|
| غزة دمرت والعرب يتنافسون في عقد القمم |
تحول أسلوب عقد لقاء قمة من وسيلة سياسية تقليدية لإخراج حصيلة جهود سياسية مسبقة في قضية من القضايا إخراجا احتفاليا لا يتجاوز عادة "التوقيع" على ما سبق الاتفاق عليه، وربما استعراض وجهات النظر في إضافات وتفاصيل بقيت موضوع خلاف، إلى ساحة حرب سياسية، تثبيتا لمحاور، واستقواء بحلفاء، ومحاولة لاسترجاع دور سياسي.. فما الذي يبقى للقضية الأولى على جدول أعمال القمم؟.. وعلى وجه التحديد فيما يرتبط بالحرب ضد قطاع غزة، ما الذي بقي لقضية فلسطين، وهي المنطلق والغاية؟..
كانت الحرب جارية، والتقتيل مستمرا، والدمار متواصلا، يوما بعد يوم، ولم يفلح قادة بلدان المنطقة كما يصفون أنفسهم، في عقد قمة جامعة مانعة، والسبب هو اختلافهم مع بعضهم اختلافا من الواضح أنه يفوق في قيمته عندهم، قيمة ما يمكن أن يقدموه وما يُنتظر منهم تجاه الحرب الجارية، وضحاياها، والعدو الذي أطلقها من عقالها.. ثم فجأة يجد المواطن العادي نفسه أمام ما يشبه "الإسهال" في عقد القمم سريعا، من قمة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت خلال 24 ساعة في سباق مع قمة الدوحة، إلى قمة الدوحة تنفيذا لرغبة فريق ورغم معارضة فريق آخر، ثم قمة شرم الشيخ التي كسرت الرقم القياسي لسرعة انعقاد القمة الخليجية، ثم قمة الكويت الاقتصادية التي "أضيف" إليها بند التعامل مع الحرب!..
ما الذي تبدل في الأيام الأخيرة من الحرب الإجرامية على قطاع غزة؟..
هل بلغ الأمر مبلغه مع الطرف المعتدى عليه في حرب غير متكافئة، فوجبت السرعة لدعمه؟.. أم بلغ الأمر مبلغه مع الطرف المعتدي وعجزه عن تحقيق أهدافه رغم إجرامه، فوجبت السرعة لإنقاذه؟.. هل يعني عقد أربع قمم حول قضية واحدة أنها أصبحت فعلا موضع اهتمام كبير بعد المماطلة أثناء الحرب؟..
المطلوب بعد قمة الدوحة
إن ما صدر عن قمة الدوحة، موضع التأييد، شعبيا على نطاق واسع، وسياسيا على نطاق رسمي قد يتنامى تدريجيا، إنما هو تأييد يجب أن تلحق به العبارة التقليدية: "خطوة في الاتجاه الصحيح"، أي أن قيمة ما صدر من مواقف، تكمن فيما سيتبع من استكمال لها وإجراءات تنبني عليها ومتابعة الطريق في "الاتجاه الصحيح".
قمة الدوحة شقت طريقا يمكن أن يعيد لقضية فلسطين موقعها الصحيح على الساحة العربية والإسلامية، وأن يعطي بلدان المنطقة فرصة تاريخية لزرع أوتاد جديدة لاستقلالها واستعادة سيادتها على قراراتها السياسية والوصول إلى مكانة ما على خارطة الواقع الدولي المعاصر.
شقت طريقا.. أو بتعبير آخر خطت خطوة واحدة على هذا الطريق، فهل تتبعها خطوات؟..
هل يتحول تبني فصائل المقاومة في عدد من البلدان العربية والإسلامية، إلى تبني نهجها "إستراتيجيا"، أم يبقى الأمر في حدود وقفة سياسية استعراضية تتناسب وما فرضه مجرى الحرب ضد قطاع غزة، وما شهدته من صمود منقطع النظير؟..
هل يتحول ما يشبه "المحور" على مستوى قمة الدوحة سياسيا، إلى صيغة سياسية "إستراتيجية" ترسم معالم جديدة للعلاقات بين الدول المشاركة في القمة، وبين حكوماتها وشعوبها، وبينها وبين دول المنطقة الأخرى ودول العالم؟..
هل تكون قضية فلسطين التي دفعت في جولة من جولاتها إلى عقد هذه القمة بالطريقة التي عقدت بها، والمعطيات التي قامت عليها، هي المنطلق الذي يحدد معالم تلك الصيغة السياسية "الإستراتيجية" المرجوة؟..
يكفي ذكر مثالين اثنين لتحديد المطلوب صنعه متابعة لما أسفرت عنه قمة الدوحة:
1- قاطعت "سلطة عباس" التي واكبت الحرب بموقف معروف القمة التي استضافت المقاومة وهي تخوض الحرب بصمود معروف، وقضية فلسطين تشهد ما هو أكبر من مسألة "المصالحة بين الفصائل" كما هي مطروحة منذ فترة طويلة، فالخلاف الجوهري هو خلاف منهج وليس خلاف فصائل، والواقع القائم واقع أعاد لقضية فلسطين وجهها التاريخي في معادلة المقاومة مقابل الاحتلال والاغتصاب والعدوان، فإذا كانت المصالحة مطلوبة قطعا، فإن كل مصالحة تناقض ما أوجده هذا الواقع القائم لا تجدي شيئا. ولئن شقت قمة الدوحة بشأن الموقف مما يسمى الانقسام الفلسطيني طريقا، وخطت خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، فمتابعة الطريق هي التي تسمح بوصفها قمة تاريخية ناجحة، وسوى ذلك يجعلها "واحدة من قمم أربع" لم تنجح في تحقيق أحد التطلعات الفلسطينية والعربية والإسلامية الحاسمة في المستقبل المنظور.
2- حضرت منظمة المؤتمر الإسلامي القمة وحضر ممثلون عن دولتين إسلاميتين لهما أدوار إقليمية معروفة، وعن دولتين من أمريكا الجنوبية، وغابت جامعة الدول العربية حتى في شكل الحضور كمراقب وشاهد على "لقاء تشاوري"، وقضيةُ فلسطين تشهد مثلما تشهد المنطقة العربية والإسلامية ما يمكن وصفه بالظاهرة الإسلامية، كما يشهد العالم ما يمكن وصفه بثورة متمردة على الهيمنة الغربية المهترئة، وكان ذلك ظاهرا على المستوى الجماهيري أيضا من خلال تلاقي الشعارات واللافتات والمطالب والفعاليات المختلفة تحت عنوان نصرة الحق في الحرب العدوانية ضد قطاع غزة.
وإن الدول العربية التي تحرّكت بقمة الدوحة، تقف ما بين الرجوع إلى الوراء، أي إلى أسلوب التعامل العقيم على مدى عشرات السنين الماضية مع قضية فلسطين المحورية وقضايا أخرى، وبين خطوات أخرى في اتجاه طرح قضية فلسطين مجددا كما كانت، قضية جامعة على الأرضية الإسلامية، والأرضية القانونية الدولية، بمقاييس العقيدة والمصلحة والقيم الثابتة في المواثيق الدولية، انطلاقا من التعاون مع من يلتزم بهذه المقاييس، ومن ربط هذه الطرح بتوثيق أسباب التنسيق والتخطيط والعمل المشترك، فإن صنعت ذلك تجاوزت قيمتها "الوقتية" المرتبطة بالتعامل مع الحرب ضد قطاع غزة، إلى "قيمة دائمة" حول قضية فلسطين وحول مستقبل المنطقة وعلى صعيد العلاقات الدولية أيضا.
قمة شرم الشيخ
لا يمكن إدراج قمة شرم الشيخ ضمن القمم "العربية" بطبيعة الحال، فقد كانت قمة جمعت مصر والأردن وسلطة عباس، مع دول أوروبية والأمين العام للأمم المتحدة، بغياب أمريكي وإسرائيلي غير معتاد في قمم شرم الشيخ بالذات، والتي اكتسبت مع الزمن سمعة سيئة منذ قمة "مكافحة الإرهاب" عام 1996م، وهي التي أدرجت المقاومة الفلسطينية المشروعة بمختلف المقاييس ضد الاحتلال والاغتصاب، في قائمة الإرهاب وفق التعريف الأمريكي للكلمة.
حصيلة الحرب ضد غزة، وما رافقها من تنكر إسرائيلي وأمريكي للدور الرسمي المصري، هي التي دفعت إلى عقد تلك القمة في شرم الشيخ بين ليلة وضحاها، فاكتسبت واقعيا صفة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومن معالم ذلك:
1- أضعفت الحرب دور مصر الإقليمي، حتى تحوّل من محرك إلى "كابح" على المستوى العربي، ومن وسيط بين أطراف فلسطينية، إلى وسيط بين مقاومة وعدوان، ومن عنوانٍ يحتل المكانة الأولى أمريكيا، إلى عنوان جانبي مهمل فجأة رغم "منجزاته" الماضية. وعبّر بعض المعلقين على شاشة التلفاز عن الوضع الجديد الناشئ عن الاتفاق الأمريكي الإسرائيلي بشأن ما يسمى "تهريب السلاح" بأنه طعنة من الخلف ردت مصر الرسمية عليها بموقف كلامي ينتظر ليكسب قيمته أن يتحول إلى موقف عملي فاعل.
2- بتعبير آخر، الحديث الرسمي عن صمود المقاومة وبقائها، وعن العدوان الإسرائيلي وهمجيته، وعن المسؤولية الإسرائيلية في إسقاط المبادرة المصرية مكان تحميل "حماس" المسؤولية عن الحرب برمتها.. جميع ذلك رهن بالتحول الفعلي إلى دعم المقاومة، وليس هذا ما تشير إليه استضافة سلطة عباس والحفاظ على "المستوى الأمني" في التواصل مع المقاومة، واتخاذ إجراءات رسمية مصرية تجاه "العدوان" والتصريح بإدانته، ولكن مع استمرار العلاقات وتطويرها مع هذا "الطرف المعتدي"، وإنّ تبني الموقف العربي الصادر عن قمة الدوحة، بعد محاولة منع صدوره ثم إعلان رفضه، هو البديل المقبول وفق المعطيات الحالية إزاء إسقاط المبادرة المصرية إسرائيليا وأمريكيا.
3- تردد أن عقد قمة شرم الشيخ بمشاركة أوروبية مكثفة وبهذه الصورة المستعجلة، يستهدف حصول مصر الرسمية على سند أوروبي بديلا عن السند الأمريكي أو إلى جانبه، وعلى ذلك ملاحظتان، أولاهما أنه آن الأوان لمصر وسواها من البلدان العربية، أن يكون سندها الأول قائما على المصالحة مع الشعوب أولا، والنظام الرسمي العربي مع ترميمه وإصلاحه ثانيا، والعمق الإسلامي المديد جغرافيا وسياسيا ثالثا، وآنذاك يمكن أن تصبح العلاقات مع القوى الدولية علاقات مصلحية فعلا مع "أطراف أخرى"، والملاحظة الثانية هي عدم وجود فارق جذري يُذكر بين دولة أمريكية ودول أوروبية، لا سيما على صعيد قضية فلسطين وعلى صعيد العلاقات مع الدول العربية والإسلامية، وأن التأثير الفعال على السياسات الدولية لا يتحقق دون أن تكون للدول العربية والإسلامية قوتها الذاتية التي تستمدها من الشعوب أولا ومن تكتلها ثانيا.
4- في مواجهة حصيلة الحرب ضد غزة في إطار قضية فلسطين، تتخذ الدول الرئيسية من بين الدول الأوروبية المشاركة في قمة شرم الشيخ موقفا أساسيا هو الرغبة في تنفيذ ما يريده الاتفاق الإسرائيلي-الأمريكي حول ما أسموه "تهريب السلاح" إلى قطاع غزة، ويعني هذا بتعبير مباشر: العمل على خنق المقاومة بفلسطين، وسيان ما هي الغاية المصرية من عقد القمة، فإن هذا بالذات الهدف الأهم من المشاركة الأوروبية فيها، ولا يمكن اعتبار القمة منعطفا في السياسة المصرية على ضوء ما صدر قبلها من مواقف رسمية مصرية جديدة بشأن الحرب كما ورد آنفا، إلا إذا ظهر خلال الأسابيع والشهور القادمة، أن هذه المواقف الكلامية ستترجم إلى سياسات وممارسات عملية. أما المشاركة في حصار "السلاح" فتبقى كالمشاركة في "حصار التجويع"، مرفوضة جملة وتفصيلا، بمنطق المشروعية الدولية لميثاق الأمم المتحدة، وبمنطق المصلحة الفلسطينية والمصرية والعربية والإسلامية.
قمة الكويت
نجاح الجانب الاقتصادي والتنميوي في قمة الكويت بالغ الأهمية في مستقبل الواقع العربي، ولا قيمة له إذا ضاعت حصيلته نتيجة سياسات المحاور العربية والإقليمية، التي تخدم مصالح القوى الدولية على حساب مصالح الدول العربية والإسلامية، منفردة ومجتمعة.
ورغم أن قمة الكويت تنعقد في خضم "سَلَطة القمم" الأخيرة، ورغم ما سبقها من سجال علني يهدّد النظام الرسمي العربي بالتكفين بعد الانهيار، فانعقادها في خاتمة مسلسل القمم، وقبل انعقاد القمة العربية الدورية التالية بعد ثلاثة شهور، يجعلها فرصة أخيرة أمام أركان ما بقي من بنية هيكلية للنظام الرسمي العربي، تكاد تغيب معالمها كلية على ضوء الهوة الضخمة الفاصلة بينها وبين إرادة جماهيرية شعبية ظهرت أثناء الحرب ضد قطاع غزة بصورة غير مسبوقة، مع ظهور معالم جديدة تؤكد أنها "غضبة" لا بد أن تتمخض عن ميلاد جديد في المنطقة.
إنما يمكن لقمة الكويت أن تتحول إلى حاضنة ميلاد جديد للنظام الرسمي العربي قبل ميلاد نظام بديل عنه جماهيريا، ولا بد لذلك من خطوات أساسية توافرت معطياتها من وراء مأساوية الأحداث، وفوضوية التعامل الرسمي معها، ومن بين هذه المعطيات:
1- كان مؤتمر وزراء الخارجية العرب التمهيدي للقمة قد طرح في الكويت تبني "المبادرة المصرية" أو المصرية-الفرنسية على القمة، وسقطت المبادرة، وبقي بين يدي القمة ثلاثة عناوين "حصيلة قمة الدوحة" و"حصيلة قمة شرم الشيخ" وما يوصف بالقرار الكسيح الصادر عن مجلس الأمن الدولي تحت رقم 1860.
2- إن باستطاعة "القادة" أن يتولوا "قيادة الأمة" فعلا، بدلا من قيادة أقطارهم بعيدا عن نبض شعوبهم في متاهات سياسات المحاور الإقليمية والتبعيات الأجنبية، ولكن توجب القيادة القويمة أن يقترن ما ينتظر الاتفاق عليه اقتصاديا وتنميويا -إذا قام فعلا على أساس تغليب المصلحة العليا على ما سواها- باتفاق سياسي وأمني يثبت دعائم جديدة، تحتاج إلى مصالحات عديدة دون ريب، قد توجد قمة الكويت بعد كل ما سبقها أجواء مناسبة لها.
أما المطلوب كحد أدنى من قمة الكويت لتكون حدثا مفصليا على المستوى العربي والإسلامي ففي مقدمته:
1- توظيف حصيلة الصمود البطولي في قطاع غزة، لمنع مختلف أشكال الحصار عليه، وخرق كل محاولة صهيوأمريكية في هذا الاتجاه، في مختلف الميادين وبمختلف الوسائل، بصورة جماعية، عربية وإسلامية، بمشاركة من يريد من دول صديقة.
2- العودة بقضية فلسطين إلى مكانتها، على أساس ميثاق للمقاومة والتحرير، ومصالحة فلسطينية قائمة على عنصري المقاومة والتحرير.
3- عدم الاكتفاء بمشاريع الدعم الإنساني والمالي لقطاع غزة، والإقدام على مشاريع دعم دائم لقضية فلسطين وشعب فلسطين على طريق المقاومة والتحرير.
4- تحويل العمود الفقري للسياسات القطرية من واقعه الراهن القائم على محاور إقليمية وارتباطات أجنبية، إلى عمود فقري للتعاون والتكتل عربيا وإسلاميا، والتعامل مع القوى الدولية انطلاقا منه وليس العكس.
سيصدر عن قمة الكويت بيان جديد، وهذا منتظر من كل لقاء عادة، إنما لن تكون فقرات هذا البيان صالحة لاستهلاك إعلامي، فكل فقرة من فقراته، وكل كلمة من كلماته، أصبحت تحت أنوار كاشفة أمام الشعوب، ولم يعد في الإمكان امتصاص غضبة جماهيرية بصياغة تقليدية، إنما يمكن أن يكون للبيان محتوى فعلي، يجعله مصدر قوة، للنهوض، والبناء، ولاكتساب قوة ذاتية على مستوى الدول العربية والإسلامية نفسها، إذا ما حددت "الكلمات" نهجا للعمل، وتبعتها خطوات وإجراءات عملية، لتنفيذ ما يتم إقراره، وأدناه هو ما يترجم الأسس العامة المذكورة آنفا إلى آليات عملية ومواقف واضحة ومخططات تفصيلية.
آنذاك فقط يمكن القول إن قمة الكويت أزالت مخاوف من وصلوا إلى درجة اليأس من النظام الرسمي العربي، وأوجدت أسبابا مبدئية لاستعادة الأمل من جديد.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|