|
| هل تنجح المقاومة في إحباط خطط العدوان؟ |
إذا كان العدوان على غزة يستهدف المقاومة في فلسطين، وهو كذلك بطبيعة الحال، فما الذي يريد استهدافه منها تحديدا؟ وكيف سيُمارس ذلك؟ وإلى أي حد يمكنه بالفعل تحقيق الهدف من عدوانه؟ أو بكلمات أخرى ماذا يمكن للمقاومة أن تنجزه عبر تصديها لهذا العدوان ضمن موازين القوى القائمة على الأرض؟
لنوضح بداية المنطلق الصحيح في التحليل، إذ علينا أولا أن لا ننسى أن العدوان الإسرائيلي والهجمة الصهيونية لا تستهدف فلسطين على وجه الخصوص، أو حتى عرب دول الطوق المحيطة بفلسطين.. العدوان الصهيوني في النهاية موجه ويستهدف كل الأمة العربية بأرضها وبشعبها وبتراثها الحضاري.
الأمر الثاني: إن هذه المقاومة التي تمثلها الآن حركتا حماس والجهاد وغيرهما من الفصائل الفلسطينية، إنما تأتي امتدادا للحركة الوطنية التحريرية في فلسطين، فوضوح وبروز الكينونة الفلسطينية كان بمثابة إعلان على المسرح الدولي بأن هناك قضية تحرر.
هنا يجب أن يكون واضحا أن الثورة الفلسطينية عبر حركة "فتح" لم تكن تدَّعي أنها ستحرر فلسطين، كما يجب أن لا ننسى أيضا أن زعيم القومية العربية الراحل جمال عبد الناصر لم يكن يَدَّعي أنه سيحرر فلسطين، فقد كان يقول إن تحرير فلسطين هو مسئولية الحركة العربية الواحدة التي تتجاوز أي قطر عربي حتى لو كان مصر.
جاءت فتح لتقول إن الثورة فلسطينية الوجه غير أنها عربية العمق.. عندما تقول إنها فلسطينية الوجه كانت تؤكد بذلك على الهوية النضالية التحررية التي يمكن للعالم أن يفهمها.. جاءت أيضا لتؤكد أن التحدي الأساس هو تحدي تحرير فلسطين، ومن هنا رفعت شعار اللقاء على أرض المعركة وأن الأرض للسواعد الثورية التي تحررها، ومن هنا أيضا رفعت شعار أن الهوية الفلسطينية هي هوية نضالية، بمعنى أنها إرادة معنية بتحرير التراب الفلسطيني من الاحتلال الصهيوني وتحرّر الوطن العربي من الصهيونية.
سقوط الخيار العربي
تبنَّت حركة "فتح" نظرية التفجير المتسلسل التي كانت تنطلق من فرضية أن الأنظمة العربية إن كانت لا تستطيع أن تحرر فلسطين، فهي تستطيع أن تدافع عن حدودها، من هنا كان العمل الفدائي قبل 1967 يستهدف أمن الكيان الصهيوني وضربه عسكريا، مؤمِّلا أنه من خلال رد الفعل الصهيوني على هذا الضرب ومن ثم رد الفعل الفدائي على رد الفعل الصهيوني وهكذا، يمكن فرض مناخ مواجهة على الأنظمة العربية، وبالتالي توجيه الإرادات الرسمية بالأنظمة العربية إلى ضرورة بناء اقتصاد ومجتمع عسكري بجانبيه المدني والعسكري يكون قادرا على تعبئة الطاقات والجهود العربية باتجاه التحرير.
هذا التصور يعتمد على كون الكيان الصهيوني مبنيا على فكرة التعبئة العامة أثناء القتال، ولذا لا يستطيع أن يخوض حروبا طويلة شاملة؛ لأن هذا يقتضي منه استنفار كل الاحتياط، وبالتالي تعطيل قواه الإنتاجية، وبمعنى آخر فإن إجبار الكيان الصهيوني على الاستنفار العسكري المستمر سيؤدي في نهاية المطاف إلى انهياره، لكن بعد حرب 67 اكتشف مؤسسو فتح خطأ فرضية قدرة الدول العربية على الدفاع عن حدودها، وهذا أدى إلى أن يرى عدد من أبرز مؤسسي فتح الذين تركوا الحركة (كعادل عبد الكريم وعبد الله الدنان) أن منهج العمل المسلح ضمن نظرية التفجير المتسلسل لن يؤتي ثماره.
لكن استمرت المسيرة، فغالبية أبناء فتح واصلوا العمل المسلح، وكانت الثمار هي الاعتراف بالهوية الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني من قبل المجتمع الدولي، لكن دون أن توفق الثورة أو غيرها من قوى التحرر العربي في أن تنجز هدف عسكرة الأمة باتجاه التحرير.
مرَّت الثورة الفلسطينية بعد ذلك بحالات جزر، وخرجت من الأردن، ثم خرجت من لبنان، ثم جاءت على كفِّ الانتفاضة ورغما عنها: أي على جسدها، إلى أوسلو، لتدخل في مرحلة جديدة تشكل مقامرة تعمل على إنجاز تسوية لا تستند على الحقوق الوطنية أو حتى الشرعية الدولية، وإنما تسوية تنطلق من ادعائها غير الصحيح بأنها نبذت "الإرهاب"، وعدم الصحة هنا هو في أن تتخلى عن النضال المسلح الذي يكفله لها القانون الدولي، وأن ترتضي (وإن مكرهة) بأن تنعته بصفة الإرهاب.
أوسلو وقفل الملف
عبر أوسلو دخلت الثورة الفلسطينية منعطفا جديدا؛ فنتيجة أوسلو حصل شرخ.. ليس شرخا أفقيا، وإنما شرخ عمودي في الوحدة الوطنية للنضال من أجل فلسطين؛ بمعنى أنه إذا اعتبرنا الوحدة الوطنية التفاف غالبية الشعب حول القيادة الوطنية فإن هذا ما افتقدته قيادة العمل الوطني الفلسطيني بعد أوسلو، فأصبح عندنا قيادة بأكثر من رأس، حيث ظهرت حماس والجهاد والجبهة الشعبية كتعبير عن رفض للمسار الأوسلوي باعتباره الخطر الأكبر لأنه يمكن أن ينتج عنه إغلاق الملف الفلسطيني، بمعنى بسط إدارة فلسطينية على جزء من أرض فلسطين، لكن على حساب تنازل فلسطيني عن حق عرب فلسطين في العودة إليها، وبالتالي القبول عمليا بشرعية الكيان الصهيوني واستمراريته في الوطن العربي.
هذا هو الخطر الأكبر الذي مثّله اتفاق أوسلو، لأنه شكّل عمليّا توجها لقفل ملف قضية فلسطين، ومن هنا فإن الدور الأساس الذي على حركة المقاومة بمختلف فصائلها أن تضطلع به الآن هو عدم السماح بقفل الملف الفلسطيني فيما إذا أدَّى المسار الدبلوماسي أو السياسي الذي تسير فيه السلطة الفلسطينية بقيادة "فتح" إلى القبول بقفل الملف الفلسطيني صراحة أو ضمنيا، وهو خطر قائم بسبب موازين القوى، وبسبب السقف الذي يتم التفاوض على أساسه، وبسبب طبيعة المواقف الدولية الراهنة، فلسطينية كانت أو عربية أو دولية.
إذن يجب أن نقيم المهام التي يجب على حركات المقاومة، وعلى رأسها حماس، أن تقوم بها الآن لتنجح في عدم السماح بقفل الملف الفلسطيني.. في تصوري الآن الكل في الساحة الدولية يترقب المواقف التي ستتخذها الإدارة الأمريكية الجديدة إزاء الأزمات الدولية، ومن جملتها مشكلة الصراع العربي / الصهيوني.. من ناحية أخرى حصل شيء في حرب تموز بلبنان، فبعد الصمود المشرف والعظيم للمقاومة العربية في لبنان بقيادة حزب الله، اضطرت هذه المقاومة إلى قبول تدخل القوى المختلفة فارضة حالة من وقف إطلاق النار في ظل وجود قوى دولية عديدها بالآلاف، الشيء الذي أفرز مساحة عازلة بين حدود فلسطين ولبنان، بحيث أصبح من غير المقبول من المقاومة اللبنانية أن تمارس المواجهة العسكرية ضد الكيان الصهيوني، ما لم يقم هذا الكيان بهجوم مباشر جديد يستهدف الأرض اللبنانية.
الاشتباك مستمر
لكن بالنسبة لفلسطين لا يصح إلا أن يكون هناك اشتباك مستمر؛ لأنه لا يصح أن نسمح بإقفال الملف الفلسطيني.. المشكل الذي نواجهه هو أن إمكانية حدوث سيناريو مشابه للسيناريو الذي حدث في لبنان قد يهدد الملف الفلسطيني بالكامل، ولعقد كامل على الأقل؛ لأنه كما نلحظ الآن الجبهة اللبنانية جبهة هادئة.. إذا تكرر هذا الموضوع بنفس هذا الإطار فمعناه تجميد الجبهة الفلسطينية لمدة غير قصيرة قد تطول سنوات وسنوات، وهذا معناه في النهاية تعليق قضية اللاجئين وموضوع حق العودة وموضوع الهوية العربية لفلسطين والفتك بها بشكل مرحلي حاسم، ونقول مرحلي؛ لأنه لا يمكن قفل الملف في فلسطين إلا بطي الوجود العربي ذاته تحت الهيمنة الصهيونية، وهو ما لا نراه ممكن الاستمرار - إن حدث - إلا مرحليا.. وكل هذه الأمور واردة.
من هنا خطورة أن يتكرر السيناريو الذي حدث في لبنان في فلسطين أو في قطاع غزة على وجه التحديد، وهذا متوقع في حالة إذا ما تمكن عرب غزة من أن يمضوا قدما في حياتهم المعيشية، بعيدا عن شكل المواجهة الساخنة ضد المخطط الصهيوني، كأن توفر معابر آمنة ويُفك الحصار في مقابل ضمان كامل لوقف إطلاق النَّار، ووقف أية حالة من حالات الاشتباك العربي الفلسطيني ضد الصهاينة، وذلك بضمان ترتيبات معينة، كأن تكون هناك قوات دولية، وسمعنا مؤخرا أن الأتراك مستعدون – إذا كان هذا هو المطلوب - للعمل على توفير قوات دولية في غزة.
هذا يتطلب منا أن ندرك أن عملية المواجهة العربية الصهيونية ليست عملية تحددها فقط متطلبات المواجهة نظريا، كأن يتحرك الشارع مثلا؛ لأن الشعوب والعملية النضالية لا تتم بقرارات معينة أو بأزرار معينة يمكن الضغط عليها لتتحرك.. هذا كله في حاجة إلى أفق سياسي معين ينبني عليه جهد مؤسساتي طويل النفس يحشد عناصر القوة والمواجهة والتعبئة، ونلاحظ أن هذا لم يتوفر حتى لحزب الله في حرب عام 2006، فبرغم وجود قيادة ذكية ذات حنكة، فلم يستطع الحزب أن يُحدث التعبئة المطلوبة بالرغم من قدرته على الصمود لأيام طويلة أمام الآلة العسكرية الجبارة الصهيونية، ولم يستطع أن يعبئ كل لبنان وراءه، ناهيك عن تعبئة الأمة العربية، وهنا لا نعني بالتعبئة تعبئة المشاعر ومواقف التأييد، بل تعبئة القوى والطاقات المادية إلى جانب تلك المعنوية، وبما يغير موازين القوى على الأرض لصالح قوى التحرر العربي.
العواطف لا تغير واقعا
والآن نحن في وضع مشابه، الكل في عواطفه مع أهلنا في غزة، لكن هذا في النهاية لا يحدث التغيير، فنحن في حاجة إلى شيء آخر غير الأسلوب الارتجالي، شيء يتجاوز التعامل مع التحديات في إطار إمكانيات اللحظة.
فالتساؤل الآن كيف يمكن أن نعوِّل على صمود أهلنا في غزَّة؟ الشيء الأساسي والمهم هو أن لا تؤدي أحداث غزة ومجازر غزة إلى قفل الملف الفلسطيني أولا أو تجميده ثانيا، وأنا على يقين أن صلابة إخوتنا في حركة المقاومة، سواء في حماس أو الجهاد أو في فتح أو في غيرها، لن تمكن لهذا القفل أن يحدث، لأن قفل الملف الفلسطيني يعني قبول تسوية نهائية مع العدو الصهيوني، ونحن لا نستطيع أن نؤمن بإمكانية قفل الملف الفلسطيني حتى لو تم قبول أي طرف معين، لأن قفل الملف ليس بإرادة من يقود الشارع الفلسطيني الآن وإنما هو رهن إرادة الشعب العربي في فلسطين وخارجها، الآن وغدا وبعد غد.
نحن على يقين أن هذا الصمود وهذه الصلابة التي يتحلى بها إخواننا ومناضلونا وأهلنا لن تسمح على اليقين بقفل الملف؛ لأن قفل الملف ولو بصفة شكلية أو إعلامية يقتضي تصفية الوجود المقاوم في غزة، وهذا في تصوري غير ممكن من الناحية العسكرية ولا من الناحية الديموغرافية؛ لأن كل فلسطيني مقاوم وكل قطاع غزة مقاومة؛ وأيضا لأن عملية تصفية الوجود المقاوم في غزة غير متيسرة في ظل طبيعة غزة وازدحامها الشديد؛ لأن هذا يتطلب أيضا عمليا تدمير غزة كلها وليس بيوتها فقط، بل تدمير كل حجر يقوم على حجر آخر، وفي تصوري هذا غير ممكن.
الآن السؤال هو هل يمكن أن يحدث في غزة ما حدث في لبنان؟ أخشى ما أخشاه أن يتحول قطاع غزة إلى كانتون جديد له معابر مفتوحة، لكنه عاجز وغير مقبول منه ممارسة أي سلوك مقاوم إلا على المستوى اللفظي، وهذا إذا تحقق لن يعني قفل الملف، لكن سيعني تجميد الملف، وهو احتمال كبير، أما عدم تحقيقه فهو احتمال ضعيف جدا؛ لأنه في النهاية لا يصح أن نتجاهل موازين القوى.. أنا أدرك أن ميزان القوة الأساسي هو الإرادة، فإرادة شعبنا العربي في فلسطين عبر حركة حماس وغير حماس هي إرادة مستمرة وثابتة على المدى الطويل، وأن تحرير فلسطين قادم لا محالة، لكن نحن نتكلم الآن عن السنة والسنتين والسنوات الخمس القادمة، ونحن نعرف أنه عندما تضرب قيادة وطنية فنحن نحتاج إلى مدى زمني حتى تنهض مرة أخرى، هكذا بعد 1948 احتجنا لأكثر من عقد من الزمان حتى تظهر الثورة الفلسطينية، ثم ظهرت الانتفاضة وهكذا.
فصل السياسي والمقاوم
فالسؤال الآن ما هي الدروس التي يجب أن نستخلصها مما حدث طالما أن الأمور هي بين تجميد الملف وقفله، وبين شيء آخر نتمنى أن يحدث، يمد حالة الاشتباك بشرعية صلبة ويوفر لها الظروف الموضوعية التي تسمح باستمرار الاشتباك مع العدو الصهيوني وتصاعده؟
نحن لاحظنا كيف أدى دخول حركة حماس للسلطة الوطنية الفلسطينية إلى إيقاف أو تجميد حالة الاشتباك المقاوم المسلح ضد العدو الصهيوني لفترة، إلى حدود ما حصل من صدام عسكري بينها وبين قيادة السلطة في رام الله، هذا كله يجعلنا نستخلص قضية أساسية وهي أنه لا يصح المطابقة الكاملة بين المؤسسة النضالية العسكرية (الثورية) وبين المؤسسة النضالية السياسية التي تمارس دبلوماسية التحرر، فيجب أن يكون هناك نوع من الاستقلالية لكل طرف عن الآخر، وخاصة في الظروف التي نعيشها نحن الآن.. بمعنى آخر لا بد أن يكون هناك وجود مستقل لإرادة المقاومة يسمح بأن تكون خارج التأثير المباشر والمدمر من التوازنات الدولية.
وأرجو ملاحظة أن الثورة الفلسطينية ارتكبت خطأ كبيرا في 1968 عندما دخلت منظمة التحرير الفلسطينية، حيث كان يجب أن تبقى "فتح" في منأى عن إكراهات السلطة، وكانت تستطيع أن تحدد من هي القوى والشخصيات التي من الممكن أن تسيِّر منظمة التحرير الفلسطينية.. الاتحادات المهنية، ونقابات العمال ومجالس تمثيلية للمخيمات وأماكن التجمع الفلسطيني، هذا كله كان من الممكن لفتح كتيار أن يكون متواجدا بينها، وتستمر المقاومة الفلسطينية كثورة لا تُعرّض للضغوط التي تعرضت لها في 1987 عندما عجزت مؤسسة الثورة الفلسطينية عن مواجهة التحديات القائمة، إلى أن جاء الحل والمدد من جنود الانتفاضة في الشعب في الضفة وغزة وبأرض الصمود في 1948، فكان هو القوة التي دفعت العدو الصهيوني إلى نصب فخ اتفاقية أوسلو.
وقد ضُربت الانتفاضة عندما قررت القيادة الفلسطينية أن تحول الانتفاضة إلى مجموعات وشلل تابعة لها، فأي حديث إلى دعوة الشعب الفلسطيني للانتفاضة هو كلام يجهل طبيعة الانتفاضة، فالانتفاضة لا يمكن أن تحقق من خلال وصاية أي قيادة عليها، إن الانتفاضة هي فعل شعبي ذاتي رسالي يعتمد على إمكاناته الذاتية، حتى أنها ليست فعلا جماهيريا، من هنا كان الخطأ الآخر لقيادة الثورة الفلسطينية حين حوَّلت الانتفاضة إلى جماعات تحت وصاية مؤسسات القيادة الفلسطينية، ولا أقول مؤسسات الثورة الفلسطينية.
انتفاضة بدم صناعي
وهكذا بدل أن تستمر الانتفاضة بإمكاناتها الذاتية أصبحت قائمة بضخ دم صناعي ودعم خارجي من خلال التمويل المالي، وبعدما كان يُعطى المال للانتفاضة من أجل التحرك، أصبح تمويلها مجالا للتحكم فيها وفي وجهة تحركاتها، فانحرفت وفُرغت من روحها، وقد كان هذا التفريغ تعبيرا عن التداخل الذي حصل بين المؤسسة التي تُقاوم والمؤسسة المفاوضة.. لقد كان من الواجب دائما الحفاظ على إرادة المقاومة، وبطبيعة الحال كان من الطبيعي للثورة الفلسطينية أن تفاوض مثلها في ذلك مثل الثورة الفيتنامية، حين كان الفيتناميون يُقاومون وهوشي منه يُفاوض، ولم يسجل عنه في أي وقت من الأوقات رغبته في وقف المقاومة.
القصد هو ضمان استمرار المقاومة إلى أن تحقق أهدافها.. وفي كثير من الأحيان عندما تُدمج بين الإرادتين تهيمن الإرادة المفاوضة على الإرادة المقاومة، وقد وعى المقاومون المغاربة مثلا هذا الأمر بالفطرة، فحينما كان يعتقل أحد المقاومين كان يبلع حبة السيانيد خوفا من الاعتراف تحت ضغط التعذيب، وهذا المثال هو دلالة رمزية على المقصود من عدم الجمع بين الأمرين، هذا لا يعني أن لا يكون هناك تنسيق، ولكن لا يصح أن تتحرك المقاومة تحت جناح المفاوض، ولا يصح رهن جهاز مقاوم بوضع المفاوض الذي لا يستطيع أن يتحدى.
ومن هنا، في تصوري أن المرحلة القادمة من مواجهة العدو الصهيوني لا يصح أن تتم فقط من خلال المواجهة على الصعيد العنفي المسلح فقط، بل لا بد أن تأخذ في الاعتبار أن موازين القوى وطبيعة المعركة تقتضي تعبئة طاقاتنا ومقدراتنا على المستوى العربي ككل، لأن أي مواجهة لا تأخذ في عين الاعتبار ضرورة ومتطلبات مثل هذه التعبئة تكون مواجهة محاطة بكثير من المخاطر، ولا توظف الإدراك المطلوب لطبيعة المعركة ولمتطلباتها على الصعيدين الدولي والإقليمي.. وهو ما يتطلب في واقع الحال إحياء وإعادة بناء النظام الإقليمي العربي على أسس جديدة وبمنطلقات أمنية إستراتيجية تعيد صياغة موازين القوى الفاعلة على الإقليم العربي برمته.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالمغرب، ومدير مركز الدراسات والأبحاث بمؤسسة خالد الحسن.
*نص مختصر لكلمة ألقاها د. سعيد الحسن في ندوة نظمها مركز الدراسات والأبحاث بمؤسسة خالد الحسن بالمغرب لتدارس العدوان الإسرائيلي على غزة وتداعياته المحتملة.
|