English

 

الخميس. يناير. 15, 2009

نماء » قضايا اقتصادية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الأزمة المالية ذخيرة سلاح المقاطعة

ممدوح الولي

Image

ما إن تقع أحداث في فلسطين حتى تطرح على الفور أهمية استخدام الدول العربية لسلاح النفط للضغط على الدول الأوربية المناصرة لإسرائيل.. وإلى جانب هذا النداء المتجدد طالب البعض خلال الأحداث الأخيرة في غزة بضرورة سحب الفوائض المالية العربية من الدول الأوروبية.

ولكن الذين طالبوا باستخدام هذين السلاحين نسوا أن الأزمة المالية أفقدتهما فاعليتهما، في حين أنها يمكن أن تصبح ذخيرة حية لسلاح آخر اسمه المقاطعة.

وحتى تتضح الصورة بشكل أفضل، نتناول مدى فاعلية كل سلاح على حدة، ولنبدأ بالنفط، حيث بلغ نصيب العرب من الإنتاج الدولي منه حوالي 26.1% عام 2007 ، إلى جانب نسبة 13.1% من الغاز الطبيعي المسوق دوليا بنفس العام. كما أن نصيبهم من الصادرات الدولية للبترول والغاز يزيد إلى 37% للبترول الخام و18% لصادرات الغاز.

لكن التوقيت الحالي يشير إلى عدة مصاعب تواجه إمكانية نجاح استخدام هذا السلاح، أولها أن الشركات المنتجة في غالبية الدول العربية هي شركات حكومية.

وأثبتت أحداث تداعيات أسعار البترول خلال النصف الأول من العام الماضي مدى تأثير دول الغرب على تلك الحكومات في قرارات الإنتاج، حيث قاموا بزيادة الإنتاج، مما ترتب عليه مع أسباب أخرى تراجع الأسعار بمعدل كبير، وهو ما دفعهم مرة أخرى لتخفيض الإنتاج في الربع الأخير من العام الماضي، لكن الأسواق لم تستجب ومازالت الأسعار متدنية.

وأعلنت السعودية -وهي المنتج الأكبر عالميا للبترول والمهيمنة على قرارات أوبك- أنها لن تستخدم البترول في الضغط على الغرب لموقفهم تجاه غزة.

فالدول العربية البارزة في إنتاجه تعتمد عليه بدرجة كبيرة في حصيلة موازين مدفوعاتها وإيرادات موازناتها، حتى أنه في ظل أسعاره المنخفضة سوف تشهد موازنات غالبيتها عجزا خلال العام الحالي.

وتظل آثار الأزمة المالية الانكماشية على اقتصادات الدول الغربية دافعة لتراجع الطلب عليه مما يزيد من صعوبة استخدامه في سوق يتراجع استهلاكه.

تنويع الواردات البترولية

ومن الأسباب الأخرى لعدم فاعليته هو اتجاه دول الغرب لتنويع وارداتها البترولية حتى لا تقع تحت رحمة الدول المنتجة.

فأمريكا مثلا تستورد احتياجاتها البترولية من أكثر من 50 بلدا، ويشير التوزيع النسبي لقيمة وارداتها من الوقود عام 2007 إلى استحواذ وارداتها من كندا والمكسيك على نسبة 31% من الإجمالي، تليها الواردات من دول إفريقية بنسبة 21%، ثم من دول جنوب ووسط أمريكا بنسبة 18%، وفي المرتبة الرابعة تجيء وارداتها من دول الشرق الأوسط بنسبة 4.14% من الإجمالي.

ونفس الصورة لواردات الاتحاد الأوربي بنفس العام، والتي جاءت نسبة 41% منها من دول أوروبية، و28% من دول الاتحاد السوفيتي السابق، و13% من دول إفريقية، وجاءت في المرتبة الرابعة دول الشرق الأوسط بنسبة 2.9%.

الفوائض بلا فاعلية

أما السلاح الثاني وهو الفوائض العربية بالخارج، فمن المعروف أنها تضررت بشكل كبير نتيجة الأزمة المالية في ظل خسائرها بالبورصات الدولية وصناديق الاستثمار والمؤسسات المالية والبنوك التي انهارت.

وقبل أحداث غزة فإن جانبا منها اتجه إلى دول آسيوية لأسباب تتعلق بتراجع العوائد بالغرب، حيث أصبحت الفائدة على الدولار ربعا بالمائة وعلى الإسترليني 1.5% واليورو 2.5%، وهي نسب مرشحة للتراجع خلال الأسابيع القادمة.

كما عاد جانب من تلك الاستثمارات العربية بالخارج  لمساندة البورصات الخليجية التي شهدت انخفاضات قاسية بالعام الماضي، بلغت نسبتها 72% ببورصة دبي، و65.5% بالسعودية، 47.5% بأبو ظبي، 40% بسلطنة عمان، 38% بالكويت، 28% بقطر.

كما يجب الأخذ في الاعتبار أن جانبا كبيرا من تلك الفوائض يخص صناديق سيادية حكومية لا تخلو قراراتها الاستثمارية من ضغوط سياسية غربية.

الوقت ملائم للمقاطعة

وإذا كانت الأزمة المالية، إضافة إلى الحسابات السياسية قد أبطلتا مفعول السلاحين السابقين، فإن سلاح المقاطعة، على العكس تماما تمثل الأزمة ذخيرته الحية، كما أن قرار البدء في استخدامه بيد المواطن لا الحكومة.

فالواردات العربية السلعية بلغ مجملها 506 مليارات دولار عام 2007، منها 183 مليار دولار من دول الاتحاد الأوروبي، و46.7 مليار دولار من الولايات المتحدة، وقد يتساءل البعض: وماذا تؤثر تلك الواردات مع إجمالي واردات دول العالم من الاتحاد الأوروبي والتي بلغت قيمتها 5.574 تريليونات دولار، والواردات من أمريكا والتي بلغت 2.020 تريليون دولار؟

الإجابة أن التوقيت الحالي يخدم استخدام تلك الأداة، حيث تمر تلك الاقتصاديات بمرحلة انكماش بدأت خلال الربع الثاني من العام الماضي بدول اليورو الـ15، كما دخل الاقتصاد الأمريكي في ركود منذ ديسمبر 2007، وتزداد حدة الانكماش بتلك الاقتصاديات، حيث يتوقع استمراره خلال العام الحالي واشتداد الأزمة خلال النصف الأول منه، كما تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والتي تضم الاقتصاديات المتقدمة الثلاثين استمرار الأزمة حتى منتصف عام 2010.

ما خفي كان أعظم

ولأن الواردات العربية عادة ما تتركز في دول معينة وتتركز كذلك داخل الدول في التعامل مع شركات معينة، فإن التأثير السلبي لتحويل تلك الواردات لدول أخرى، يمكن أن يلحق ضررا بتلك الشركات الموجوعة أصلا بسبب تداعيات الأزمة المالية.

مع الأخذ في الاعتبار أن القيمة الحقيقية للواردات العربية من الاتحاد الأوروبي وأمريكا أكبر مما أعلنته بيانات صندوق النقد العربي المذكورة، لأسباب تتعلق بخفض كثير من المستوردين قيمة الفواتير ليدفعوا جمارك أقل، وكذلك اقتصار بيانات الواردات السلعية على السلع الداخلة عبر الشحنات التجارية، بينما لا تتضمن تلك الأرقام للواردات ما يرسله العرب العاملون بالخارج لأسرهم من سلع أو ما يجلبه المسافرون العائدون من الخارج معهم من سلع.

ثم إن تلك الأرقام التي تذكرها البيانات الرسمية تخص فقط الواردات السلعية ولا تتضمن الواردات الخدمية والتي تقدرها البيانات الرسمية بنحو 130 مليار دولار، وإن كان الرقم الحقيقي لها غير معروف بدقة لتعدد نوعياتها.

وفي ضوء بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2007 نجد أن واردات منطقة الشرق الأوسط من المنتجات المصنعة من أوروبا بلغت 131.4 مليار دولار، كما بلغت وارداتها من تلك المنتجات 38.7 مليار من أمريكا.

وفي مجال منتجات السيارات بلغت (11 مليارا من أوروبا و6 مليارات من أمريكا)، ومعدات الاتصالات (13 مليارا من أوروبا ومليارين من أمريكا)، والكيماويات (17 مليارا من أوروبا، و3 مليارات من أمريكا)، والحديد الصلب ( 10 مليارات من أوروبا و17 مليارا من أمريكا)، والمنتجات الزراعية (11.2 مليار دولار من أوروبا و4 مليارات من أمريكا).

مع الأخذ في الاعتبار أن تعبير الشرق الأوسط، حسب منظمة التجارة العالمية، يضم 11 دولة عربية فقط ليس من بينها مصر والدول العربية الإفريقية.

وخارج مجال السلع فإن 18% من خدمات التشييد بالاتحاد الأوروبي التي تتم خارج دول الاتحاد تتجه لمنطقة الشرق الأوسط، كأعلى نسبة مقابل نسبة 14% تتجه لباقي أوروبا و14% إلى آسيا، كما بلغت واردات خدمات النقل لمنطقة الشرق الأوسط عام 2007 نحو 49 مليار دولار، وواردات السياحة بها 40 مليار دولار، حسب أرقام منظمة التجارة العالمية.

القرار بيد المستهلك

وفي مجال إعادة توجيه بوصلة هذه الواردات فإن مجال الحركة أوسع، فمع انتشار عمليات التحرير الاقتصادي عربيا أصبح غالب الاستيراد يتم من قبل القطاع الخاص وليس الحكومات، حيث تحول عوامل سياسية تتعلق بالارتباط بقوى دولية، وعوامل تجارية تتعلق بعضوية منظمة التجارة العالمية دون استطاعة الحكومات مقاطعة شركات دول بعينها.

ويبقى الفاعل الرئيسي في القضية هو المستهلك الفرد، فعندما يحجم عن شراء سلع شركات تنتمي لدول مساندة للعدوان الإسرائيلي، فإنه سيجبر المستوردين على الاتجاه للأسواق الأخرى لشراء سلعها للحفاظ على مكاسبهم.

وهكذا فإن المستهلك الفرد وربة المنزل من خلال مشترياتها المحدودة عندما تدقق في مصدر السلعة وجنسيتها، وتحجم عن شراء منتجات البلدان المؤيدة للعدوان الإسرائيلي، سوف تساهم في نشأة تيار من الرفض الشعبي لشراء سلع تلك البلدان، وهو ما سينعكس حتما على مبيعات تلك الشركات بالأسواق العربية، مما يساهم في تدهور مبيعاتها، ويؤدي لزيادة معدلات البطالة في مجتمعها، مما يمكن أن  يدفع الرأي العام هناك للضغط على حكوماتهم لتغيير مواقفهم.

وعلى النقابات المهنية والجمعيات الأهلية تبني هذه القضية، والتي يمكن أن تكون إيجابية في الدعوة لمساندة المنتج الوطني، وبما يعزز من مساندة الشركات المحلية المتضررة من المنافسة، وسيترك ذلك آثارا إيجابية على قضية التوظيف المحلي بالبلدان العربية، بعد أن بدأت شركات عربية عديدة في التخلص من جانب من العمالة لديها، بسبب تداعيات الأزمة المالية.

وهكذا نكون قد ضربنا عصفورين بحجر واحد، فمن ناحية أخذنا موقفا من الدول المساندة لإسرائيل، ومن ناحية أخرى ساهمنا في التقليل من الآثار السلبية للأزمة المالية على شركاتنا الوطنية.


صحفي اقتصادي، نائب مدير تحرير صحيفة الأهرام المصرية

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم