English

 

الاثنين. يناير. 12, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

قدري حفني: مأساة غزة.. تراجعت الأمة وصعدت الدولة

حوار - إسلام عبد العزيز

Image
د. قدري حفني في حواره مع إسلام أون لاين
هل نحن أمة عربية واحدة أم دول متفرقة؟.. سؤال على هامش معركة لها فلسفة وتختصر العديد من الرؤى والإستراتيجيات الدولية، التي تتمدد الآن في ميدان غزة، ويجب أن نكون داخل الصورة الإستراتيجية الكلية لهذا الصراع، وأن نضع على الخريطة جميع الاحتمالات، ومنطق الحروب يفهم من أهدافها.. هكذا يدخل بنا الدكتور قدري حفني أستاذ علم النفس السياسي والمتخصص في الشخصية الإسرائيلية في صلب التخصص؛ حيث يطرح أفكاره الخاصة بالعدوان الجاري وإدارته، ويحاول إزالة النمطيات والأساطير التي تشوش على الرؤية والتفكير.

وهنا يعاود تحديد مفهوم الأمن القومي المصري، ومفهوم وحدة المصير الفلسطيني، ومستقبل ونتائج العدوان الحالي، ومنطق تفكير القيادة الحالية داخل الكيان الصهيوني، ثم يطرح معادلة الانتصار ومؤشره بقوله: إن الصمود هنا يقاس بالقدرة على محاصرة الأهداف والرؤى الإسرائيلية، وتحقق الوجود ليس في حماس ولكن في خيار المقاومة، والدكتور حفني تخرج في كلية الآداب بعين شمس، وحصل على الدكتوراه عن موضوع الشخصية الإسرائيلية، وقد أصدر كتابا صغيرا قبل الدكتوراه يسمى التجسيد الوهمي، وهو دراسة عن كيف تجسد الوهم الصهيوني؟، وحصل فيه على جائزة الدولة التشجيعية، وله ارتباط وثيق بالثورة الفلسطينية وقتها وقبل 1967.

وفيما يلي نص الحوار:

*هذه المعركة أثبتت أن ثمة قيما داخل الشعوب العربية كنا نظنها قد خفتت، وهي قيم الأمة والهوية، والعروبة، وأن هناك أمة كامنة تتجلى أفضل ما تتجلى مع فلسطين؟

أعتقد أن ما يجري الآن يطرح على المنطقة سؤالا هاما، وهو صدى لما تقول: هل نحن أمة عربية واحدة أم دول عربية؟ ودعني أتناول نماذج أبدؤها بمصر حينما وقعت اتفاقية كامب ديفيد، وهي ترى أنه ليس من مصلحتها كسر هذه المعاهدة، فنحن كمصريين نتضامن مع الفلسطينيين ونقف بجوارهم وندعو لهم بالمساجد، لكن لا نقاتل من أجلهم؛ لأنه بهذا القتال سنهدد أمننا نحن القومي.

 والمثير أن هناك من يفهم تلك المعادلة الأمنية المصرية، فنجد البعض يقول: نحن لا نطالب مصر أن تخوض حربا لكن نطلب أن نرفع مستوى التضامن.

وإذا انتقلنا لسوريا نجد أنها تستضيف رموز المقاومة الفلسطينية وتسمح لهم بالحركة وهم يعبئون مواقفهم من دمشق، ولكن سوريا ترى أن الأمن السوري القومي هو الدرجة الأولى، على رغم من يطالب سوريا وجيشها بالقتال، نفس الكلام ينسحب على دول خليجية أخرى بما فيها قطر.

 وإيران نجدها تعادي إسرائيل وتساند الفلسطينيين، لكنها لا تستطيع ضرب تل أبيب؛ لأنه سيخل بأمنها القومي.. هل انتهت مقولة الأمة وصعدت فكرة الدولة؟؟

البعض ما زال يردد مقولة جليلي القديمة، وهي الفصل بين الحكام والشعوب، وهذا ربما كان واقعا ونتجاوزه.

 ومثلا أنا استمعت جيدا لخطاب حسن نصر الله، وأنا كمصري لم أكن مستريحا لما قاله عن الشعب المصري والجيش المصري، لكن دعنا نقف عند نقطتين صحيحتين ذكرهما:
قال: إن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تهتم كثيرا بعمائمنا ولا صلاتنا ولا حجنا، ولكن تأبه بمقاومتنا، وإن العدو يعادي من يؤلمه.

 والمقولة الثانية: حينما طالب مليون مواطن مصري بالنزول إلى الشارع حتى لو أدى ذلك إلى سقوط شهداء، وقال ماذا لو خرج الجيش على الدولة؟ 

وهذه أسئلة نظرية، والذي حدث أن التوقع لم يكن صحيحا، وفي نفس الوقت لم يطلق نصر الله قذائفه على إسرائيل؛ لأن هذا يمس الأمن القومي اللبناني كما يراه.

ومن هنا نصل لنتيجة هي أن مقولة إن الشعوب في واد، والحكام في واد آخر قد تكون صحيحة ومرتبطة بالموقف الداخلي، لكن هل هذا الموقف ينطبق على الهدف القومي المشترك الذي خطته الدولة القومية الحديثة؟ وبالتالي سقف التضامن مع الفلسطينيين في الشارع والمطالبة هو إرسال الأدوية والطعام فهو المتاح والوحيد، وإذا نظرنا إلى حجم الاستجابة بالشارع نجدها لا شيء؛ لأن التفسير هو أننا دول وليس أمة واحدة، هذا من نتائج الحرب وغيرها.

وهنا أتساءل أنا وشباب جيلي هل الثورة الفلسطينية لم تعد طريقا لخلق أمة كما كنا نحلم؟

* يدور الحوار حول المعركة القائمة بقطاع غزة، ما هو منطق العدو، ومنطق المقاومة؟

أولا: لابد من تجاوز اللحظة الراهنة التي تقلقنا جميعا، وإذا تحدثت عن وحشية الإسرائيليين والفظائع التي يقومون بها فنحن حينها لم نضف جديدا، وهو موجود تاريخيا ويتكرر وسيتكرر، وتصدي الفلسطينيين للإسرائيليين بالمقاومة، وليس بالغريب ما تتعرض له غزة، وربما أضيف أن التاريخ لا يذكر شعبا لم يقاوم ولم ينجح أي اعتداء مهما بلغت شراسته في تحطيم إرادة شعب، وهذا أمر تعرفه الشعوب جميعا وحديثنا فيه لن يضيف جديدا.

وهذه المعركة لها فلسفة وتختصر العديد من الرؤى والإستراتيجيات الدولية، التي تتمدد الآن في ميدان غزة، ويجب أن نكون داخل الصورة الإستراتيجية الكلية لهذا الصراع، وأن نضع على الخريطة جميع الاحتمالات. ومنطق الحروب يفهم من أهدافها؛ حيث نجد أن المقاومة الفلسطينية لم تزعم قط أنها بصدد إزالة الكيان الصهيوني في هذه المعركة، ولكن وضعت هدفا إستراتيجيا محددا، وهو صد العدوان الصهيوني على أساس من فتح المعابر والاعتراف بحق الفلسطينيين المشروع، وهذا هو هدف المقاومة ومنطقها، والصمود هنا يقاس بالقدرة على محاصرة الأهداف والرؤى الإسرائيلية، وتحقق الوجود ليس في حماس، ولكن في خيار المقاومة.

أما إسرائيل فقد أعلنت عن ثلاث رؤى متباينة وربما مرتبكة:

الأولى: أن الهدف ليس القضاء على حماس، ولكن القضاء على مصادر القوة والبنية العسكرية.

الرؤية الثانية: تقول إن الهدف الأول لا يكفي، وربما تقوم حماس بإعادة بناء قواتها، وبالتالي هناك لزوم لاحتلال غزة من جديد، بحيث يتم القضاء على وجود حماس في غزة، ثم نسلمها للفريق الآخر أو تظل القوات الإسرائيلية بها.

بالطبع هناك اعتراضات على هاتين الرؤيتين، خاصة السيناريو الثاني، أولها ارتفاع التكلفة البشرية، وإعادة احتلال غزة ليست نزهة، ثم من يستطيع أن يراهن أن الفريق الآخر فريق محمود عباس سيقبل العودة في وجود الدبابات الإسرائيلية،  خاصة في ظل ضغوط شعبية عليه.

وبالتالي ثمة مغامرة؛ حيث سيقتضي الأمر أن تظل إسرائيل محتلة غزة، وهو الأمر الذي ترفضه إسرائيل نتيجة اعتبارات كثيرة، منها التكلفة وغيرها.

أما السيناريو الثالث والذي ألمحت إليه وزيرة الخارجية الإسرائيلية، وهو محاولة تغيير واقع المنطقة دعما للقضاء على حماس وإعادة احتلال غزة، لكن الهدف هو الوصول لاتفاق دولي جديد ينهي تماما علاقة إسرائيل بقطاع غزة، وتصبح  منطقة حرة لا علاقة بها، وسط ضمانات دولية وإقرار السلام بين غزة وإسرائيل، وغزة لها منفذ طبيعي واحد مع مصر، ومن الطبيعي أن تقيم مصر علاقة طبيعية مع غزة، وهناك ملحق آخر لهذه الرؤيا يتحدث عن الضفة بإبرام اتفاق دولي واعتبارها كيانا منعزلا منفذه الرئيسي الأردن وليس إسرائيل.

والهدف العام لهذه الرؤية يظهر الإسرائيليون على أنهم انسحبوا من غزة التي لها كيان، وأن المحيط يجب أن يتصرف تصرفا طبيعيا حيال هذا الكيان.

منطق الصمود ومنطق القتل

* لكن حين يهبط الغبار.. كيف يمكن تقييم نتائج هذه المعركة بين جيش نظامي ومقاومة شعبية؟

هذه المعركة ضمن حرب متصلة وممتدة، ولذلك ينبغي تقييم نتائجها في هذه الحدود، وأن نضع كل السيناريوهات المحتملة، وبالعودة للخريطة وخبرة التاريخ لاسيما تاريخ الصراع بين الطرفين، سنجد أن منطق الإرغام لن يتحقق ربما لأن إسرائيل تفكر في تاريخ الحلفاء حينما دمروا ألمانيا، ولكن منطق الصمود سيكون الحاكم، والصمود هنا يقاس بالقدرة على محاصرة الأهداف والرؤى الإسرائيلية، وتحقق الوجود ليس في حماس ولكن في خيار المقاومة، وحين يهبط الغبار عن هذا الصمود وتلك الإرادة ذلك انتصار المقاومة.

تلك هي النتيجة العسكرية، لكن دعني أنظر للموضوع من جهة مهمة، وهو يجب ألا يؤسس هذا الانتصار لفرز أو تفتت يعصف بوحدة المصير الفلسطيني، وهذا ما يقلقني في هذا الموضوع؛ حيث يجب ألا يكرس هذا الانتصار نهاية أمل تحول لحلم يذوي حاليا، وهو وحدة المصير الفلسطيني، حيث يتحول حق تقرير المصير، إلى مصائر للضفة وللقطاع.
 وقد تتعدد المصائر إلى عرب 48، ومصير الشتات، وبالتالي تسقط أهم مقولة تاريخية وهي حق تحقيق المصير.

ومنذ أربعين عاما راهن الكثيرون من جيلي على الثورة الفلسطينية، وكان تصوري أن الثورة الفلسطينية هي الأمل في الرد على النكسة، وأن الثوار الفلسطينيين قد يشدون الوحدة الوطنية إلى نوع من وحدة المصير، وتقديري هذا هو جوهر المأساة؛ لأن المقاومة الفلسطينية حتى لو خسرت الآن لن تنكسر ودرس الشعوب والتاريخ بشكل عام وليس استثناء، ولكن المهم هو الكارثة في أن المصير الفلسطيني ليس واحدا، وكلما زاد الوقت اتسع الخرق كما يقولون.

* كمتخصص في الشخصية الإسرائيلية؛ كيف يفكر القادة الإسرائيليون الآن؟

أنا أرى أن القادة الإسرائيليين الآن هم الأشرس والأخطر عن القادة القدماء وجيل الرواد الذين كانوا يحملون في وعيهم أوطانهم القديمة، لهم أحلام ولكن كان هناك حنين لبلدانهم الأصلية، وهذا ثابت في دراسات نفسية.

لكن القادة اليوم ليس لهم بلد أصلي، وإسرائيل حلمهم، وعيهم والحلم القديم هو مصيرهم، ويعبر الجيل الجديد عن هذا الحلم، ويجسده ويقاتل من أجله، وفي ضوء هذه الخبرة المعرفية السكيولوجية نستطيع أن نضع خططنا الإستراتيجية.

وعلينا أن نفهم أنه في لحظة ما من لحظات القتال تحدث خسائر للجيش الإسرائيلي، ولن تصمد حينها الفكرة الرئيسية التي تقول إن الجيش الإسرائيلي لا يحتمل الخسائر لفترة طويلة؟؟ وهذه مقولة قد تتعرض لاختبارات في أوقات الخطر فقد يتحمل خسائر، وأي جيش يقاتل بوحشية قد يتحمل خسائر كبيرة.

 وبالتالي فكرة أننا لا نتأثر إذا سقط منا عشرة آلاف، وهم يتأثرون لو سقط منهم مائة، ليست صالحة في كل الأوقات، وهم في نهاية الأمر بشر تحكمهم سنن الله في خلقه، وتسري عليهم قوانين البشر يتألمون كما نتألم، ويقاتلون كما نقاتل، وعلينا أن نستوعب ذلك، واعرف عدوك تنتصر عليه.

* لكن في مسألة التأثر الواقع يثبت عكس هذا، والتأثر كان واضحا كما حدث في حرب تموز 2006؟

وهذا أيضا قانون عام، فالله سبحانه تعالى وضع قوانين عامة لسلوك البشر، وبالرجوع لإسرائيل فهي دولة نازية معتدية والفلسطينيون معتدى عليهم، والمعتدي له خيارات عديدة، لكن المعتدى عليه ليس له سوى خيار واحد، وهو الوجود والاستمرار أو الانسحاب.

فالإسرائيليون إذا رأوا مثلا أنهم خسروا أكثر من ثلاثين جنديا ربما يقومون بإعادة حساباتهم، عكس الفلسطينيين فهامش الحركة محدود أمامهم، ولو فرضنا لو هجمت الجيوش العربية على إسرائيل فهل ستقاتل.. بالطبع ستقاتل، ولكن ليس وهو بالرفاهية التي يقاتل بها في غزة.

الموت في سبيل القضية

* لكن هل يمكن أن يقدم الإسرائيليون سيكولوجيا على الموت في سبيل هدف غير دنيوي كالمقاومين؟

مسألة الإقدام على الموت في سبيل هدف غير دنيوي قد اختص الله بها شعوب ربما دون أخرى، وفي نفس الوقت نحن لا نجد شعبا يخلو تاريخه من نماذج لأفراد، وجماعات لديها هذه الاستعدادات وحتى الصهاينة، وقد اختار الصهاينة من تاريخهم ما يسمى بواقعة المسادا وهي في التاريخ اليهودي القديم قلعة حاصرهم فيها الأعداء، وداخلها مجموعة من المقاتلين اليهود فقرروا الانتحار حتى لا يؤسروا.

 وفي التراث الصهيوني يتم التركيز على هذه العقدة، وأن اليهودي المحاصر يمكن أن يموت، إلى أي حد نحن نستطيع أن نتعامل مع هذا الواقع؟ هذا هو السؤال، كما أن الحرص على الحياة خاصية بشرية، والأقليات عموما أحرص على الحياة من الأغلبيات، وهو قانون سلوكي والأقليات في العالم تحكمها قوانين تدعو للحرص.

* ضربات المقاومة الصاروخية التي في العمق الصهيوني.. هل لها دلالة معينة على صعيد الجدار النفسي الذي يحاول الصهاينة التلبس به؟ هل تراها ممارسة عبثية كما يقول البعض؟

هناك من يقلل من صواريخ حماس، وهي نظرة غير واقعية، فهب أن هذه الصواريخ سقطت في السويس ولم تسفر عن ضحايا هل سنشعر بالخوف أم لا؟ وهذه الصواريخ تشعر الشخص العادي بالخوف والرعب، لكن يبقى السؤال إلى أي نوع من أنواع الشكوك قد يقود هذا الشعور إلى أحد شكلين: الهروب أو الهجوم ولكل حالة قوانين تحكمها، فإسرائيل مثلا عندما قامت بمذابح في عام 1948 كانت تقوم بمذبحة في قرية وتفتح الطريق للبنان، ويقوم الناس بالفرار، والسلوك الثاني هو الدفاع.

وبالتالي الخوف من الممكن أن يؤدي إلى أحد السلوكين المتناقضين، فالخوف يؤدي للهروب أو المقاومة، وهنا تدخل إدارة الحرب النفسية، واليوم إسرائيل تستغل تلك الصورايخ لتعبئة مواطنيها ضد العرب، وهذه الصواريخ التي لم تقتل اليوم من الممكن أن تقتل غدا، فإذا أردت الحماية يجب أن تتبع إيهود باراك للقضاء على مصادر الصورايخ، والخوف قانون سلوكي عام، وبالطبع نفس الكلام في فلسطين التي تحول الخوف إلى مقاومة، خصوصا إذا كانت كل السبل مقفلة وهناك حصار، حيث يجب الاتحاد مع المقاومين، ولو انفتح طريق سأبتعد عن القذف، وبالتالي فإن هناك سننا خلقها الله في البشر يتصرف فيها البشر سواء كانوا واعين بها أو لا.

الحرب النفسية قواعد وأصول

* كيف ترى الحرب النفسية بين الطرفين الآن بصفتك خبيرا نفسيا؟

الحرب النفسية لها قواعد يتبعها الطرفان، وأي أحد يخوض حربا عليه واجبات:

أولها: أن يعد أنصاره بالنصر، فالفلسطينيون يعدون بالنصر وكذلك الإسرائيليون، فالجميع في مرحلة اشتباك، فبعد حرب 1973 أصدرت إسرائيل تقريرا بالتقصير، وكذلك في حرب تموز 2006 لكن وقت الحرب لا يستطيعون الاعتراف بالتقصير.

المهمة الثانية: أن تبث روح الهزيمة في الطرف الآخر، وهذه قوانين، ولذلك فإن الكذب جائز في الحرب؛ لأن الحرب خديعة، فمثلا إسرائيل لو خسرت الكثير في الحرب فهي لن تذكر ذلك إلا بعد الحرب، ولو حدث إخفاق فلسطيني، فبالتأكيد لن تقول، إذن أنت تقوم برفع معنوياتك وإضعاف معنويات الخصم، لكن إذا دخلت الحرب النفسية فيجب أن نجيب على سؤال، وهو كيف قامت إسرائيل بكسب تعاطف العالم.. ونحن الضحية لا؟ فنحن يجب أن نجيب، وألا نؤمن ونوقن -فقط- أننا أصحاب حق وأن الحقيقة في جانبنا.

* لماذا نخسر علاقتنا بالعالم دائما ونفشل في اكتساب تعاطفه لقضايانا؟

هناك تفسيران: أحدهما تفسير مريح، فالعالم متآمر ضدنا، وهذا تفسير يعفينا من بذل جهد لمزيد من الفهم، لكن لو اجتهدنا قليلا لمعرفة ما تقوله إسرائيل للعالم، وإذا رجعنا للخطاب الذي قدمته في ضرب غزة نجد أنها قالت للمجتمع العالمي إننا انسحبنا من غزة، وفككنا المستوطنات، لكن حماس حين استحوذت على السلطة في غزة -وهذا شأن فلسطيني داخلي- وأطلقت علينا الصورايخ، وخطفت أحد جنودنا فقمنا بقفل المعابر وبدأنا بالضرب، وتستغل بعض بيانات المقاومة التي تقول فيها إنها ستبيد اليهود وتصدر هذا الخطاب للعالم، فتختلط الصورة، وبالتالي يتوفر مبرر أخلاقي للجيش الإسرائيلي هو الدفاع عن إسرائيل.

*وكيف ترى المظاهرات المؤيدة للحق العربي في أوروبا؟ 
 
إذا نظرنا للمظاهرات الموجودة -حاليا- في أوروبا رأينا أنها تقوم على أساس إنساني وليس سياسيا، فالأوروبيون يسمحون بالقوة، ولكن ليس بهذه الطريقة المفرطة.

وسنجد أن أوروبا لن تتظاهر من أجل الحق الفلسطيني في الوجود، رغم أن الثورة الفلسطينية كان لها أنصار في أوروبا، وهذه تعتبر من الإخفاقات العربية والإسلامية نتيجة الخطابات غير المتوازنة وإسرائيل ذاتها واجهت تناقض الخطابات في مرحلة من حياتها، وهناك درس مهم في ذلك.

حيث كان حلم الكيان الصهيوني من النيل للفرات، وعندما جاءت 15 مايو 1948 اجتمعت الأمم المتحدة وأقرت بتقسيم فلسطين قسمين قسم للعرب وقسم لليهود.

 الصهاينة الموجودون بإسرائيل قالوا كيف نقبل تقسيم أرض الميعاد؟ وهو اتجاه مناحم بيجن وفريقه، وفريق بن جوريون قال نقبل لكي نظل محتفظين بالغطاء الدولي، وفي إحدى المناقشات الحادة التي نشرت يقال إن الأخير قال لبيجن نحن سنقبل والعرب سيرفضون، فرد عليه ماذا لو قبل العرب؟ فقال له لن يقبلوا.

ووقعت حادثة السفينة التي كان بها أسلحة من كوريا، وكانت تأتي لدعم الجناح الرافض لتقسيم أرض الميعاد، فأمر بن جوريون أحد جنوده بإطلاق الصواريخ على السفينة وهي في البحر، وهي تحمل يهودا ويحملون أسلحة، فأغرقها وأغرق من فيها، وكان اسم ذلك الجندي الصغير شيمون بيريز، وقال له  بن جوريون سلمت ذراعك لقد أقمت دولة اليهود.

 فوحدة الدولة اقتضت التضحية بيهود مسلحين حتى لا يتم تقسيم الدولة اليهودية أو أرض الميعاد، وهذه مكتوبة في مذكرات شيمون بيريز ومذكرات بيجن، وهذا درس مهم للغاية، كان لدى هذا الجيل من الصهاينة هدف محدد، وهو وحدة المصير والخطاب، فالوحدة ينبغي أن تعلو على كل شيء.

وعندما نسقط على الواقع الفلسطيني ما حدث بين بيجن وبن جوريون نجد أن الأخير كان يدعي عليه أنه عميل للقوى الدولية، وكان يستهزئ بفكرة المجتمع الدولي الذي يحتمي به.

محددات الأمن القومي

* بالعودة إلى الوضع المصري، فمفهوم الأمن القومي المصري كيف تم تحديده في هذه الأزمة؟

وأنا أسأل أيضا: ماذا يضر ويهدد الأمن القومي المصري إذا اتفقنا مع حماس؟ المفترض أن الجيش المصري قادر على حماية حدوده بصرف النظر عن طبيعة النظام القائم عبر هذه الحدود، سواء كان مسلما أو أصوليا أو عنصريا صهيونيا، وبالتالي فما يحدث خارج الحدود المصرية لا يعني مصر إلا إذا تعرضت لاعتداء.
 
وأنا أرى أن هناك ما يحكم الموقف المصري، وهو الحلم القديم الخاص بوحدة القرار الفلسطيني من أيام الملك فاروق، مرورا بحكام الجمهورية، بصرف النظر عن تقييمهم، فمصر ملتزمة بقضية الوحدة الفلسطينية ومصر كانت تتبنى الشقيري، وكان عرفات متمردا وسلمته منظمة التحرير في القاهرة من أجل وحدة القرار الفلسطيني.

ومصر ترى أن أمنها القومي مرتبط بوحدة القرار الفلسطيني، وعدم تفتيت القضية، وتاريخيا مصر دفعت ثمن هذا الهدف.. وهذا للتاريخ. وهناك اتجاه داخل مصر يرى أنه من المهم ألا يعتمد الختم الحمساوي على جوازات السفر تحت هذا الهدف، والمعبر مفتوح للحالات الإنسانية، ويجب أن يفتح، لكن ماذا عن الدخول والخروج الرسمي كمنفذ وميناء بري.

* لكن النظام المصري تحدث أن معبر رفح يفتح بالتنسيق مع الاحتلال؟

النظام المصري شأنه شأن أي نظام عربي فاشل في عرض وجهة نظره، والمعادلة الأمنية لمصر تقرأ من التاريخ والممارسة والتجربة، والمواقف المختلطة والمرتبكة لا تسقط التاريخ والحقيقة. والقول بأن اتفاقية المعابر هذه اتفاقية دولية لكن من الممكن أن تلغى، تلك هي حقيقة الصراع خصوصا أن معادلات الطرف الآخر واضحة، وقد ذكرت إسرائيل على لسان تسيبي لفني أننا لسنا معنيين بوساطة مصرية؛ لأننا نسعى لتغيير الواقع.

* هناك مقولة تؤكد أن إسرائيل بدأت في الانكماش، فما معنى هذا؟ ولدينا في إدارة الصراع فكرتان هل مستقبل إسرائيل مرتبط بالمقاطعة أم بالتطبيع والاختراق الديموجرافي والثقافي؟

بداية أقصى حدود للتمدد لإسرائيل كان في 1967 وانكمشت بعد ذلك، فهل مستقبلها مرتبط بالتطبيع أو المقاطعة؟ إسرائيل كيان عنصري يرفض الذوبان في محيطه.

 وتجد في دراسة أخيرة أن يهود إسرائيل منهم 20% فقط من تعامل مع عرب 48 و80 % منهم لم يصافح عربيا منذ 1948، بالتالي هو كيان مغلق على ذاته والمقاطعة قد تضره اقتصاديا لكنها تحميه نفسيا، ولذلك إسرائيل كيان رافض وعنصري مؤمن بمبدأ فرض القوة على الآخرين، وأنا أشك في حديثهم عن مبدأ التطبيع، ومن الممكن أن يكونوا حريصين على التطبيع الاقتصادي وليس الثقافي، هي تريد أن تدير مواردنا وتحتكرها.

الذي تخشاه إسرائيل هي ثقافتك وعمقك، وأعتقد أن حياة إسرائيل معلقة بالمقاطعة، وهي ضد التطبيع أكثر منا، ولكنهم يحاولوا أن ينفوا عنهم تهمة الفصل العنصري بدعوات التطبيع، والتي تصدر لمرة واحدة على غرار طلبهم لحضور معرض الكتاب المصري ولم يكرروها؛ لأن الهدف التخلص من صورة العنصرية أمام الناس، وأن المسلمين هم الرافضون، ولو أرادوا التطبيع فعليا فمن الأولى أن يتم أولا من عندهم بالداخل.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات