English

 

السبت. يناير. 10, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » العدوان والمقاومة

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

1860.. قرار ينقل المواجهات إلى الساحات العربية

نبيل شبيب

Image
القرار 1860.. أخطر من كل ما سبقه
سنسمع كثيرا في الأيام القادمة عبارات من قبيل، لم يكن في الإمكان عربيا الحصول على ما هو أفضل من هذا القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي يوم 9/1/2009 تحت رقم (1860).

وسنقرأ كثيرا عن تعليل سلبياته بأن الذي أوصل الدول العربية إلى موقع يجعلها مضطرة إلى القبول بمثل هذا القرار، هو تهور المقاومة، وتحديدا منظمة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس.

والأهم من هذا وذاك أننا سنشهد الكثير من المحاولات والضغوط وربما ما هو أبعد من ذلك، لإكراه المقاومة على إنهاء وجودها الفعلي بنفسها، عبر القبول بتنفيذ الجزء الأهم من القرار في نظر من وضع صياغته النهائية وأكد حرصه على اقترانها بما يسمى المبادرة المصرية أو المصرية-الفرنسية.

لن يتحقق ذلك، ومن يريد تحقيقه يغفل عن حقيقة انتهاء عهد عتيق وبداية آخر جديد في مجرى تاريخ قضية فلسطين، إنما سينشر مزيدا من أسباب المواجهات في الساحة العربية، ولئن تحقق جدلا، سيمكن في نظر من يسعى إليه الانتقال إلى مرحلة حاسمة أخرى من مراحل تصفية قضية فلسطين رسميا، وهذا مع الاستخدام التقليدي الممجوج لذريعة تقول إن هذا ما تريده الشرعية الدولية ولا مناص من تنفيذه، والمقصود سابقا وحاليا هو ما تريده قوى دولية استعمارية مهيمنة عالميا وعبر مجلس الأمن الدولي، ثم يبقى المطلوب من القوى المحلية والإقليمية ما يوصف عادة بالمهام القذرة، وهي في هذا القرار تجنيد كل ما يمكن تجنيده من وسائل غير مشروعة، للحيلولة دون استمرار الحياة النابضة في المقاومة من أجل التحرير، والصادرة عن إرادة الشعوب.

الحجة الأهم.. دون مضمون

كان الصمود أسطوريا، وكانت المقاومة بطولية.. نعلم ذلك ونعلم أيضا أن درجة التقتيل والتدمير بلغت مستوى غير مسبوق من الوحشية الهمجية العلنية، وأن المعاناة تجاوزت سائر الحدود المعروفة عما يمكن أن يتحمله البشر.

هذا ما يوظف بالمنظور السياسي لتمرير القرار، وهو ما تردد ذكره في مقدمة ما بذلت الجهود لوضعه في الصدارة، وبالتالي لإبراز "إنجاز" كبير حققته مساعي الوفد الوزاري العربي في نيويورك للتأثير على صياغة القرار وتوقيت صدوره، أي تأكيد وقف إطلاق النار بصورة فورية ملزمة دائمة.

من الملاحظات الأساسية على هذا الجانب "الأهم" في نظر مؤيدي القرار:

1- الجانب الإسرائيلي المقصود بكلمات "فورية ملزمة" يستطيع تبعا للمعطيات الدولية والإقليمية أن يجعل كلمة "فورية" قابلة للامتداد زمنيا وفق خططه العسكرية وتعديلاتها إلى أن يحقق المزيد من التقتيل والتدمير ويسبب مزيدا من المعاناة، وإلى أن يوجد المزيد من الوقائع على الأرض (وذاك هو الأهم!) لا سيما في الشريط الحدودي بين غزة وسيناء، فهي ما صيغ القرار من أجله كما يتبين من الفقرات التالية في نصه.

2- كلمة "ملزم" خاوية من مضمون الإلزام الفعلي، لافتقاد التهديد بأي إجراء مضاد في حالة عدم الالتزام، ناهيك عن ثغرات عديدة تالية في نص القرار تمكن من عدم الالتزام. والمعطيات الدولية والإقليمية نفسها تبقي التزام وقف إطلاق النار رهنا بالعبث الإجرامي الإسرائيلي به بذريعة عدم التزام الطرف الآخر بالتنفيذ.

3- كلمة "دائم" في مقدمة الألغام الموضوعة سلفا في نص القرار لتمرير أي عملية عدوانية صغيرة أو كبيرة تالية. فالقرار لا ينص على استخدام العنف الإجرامي الإسرائيلي تحديدا، بل يفصل عمدا من أجل إيراد تعبير "عنف الإرهاب" (وغني عن الذكر هنا ما تعنيه جريمة تبني هذه الكلمة عربيا في وصف المقاومة المشروعة في أرض محتلة). فالمطلوب هو إيجاد ذريعة للطرف الإسرائيلي، بعد وقف إطلاق النار مبدئيا، ليستخدم لاحقا القوة العسكرية تحت عنوان "عمل وقائي"، كالقنص والاغتيال أو التوغل والاعتقال، بدعوى اكتشاف مخابراته مثلا وجود أفراد في سيارة أو في مبنى أو في حقل، "يعدون" لتنفيذ عمل "إرهابي" كإطلاق صاروخ!.. فإن ردت المقاومة الفلسطينية بالقوة المشروعة على استخدام القوة العدوانية، كان ردها هذا "إرهابا" يخرق القرار الدولي!.. ولقد كان هذا هو المشهد الفعلي المتكرر على امتداد ستة شهور مما سمي التهدئة.

إن القرار لم يصدر قطعا من أجل إنهاء التقتيل والتدمير في الحرب الإسرائيلية العدوانية ضد قطاع غزة وأهله والمقاومة وفصائلها، ولم تكن الاستجابة لتثبيت الكلمات المذكورة وفق رغبة الوفد الوزاري العربي من أجل رفع المعاناة عن قطاع غزة، بل كان هذا وذاك من أجل رفع الحرج عن دول عربية معينة، أصبح استمرار التقتيل والتدمير والمعاناة يهددها بما تعتبره خطرا على "استقرارها"، إذ يضعها بين خيارين:ـ

1- إما الانحياز إلى الشعوب وبالتالي الوقوف العلني والفعلي إلى جانب المقاومة المشروعة ضد الاغتصاب والاحتلال والعدوان، وآنذاك ستصبح في "مواجهة" مع القوى الغربية الحاضنة للوجود الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية والعربية، والضامنة لما يسمى "الاستقرار" في الدول المنفتحة على بقائه و"التطبيع" معه..

2- أو اتخاذ خطوة "شكلية" وعدت بها، أي عقد قمة عربية، ولكن مع الامتناع عن اتخاذ "إجراءات" بديلة، رغم ما لوّحت بصنعه إن عجزت عن دفع مجلس الأمن الدولي إلى "التحرك".. وتلك "مقامرة" خطيرة من شأنها حقن الغضب الجماهيري بما يزيده إلى درجة قد لا يمكن معها ضمان "قمعه" بالوسائل التقليدية المستخدمة حتى الآن.

البديل الممكن.. مرفوض

لقد كان القرار بألغامه المشار إليها منتظرا، ولكن كان مقبولا من جانب الدول العربية "الأهم" إن لم يكن مطلوبا، وهي التي رفضت عقد قمة عربية طارئة، ثم كانت هي الأبرز في تشكيلة الوفد العربي في نيويورك، بل شهدنا كيف أن تصريحات بعض المشاركين (وعلى وجه التحديد الأمين العام لجامعة الدول العربية ووزير الدولة القطري للشؤون الخارجية) لم تكن تنسجم انسجاما "تاما" مع الخط السياسي لتلك الدول، فكان استثناء أولئك من بعض اللقاءات والمفاوضات مع "الشريك الأمريكي" استعراضيا علنيا، ثم كان القبول بهذا الاستثناء مهينا للجميع معا.

لم يكن سلوك هذا الطريق المرفوض بمضمونه والمهين بإخراجه أمرا اضطراريا بسبب "غياب بديل عربي" عن اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي، إنما كان البديل موجودا وممكنا.. ومرفوضا. فإذا سلمنا بأن المطلوب فعلا هو رفع المعاناة وإنهاء التقتيل والتدمير، فقد كان من الممكن -على سبيل التنويه دون التفصيل- بذل جهد عربي (وإسلامي) مشترك، من وجوهه العديدة الممكنة:ـ

1- تحويل المشاركة في حصار قطاع غزة مع المقاومة الفلسطينية فيه وخارج نطاقه، إلى حصار "سياسي" على الأقل حول الطرف المعتدي.. ومعروف أن ذلك يعني قطع العلاقات القائمة والاتصالات، والقيام بحملة دولية في الاتجاه نفسه ليعود العدو إلى العزلة التي كان عليها بين حرب 1967 واتفاقات "كامب ديفيد" عام 1978.

2- التلويح.. مجرد التلويح في البداية بالاستعداد لتبديل سياسات "ملاحقة المقاومة ومحاصرتها" إلى الانفتاح عليها ودعمها، سواء في فلسطين أو لبنان أو أي مكان آخر..

3- كذلك "التلويح" على الأقل بالخروج تدريجيا من فلك الارتباط بقوى دولية ارتباطا يخدم مصالحها..

4- الشروع الفعلي في اتخاذ بعض الخطوات المبدئية من أجل تجاوز الخلافات الرسمية بين الأنظمة وعدم جعلها عقبة كأداء في وجه كل ما يمكن تحقيقه من تعاون وتكامل دون خلاف حوله، وما يمكن تبنيه من نهج سياسي عند نقاط التقاطع المشتركة، أو المفروض أن تكون مشتركة، في قضايا مصيرية، كقضية فلسطين.

إن الخطورة الأكبر لقرار آخر في مسلسل طويل يصدر عن مجلس الأمن الدولي، لا تكمن في كونه قرارا يراد فرضه فرضا في المنطقة، بما يتناقض مع الحق والعدالة في قضية فلسطين، ومع المصالح المشروعة الواقعية لشعب فلسطين وكافة الشعوب العربية والإسلامية، بل تكمن الخطورة الأكبر في أن هذا القرار يصدر بمشاركة الأطراف المتضررة منه، وهي تحسب نفسها، أو تقول عن نفسها، إنها تحسن صنعا باستصداره.

المعبر المغلق.. بقرار عربي

من أهم العبارات في الفقرات التالية من نص القرار (مع عدم إغفال وجود ألغام أخرى فيه) هي العبارات التي تتحدث عما سمي "فتح المعابر".

فتح المعابر مربوط في نص القرار بما عرف باتفاقية 2005، وهي التي تبقي حركة الإنسان الفلسطيني بين غزة وسيناء من خلال معبر رفح تحديدا، تحت سيادة القرار الإسرائيلي والتنفيذ المشترك، الأوروبي-المصري-الفلسطيني.

أما المعابر الأخرى فهي تحت سيادة القرار الإسرائيلي أصلا، وستبقى حتى تحريرها رهنا بما يمارسه أي احتلال إجرامي في غياب قوة رادعة، ويكفي إذن التركيز هنا على معبر رفح.
 
مع ملاحظة أن الأهم من النص على وقف إطلاق النار هو النص على ربط "ديمومته" بتحقيق ما بعده، نجد من ذلك السعي لإعادة وضع معبر رفح إلى ما كان عليه وفق تلك الاتفاقية. هنا لم يتوقف الطرف العربي المشارك في استصدار ذاك القرار "الدولي"، عند حقيقة فساد تلك الاتفاقية ابتداء وانتهاء سريان مفعولها زمنيا وزوالها من الوجود على أرضية الواقع الفعلي. ولا ينبغي استغراب ذلك، فعند الانطلاق من منظور العاملين لتحقيق "تسوية" رغم استحالتها واقعيا، نجد الطرف العربي في قضية معبر رفح أمام خيارين اثنين:ـ

الخيار الأول.. تجنيد الإمكانات العربية لدعم "شعب فلسطين" -ولا نقول هنا: المقاومة، وهي جزء من الشعب- ومن ميادين هذا الدعم:

(أ) العمل على تطوير استخدام معبر رفح ليكون هو ومجموع الحدود بين سيناء وغزة شريان الحياة والعلاقات الخارجية للجزء المقيم في القطاع من شعب فلسطين، كيلا تبقى "حياته" واحتياجاته الأساسية معلقة بمعابر باقية تحت سيادة قرار الاحتلال.. وليس في ذلك قطعا ما يرسخ انقساما فلسطينيا، فعند توافر إرادة سياسية عربية للتحرير، لا يوجد ما يمنع العمل على مشاركة جميع الأطراف الفلسطينية في إدارة المعبر وكافة نقاط الحدود المصرية-الفلسطينية الحالية والممكن إيجادها، بمعزل عن الاحتلال

و(ب) العمل في الوقت نفسه من أجل تحرير أسباب الحياة في الضفة الغربية أيضا من قبضة الاحتلال، أي ربط التعامل مع الضفة والقطاع على السواء بمسيرة التحرير، وذاك هو البديل الواجب عن استمرار الهرولة وراء "رؤيا" مخادعة من جانب بوش الابن الراحل أو سواه، بشأن دويلة فلسطينية، أصبحت بقية من بقايا مسيرة تسوية عبر أربعة عقود على الأقل دون نتيجة.

الخيار الثاني.. هو ما أخذ به الطرف المشارك في استصدار القرار رقم 1860، وهو العمل على إكراه المقاومة على ما يريده العدو الإسرائيلي ويشارك فيه فريق التسوية في نفق أوسلو، وعندما توافق أطراف عربية على النصوص الواردة في قرار مجلس الأمن الدولي المعني بهذا الصدد، فهي توافق واقعيا على تجنيد نفسها لأداء تلك المهمة، رغم أن إكراه المقاومة يعني المواجهة والضغوط وما قد يتجاوز ذلك في قادم الأيام.

لهذا وجب التأكيد أن القرار رقم 1860 يستهدف متابعة الحرب ضد غزة من خلال استهداف المقاومة في ساحات أخرى، أي من خلال نقل المزيد من أشكال المواجهة وأسبابها، من قلب فلسطين.. إلى قلب البلدان العربية المعنية بذلك عبر تبنيها القرار.

ومن بعد ذلك لا يستحق الأمر وقفة مستفيضة عند ذريعة تقول: إن التعامل مع معبر رفح بفتحه ورفض أي قيد على استخدامه، يعني الوقوع في فخ إسرائيلي يستهدف فصل القطاع عن الضفة، وإنهاء مشروع الدويلة الفلسطينية، وتحويل عبء "المشردين" من الفلسطينيين في بقايا الضفة والقطاع إلى مصر والأردن.

معروف أن هذه رغبة إسرائيلية وهي مرفوضة ويجب إسقاطها، ولكن لا يمكن أن يسوغ ذلك أي عمل يتناقض من شعب فلسطين ومقاومته واحتياجاته واحتياجاتها، ثم لا يسقط الرغبة العدوانية الإسرائيلية، بل يعززها، فالطرح المذكور يقلب الواقع القائم رأسا على عقب.. وما شهدناه من ممارسات رسمية عربية حتى الآن كان فيه:ـ

(1) دعم متواصل للطرف الفلسطيني الماضي على طريق مسدودة للتسوية.. مقابل:
(2) التعامل العدائي المضاد للمقاومة الفلسطينية وحصره في نفق المخابرات أي اعتباره "مشكلة أمنية" وليس طرفا صنعه شعب فلسطين، ونال في الانتخابات ثقة غالبيته العظمى..
هذا المسلك السياسي هو الذي ساهم ويساهم في ترسيخ الانقسام الفلسطيني، وهو جزء ثابت من سياسة "التسوية العقيمة" المرتبطة بمسيرة كامب ديفيد ومدريد وأنابوليس، وهذا المسلك كان قائما من قبل ظهور الانقسام الفلسطيني الحديث بين فريق يقاوم ويعاني مع غالبية شعب فلسطين، وفريق لا يريد المقاومة، وتأبى غالبية شعب فلسطين -رغم المعاناة- القبول بسياساته وممارساته.

المقاومة المستهدفة.. باقية

لم ينقطع قبل الحرب وأثناءها ولن ينقطع بعدها الحديث عن أن استخدام القوة العسكرية لا يوصل إلى حل مستقر للأزمة.

الكلام صحيح بحد ذاته، ولكن ما المقصود بحل مستقر؟.. أليس هو تحقيق "التسوية"؟.. أي القبول باغتصاب أرض 1948 واستعادة أرض 1967، مع كل ما يقال عن سلام وتطبيع وعلاقات وأمن ومشاريع مشتركة.. وقد كان هذا أقصى ما "تطمح" التسوية إليه في جميع ما سعت إليه المبادرات العربية، من قبل قمة فاس 1982، أي من قبل أن توجد حماس وأخواتها، ومن قبل أن يتعلم المقاومون صناعة الصواريخ واستخدامها، بعقود وعقود!..

إن القرار رقم 1860 ككل قرار سابق منذ عام 1967 على الأقل، يدور في هذا الفلك وحده، فإن ورد فيه أو في سواه حديث عن وقف عدوان وإنهاء معاناة، فهو لا يتجاوز ما يخدم "تعبيد" الطريق أمام التسوية بعاهاتها المذكورة.

ولكن حماس وأخواتها، أي المقاومة المسلحة بقصد التحرير، أصبحت حقيقة موجودة على الأرض وتحتضنها الإرادة الشعبية، رغم الحروب والمعاناة. يضاف إلى ذلك مما يبين مغزى القرار الجديد والهدف منه:

لم تستطع القوة العدوانية الإسرائيلية في محاولاتها الإجرامية المتوالية منذ الانتفاضة الأولى إلى اليوم أن تقضي على هذه المقاومة بفصائلها المتعددة، الإسلامية والوطنية كما توصف، بحيث تستأصلها من الوجود أو تجيّر فريقا منها لصالح تلك "التسوية"، كما حدث في أوسلو مع من سبقها في ميدان العمل الفدائي، إذ استطاعت تجنيد فريق، ليس في السعي للتسوية فقط، بل وللعمل أيضا من أجل إزالة العقبة الكبرى في طريقها.. أي إزالة "عقبة" المقاومة!..

منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، لم يتحقق الهدف الإسرائيلي بوسيلة شبيهة بنفق أوسلو بعد الانتفاضة الأولى، ولهذا كان السعي لتحقيقه بوسيلة الحصار الإجرامي فالحرب الإجرامية ضد غزة. وقد كان العجز عن ذلك خلال ما ناهز أسبوعين من الإجرام، هو أول معلم وأهم عنصر يحدد موقع القرار رقم 1860.

القرار يبدأ بالمطالبة بوقف القتال، ويعد بتخفيف المعاناة، ثم يطلب من الخطوات والإجراءات -وجلها عربي التنفيذ- ما يفتح ساحات أخرى للمواجهة التي إن لم تبلغ الاقتتال التقليدي المفتوح، فلا بد وفق هذا القرار أن تبلغ أشكالا أخرى، حصارا، وملاحقة، وضغوطا، وقمعا، واعتقالا، ومنعا للمعونات الشعبية، المالية وغير المالية، بل ربما يصل الأمر إلى اغتيال حرية الكلمة في كل ما يناصر وجود المقاومة وعملها، ويمس بطريق التسوية وموبقاتها.

إن المقاومة المسلحة المشروعة ضد الاحتلال تعني أول ما تعني الاعتماد على السلاح بمختلف الوسائل الممكنة، صناعة محلية، وشراء، واغتصابا من أيدي العدو.. وكل طرف عربي يوافق على تجنيد نفسه بأي شكل مباشر أو غير مباشر، للحيلولة دون وصول السلاح إلى شعب فلسطين وفصائل المقاومة المسلحة المشروعة، لمواجهة قوة الاحتلال المدججة بأحدث الأسلحة، يضع نفسه في جبهة الاحتلال قولا وفعلا.

لا يمكن في ذلك الالتفات الجاد إلى حديث ما بهذا الصدد، عن تفاوض وإقناع وقرار فلسطيني وغير ذلك، فهذه المسألة ليست مسألة مساحة رمادية بين أسود وأبيض، والفارق كبير بين:ـ

1- المشاركة بأي درجة من الدرجات، في منع وصول السلاح، بالقوة المباشرة أو الحصار أو ردم الأنفاق أو إجراءات الرقابة وما شابه ذلك.. فجميع ذلك هو من قبيل ممارسات عدوانية بالنيابة عن العدو!..
2- والمطالبة مثلا -بحجة مفاوضات واتصالات- بفترة تهدئة متوازنة بين جبهتين أو هدنة ما بين طرفي القتال، دون أن يحظر على أحدهما -وهو هنا الطرف الفلسطيني المغتصبة أرضه- امتلاك السلاح والعمل على زيادته وتطويره وتحصيله بكل سبيل.

إن من أخطر ما أورده القرار رقم 1860 بمشاركة عربية، من خلال عبارة "تهريب السلاح"، هو تحويل من يقبل لنفسه من الأطراف العربية، من موقعها المفروض عليها بمعايير الانتماءات الوطنية والعربية والإسلامية، والمعايير الإنسانية والعدالة والشرعية الدولية، جنبا إلى جنب مع شعب فلسطين في خندق مقاومته ومع شهدائه وجرحاه، والقبول بدلا من ذلك أن تكون بمثابة "دروع سياسية" ما بين المقاومة والعدو، فهذا ما يجعل من القرار أخطر من جميع ما سبقه، على طريق تحويل المواجهة من قلب فلسطين إلى ساحات فلسطينة وعربية وإسلامية، ومن يقبل لنفسه بذلك الموقع، لا يمكن أن يجد من الشعوب الأبية الغاضبة تأييدا، ولا في أي صفحة نقية من صفحات التاريخ ذكرا، ولا في قضية فلسطين المصيرية المشتركة مكانا كريما. 


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات