|
| خالد مشعل لدى حضوره قمة الدوحة |
"إنها معركة سياسية تشهدها المنطقة الآن بين معسكرين: أحدهما اختار الاصطفاف وراء المقاومة ودعمها، والآخر فضل الانخراط في المشروع الأمريكي وبما يتوافق مع متطلبات الأمن الإسرائيلي".. هكذا شخص الدكتور جواد الحمد، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بالأردن، طبيعة التطورات التي تشهدها المنطقة العربية في الوقت الراهن على خلفية العدوان الإسرائيلي على غزة.
فقد أظهرت قمة الدوحة حجم الانقسامات التي يعاني منها النظام الرسمي العربي؛ حيث غاب عن القمة العديد من الدول العربية، من بينها مصر والسعودية، إلى جانب السجالات الإعلامية بين المسئولين العرب وبعضهم البعض.
واعتبر الحمد، في حوار خاص مع إسلام أون لاين، أن "قمة غزة" التي شهدتها الدوحة قد أنتجت واقعا جديدا، "حيث انضمت فئة جديدة من الدول العربية إلى المقاومة ومعسكر الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني والأمة العربية".
وأرجع هذه الاصطفاف الذي تشهده المنطقة إلى "الانتصار" الذي حققته المقاومة في مواجهتها مع الجيش الإسرائيلي، سواء على المستوى العسكري أو الإعلامي، وفي ضوء الفشل الإستخباراتي الإسرائيلي؛ حيث لم تنجح إسرائيل في تحقيق أي من أهدافها.
وفيما يلي نص الحوار
* لعلنا لم نشهد منذ وقت طويل مثل هذا الانقسام العربي حول حدث يتعلق بفلسطين، عنوانه هذه المرة حرب إسرائيلية وحشية على قطاع غزة.. ما تفسيركم لهذه المعركة السياسية العربية، وما هو موقع غزة فيها؟
المعركة السياسية التي تدور الآن بين دول المنطقة هي أحد أبعاد الحرب على غزة، فهذه الحرب كان لها أربعة محور رئيسية:-
أولا: المعركة العسكرية، وتمت على مرحلتين؛ الضربات الجوية ثم التوغل البري، وحققت المقاومة في هاتين المرحلتين انتصارات ساحقة على إسرائيل، حيث لم تتمكن إسرائيل من تحقيق أي من أهدافها التي وضعتها لهذه الحرب، فقد استمر إطلاق الصواريخ، ولم تستطع إسرائيل إيقافها، كما أن قوة المقاومة من حيث العتاد والرجال لم تتأثر، فالخسائر التي لحقت بالمقاومة كانت قليلة، رغم العدد الكبير من المدنيين الذين استشهدوا، ولا يعتبر هذا العدد من القتلى مكسبا عسكريا بأي مقياس من المقاييس.
ويتعلق المحور الثاني بالمعركة الإعلامية: حيث خاضت إسرائيل معركة إعلامية ضخمة جدا، جندت لها مئات الملايين من الدولارات، ومئات الآلاف من الأفراد، سواء داخل إسرائيل أو خارجها، وهذه الأرقام دقيقة وليست بناء على مجرد تصورات، وعملت هذه الحملات الإعلامية على ترويج مجموعة من الافتراءات هدفها تحميل حماس مسئولية ما يحدث لغزة، والتمهيد لتسليم السلطة في غزة إلى الرئيس "السابق" محمود عباس بالتنسيق مع دول عربية.
ولكن لم تنجح إسرائيل عبر هذه الحملات في خداع العالم، فمع تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة، بدأ الرأي العام العالمي يمارس ضغطا كبيرا على إسرائيل، في أوروبا وأمريكا الجنوبية، وجنوب إفريقيا، وغيرها من الدول، ومن ثم شعرت إسرائيل بأن العالم يقف ضدها ويتهمها بارتكاب جرائم حرب، بل لقد أطلق على ما تفعله إسرائيل في غزة "محرقة"، تشبيها بما فعله هتلر مع اليهود.
وبالتالي نجحت المقاومة في كسب هذه المعركة، سواء على الصعيد العربي أو الإسلامي أو العالمي.
أما المحور الثالث: فيتمثل في المعركة الإستخباراتية الأمنية؛ حيث كانت المعلومات الإستخباراتية أحد أسس عدوان إسرائيل على غزة، ولكن ثبت لدى المحللين العسكريين أن هذه المعلومات غير دقيقة، وتجلى ذلك في أمرين:
الأول: أن إسرائيل التي روجت كثيرا لفكرة الصدمة الأولى التي أحدثتها لحركة حماس نتيجة العدوان المفاجئ، قد فوجئت بأن هذه الصدمة قد فقدت قيمتها بعد وقت قصير؛ حيث بدأت أعمال المقاومة في ثاني يوم من أيام العدوان مباشرة.
ويتعلق الأمر الثاني: بالحرب البرية، فإسرائيل هي من فوجئ بفعالية المقاومة، كما قال الجنود الإسرائيليون أنفسهم، حيث قال أحدهم، للرئيس الإسرائيلي بيريز عندما كان يزوره في أحد المستشفيات: "وجدنا كتلا من النيران تشتعل في دباباتنا".
وبالإضافة إلى ذلك فقد قتل وجرح أكثر من 50 إسرائيليا، وتم تدمير ما يقرب من 16 دبابة، إلى جانب عشرات الدبابات كانت تسحب سحبا من المعركة، علاوة على انسحاب القوات الإسرائيلية إلى مواقعها السابقة بعيدا عن الأحياء السكنية، لمسافة تبعد من 2- 3 كم عن حدود مدينة غزة.
ويتعلق المحور الرابع بالمعركة السياسية: فمع فشل إسرائيل في المعارك الثلاثة السابقة، بدأت في خوض معركة سياسية تسعى من خلالها إلى تكوين تحالفات دولية وإقليمية هدفها تحقيق ما لم تستطع تحقيقه عسكريا وإعلاميا وإستخباراتيا، والترويج بأن الخاسر هو شعب غزة، وكأنه لا توجد علاقة بين شعب غزة والمقاومة، وكأن من قتلوا ودمرت بيوتهم ليسوا من أبناء المقاومة، فالمقاومة والشعب هما شيء واحد، فابن الشيخ نزار ريان كان مرابطا على الجبهة ورفض الذهاب لتشييع جثة والده عندما علم باستشهاده، وعلل ذلك بأنه تنفيذ لوصية والده.
وفي سياق هذه المعركة السياسية، كرست قمة الدوحة واقعا جديدا على المستوى العربي؛ حيث انضمت فئة جديدة من الدول إلى المقاومة ومعسكر الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني والأمة العربية.
فقد أنتجت قمة الدوحة فرزا إقليميا بين 9 دول انضمت للمقاومة، مقابل ثلاث دول فقط رفضت ذلك، ولأول مرة يكون هناك من الدول العربية من يحمل مطالب المقاومة والشارع العربي إلى القمة العربية، ففي السابق، كانت القمم تهتم بكيفية التنفيس عن الشارع العربي، والتآمر على المقاومة، أما هذه القمة فقد عبرت عن المقاومة والشارع العربي.
وتأتي المبادرة التي طرحتها مصر كجزء من هذه المعركة السياسية، وحماس تجاوبت معها بإيجابية، لكن أدخلت عليها بعض التعديلات من شأنها أن ترسخ من انتصار المقاومة، ومن ثم لجأت إسرائيل إلى التهديد بأساليب جديدة مثل توقيع اتفاق مع أمريكا لمنع تهريب الأسلحة إلى غزة مستقبلا، ومثل وقف إطلاق النار من جانب واحد، وهذا حل غير مجد؛ لأن وقف إطلاق النار من جانب واحد مع بقاء القوات الإسرائيلية في قطاع غزة، لن يوقف من حدوث عمليات المقاومة؛ حيث ستستمر المقاومة في قصف الدبابات واستهداف الجنود الإسرائيليين، وبعبارة أخرى فالمقاومة هي مقاومة ضد الاحتلال، وإذا ما ظل الاحتلال موجودا فستستمر المقاومة.
* ولكن هل هناك علاقة بين هذا الفرز الذي ذكرتموه وبين عدم حضور أطراف عربية مركزية قمة الدوحة؟
مع بداية العدوان الإسرائيلي كان هناك رهان عربي على إنهاء موضوع المقاومة وحماس وعودة أبو مازن وفريقه الضعيف والمستسلم تحت شعار الواقعية، لكن المؤشرات الأولية للمواجهة بين إسرائيل وحماس أثبتت أن المقاومة انتصرت، ومن ثم رأى بعض العقلاء في الحكومات العربية ضرورة الاصطفاف مع الطرف المنتصر.
أما المعسكر الآخر من الدول العربية فمتورط في المشروع الأمريكي، ويفضل البقاء مع هذا المشروع وإن كان مهزوما، مع سعيه إلى تفريغ انتصار المقاومة من محتواه؛ حيث هناك محاولات جارية لتحقيق ذلك في القمة المقبلة في الكويت، ويصب الاتفاق الأمني الذي وقع في واشنطن بين إسرائيل والولايات المتحدة في هذا الاتجاه.
* في ضوء هذا الفرز الجديد الذي أنتجته الحرب على غزة، هل تنجح قمة الكويت الاقتصادية في رأب بعض الصدع الذي أصاب النظام العربي في مجموعه؟
من حيث المبدأ فإن الطرف الذي أراد أن يصطف مع المنتصر (المقاومة) كان واضحا، فقد اجتمع واتخذ مجموعة من القرارات تصب كلها في تبني المقاومة ودعمها، وتحميل إسرائيل المسئولية، ومن ثم كان هذا الطرف شجاعا، إلى جانب أنه يحضر الآن لقمة الكويت، وسيحمل التوصيات التي خرج بها إليها.
أما المعسكر الآخر، فقد كان خائفا من حضور قمة الدوحة، حتى لا تخرج بقرارات لا يستطيع تنفيذها، وسيواجه هذا المعسكر في الكويت ضغطا كبيرا، ولكن يبقى التساؤل هل سيتسلح هذا الطرف بالمقاومة ويصطف مع الموقف العربي، أم أنه سيظل شاذا ونشازا، ويستمر في مراهنته على سقوط المقاومة؟؟.
وأظن أن كلا من حكومة الكويت وأميرها سوف يلعبان دورا في هذا الاتجاه، فالقمة تستطيع أن تتبنى توصيات قمة الدوحة، وأن تضيف لها بعض آراء المعسكر الآخر، وقد يتطرق لهذا أمير الكويت في كلمته الافتتاحية.
وإذا لم تنجح الكويت في تحقيق ذلك، سيتكرس الانقسام العربي إلى محورين: أحدهما يتحالف مع تركيا وإيران، وآخر مع أمريكا بالتوافق مع متطلبات الأمن الإسرائيلي.
* هل تعتقدون أن إدارة أوباما الجديدة ستأخذ هذه المعطيات الجديدة في المنطقة محل نظر، إذا ما قررت السعي للتوصل لحل ما للصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟
لم يأت اليوم الذي تسعى فيه أمريكا إلى توحيد العرب، فسياسة أمريكا كانت قائمة دائما على تقسيم العرب والتفرقة بينهم على أساس مبدأ "فرق تسد"، ولكن إذا تمكن العرب يوم الإثنين (موعد القمة الاقتصادية في الكويت) من الاتفاق على مشروع واحد، يستند على دعم الشارع العربي، والانتصار الذي حققته المقاومة على الأرض، وهزيمة إسرائيل، فلن تجد الولايات المتحدة مناصا من الضغط على إسرائيل، خاصة أنها قد قدمت لها ضمانات أمنية، ولكن إذا استمرت إدارة أوباما على نهج الإدارة السابقة وأصابها العمى فلن يحدث شيء.
|