيما تنشط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عبر أطر جديدة مثل الناتو والحضور العسكري في رسم ملامح مستقبل القضية الفلسطينية ومستقبل المنطقة.


كاتب ومحلل سياسي أفغاني.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات