|
| القصف الوحشي حول ليل غزة إلى جحيم |
غزة- ما إن يرخي ليل الشتاء الطويل أجنحته على صفحة السماء حتى يهرع الجميع للتحصن بمنازلهم من غضبة الجو العاصف، خاصة فيما يعرفه أبناء غزة بـ"الأربعينية".. أقسى أربعين يوما في شتاء القطاع (من 25 ديسمبر إلى 5 فبراير).. إلا أن ليل غزة هذا العام هو الأكثر طولا، وأربعينيته هي الأشد قسوة ربما منذ مئات السنين.
12 يوما وسماء القطاع أظلم نهارها دخان القصف المتواصل، وأشعلت ليلها القنابل الضوئية.. وصدع هجعتها قذف المدافع ونيران الزوارق وقصف الطائرات الحربية الإسرائيلية، التي حولت زمهرير الشتاء إلى جحيم من الرعب لا يطاق، خاصة في ليل تعجز فيه النوافذ المهشمة عن صد أسهم البرد عن اختراق أجساد الأطفال المرتعدة من دوي قذائف الاحتلال.
الإضاءة الوحيدة في ليل غزة هي نيران القصف.. أما أن يشعل أي من أبناء القطاع المليون ونصف المليون وريقة ليضيء طريقه وسط ظلمة حالكة سببها انقطاع التيار الكهربائي في ظل العدوان الذي بدأ يوم 27-12-2008، أو يضرم بعضهم الحطب لإعداد طعام أو تدفئة الأطفال.. فالنتيجة المؤكدة هي الاستهداف من الجور.
ليل الرعب
يتشبث بطرف ثوبها متوسلا: "أماه.. أرجوك ابقي بجواري لا تذهبي.. أرجوك".. تنظر الأم بحنان في عيني حسام (7 أعوام) المغرورقتين بدموع الخوف، وتضمه إلى صدرها بقوة محاولة تهدئة خفقات قلبه المتسارعة، وهي تقول: "إني ذاهبة للمطبخ لأعد رضاعة أخيك".
لا تقنعه كلماتها، وتنهمر الدموع من عينيه، فتحمله على كتفها الآخر جوار أخيه الرضيع، وتذهب للمطبخ في الطابق السفلي.. فيكف الصغير عن الارتعاد قليلا ظنا منه أنه أصبح في منأى عن مرمى قذائف الموت.
أم حسام، التي يقع بيتها على شاطئ غزة، تقول بصوت امتزجت فيه رجفة البرد برعدة الخوف: "نسينا طعم الراحة والنوم.. ما إن يأتي الليل حتى يبدأ أطفالي في الصراخ، وأجسادهم ترتعش بشدة.. كل محاولات تهدئتهم تفشل أمام صوت الانفجارات ونيران القذائف التي تصبح أكثر وضوحا على صفحة الظلام الدامس".
وتستدرك قائلة لـ"إسلام أون لاين.نت": "الزوارق الحربية المنتشرة على الشاطئ تسبب لنا الرعب، وقد اشتدت وتيرة قصفها منذ بدء الاجتياح البري يوم السبت الماضي.. دوي قذائفها يصم الآذان، ويخرس نبض القلوب.. نزلنا للطابق الأرضي لنتجنبها، ولكن بعد الذي جرى لعائلة أبو عيشة بات الرعب يسكننا".
وكانت عائلة أبو عيشة قد أبيدت بالكامل بعد أن باغتتها قذيفة زوارق حربية متمركزة على ساحل غزة الممتد لمسافة 40 كم على البحر المتوسط، مدمرة المنزل على رءوس من فيه، وممزقة جسد الأم والأب وخمسة من أطفالهم الذين ظنوا أن مكوثهم في الطابق السفلي سيبعدهم عن مرمى النيران.
أبو معاذ الخطيب، الذي لا يبعد بيته عن بيت عائلة أبو عيشة سوى أمتار قليلة، يقول لـ"إسلام أون لاين.نت": "المشهد كان رهيبا وبشعا للغاية.. ساعات ونحن نحاول انتشال الجثث من تحت الأنقاض.. القذيفة أتت على البيت وقتلت العائلة.. لم يبق على قيد الحياة سوى طفلة في التاسعة تبكي الآن وحدتها".
أبو معاذ لم يخف قلقه البالغ إزاء هجمات الاحتلال المسعورة: "بلغت همجيتهم ومجازرهم حدا يعجز الخيال عن تصديقه.. هذه الهمجية تزداد في الليل ليزيدوا وطأة برودته على أجساد أطفالنا ورعبه على قلوبهم.. الضحكة لم تعد تعرف طريقها لوجوه الأطفال.. نمضي الليل بطوله في تهدئتهم، ولكن قوة الضربات وعنفها تعقد ألسنتنا".
وعلى طول شاطئ غزة تضع العائلات أكفها على قلوبها خشية تكرار مجزرة عائلة أبو عيشة وعائلات أخرى استهدفها العدوان، الذي خلف حتى الآن نحو 700 شهيد، بينهم ما لا يقل عن مائتي طفل، وأزيد من 3075 جريحا، معظمهم أطفال ونساء.
الموت يبحر ليلا
أبو سمير النخالة يؤكد لـ"إسلام أون لاين.نت" أنه وعائلته المكونة من 7 أطفال باتوا يخشون قدوم الليل: "ما إن يحل المساء حتى يعلو نشيج بكاء الصغار.. وكأنهم يخشون أن يرتفع صوتهم بالصراخ فيشق هدءة الليل بجانب صوت القذائف فيتحول القصف إليهم".
ويضيف ساخرا: "بينما يجتمع أطفال العالم حول المدافئ يسمرون في ليل الشتاء الطويل، وضحكاتهم تؤنس وحشة الليل.. ينزوي أبناؤنا في أركان الدور، ولا حديث لهم سوى عن الزوارق التي ستكثف من إطلاق قذائفها مع دخول المساء".
ويحاول أبو نخالة إقناع طفلته "ريما" (4 أعوام) بأن ما تسمعه من أصوات القذائف ناجم عن انفجار بالون أحد أطفال الجيران، إلا أنها ترفض تصديق الخدعة، متمتمة ببراءة: "بابا.. هذا بالون كبير.. كبير جدا".
وتعترف الشابة مها السيد أن الزوارق الحربية على طول البحر تسبب لهم الذعر الشديد، خاصة في المساء: "أن يأتي الليل فهذا يعني أن دقات قلوبنا ستتجاوز في الدقيقة الواحدة الألف دقة".
ومع الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي في غزة، فإن المأساة، بحسب مها، تزداد وجعا؛ لأن "الظلام مخيف، والزوارق تتعمد في الليل أن تكثف من نيرانها أكثر من النهار.. حيث يشعر المرء أن هناك غولا من النار يهاجمه.. وجدران بيتك لا يمكن أن تحميك منه.. وفي الوقت نفسه لا يوجد مكان تفر إليه، ولا أحد تستغيث به.. فقد أوى الجميع إلى منازلهم".
الدبابات أيضا
وبجانب الزوارق الحربية تنضم الدبابات إلى مسلسل الرعب الليلي الذي ينفذ الاحتلال حلقاته؛ حيث تسبب قذائفها الفتاكة دويا هائلا.
داخل غرفة صغيرة تلتحم هبة بإخوتها الصغار في كتلة واحدة، وكأن كل واحد منهم يحاول إخفاء الآخر بداخله.
ومع بدء القذف تنبطح وإياهم أرضا، ولسانها يلهج بالشهادتين صائحة لعل صوتها يعلو صوت القذائف: "أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.. ألقاكم في الجنة إن شاء الله".
ينقضي قذف الدبابات وتنجو هبة وإخوتها هذه المرة، إلا أن المرات متكررة، وكلمة النهاية لم تكتب بعد.
وتقول هبة لـ"إسلام أون لاين.نت": "بتنا نتمنى ألا يأتي الليل، وأن تكون كل أيامنا نهارا.. إنه مرعب.. ما إن تلمع نيران القذائف حتى نرفع أصبع السبابة ونردد الشهادتين".
ورغم ما يصاحب النهار من ألم مشاهد الدماء وأشلاء الشهداء، فإنه يتلاشى في ألم أشد مع حلول المساء الذي يأتي متزامنا مع برد شديد يدخل من النوافذ المحطمة، ويعصف بالأجساد والأرواح.
فبيوت غزة من أولها إلى آخرها تهشم زجاجها بسبب القذف العنيف والمتكرر، كما أن للموت في الليل ملامح أسطورية مخيفة.. يطلقها الوهم والظلام.
أبو أمجد يس يقول لـ"إسلام أون لاين.نت": "ضربوا مقرا مجاورا لمنزلي فتحطمت ثلاث نوافذ.. في المرة الثانية تهشمت باقي الشبابيك.. بعد ذلك وضعت بعض الأقمشة والأكياس البلاستيكية لتقينا من البرد، ولكنها مع كل قصف يضرب المدينة تطير من مكانها.. في الليل يشتد الخوف، ويشتد البرد أيضا الذي لا تجدي معه كل الأغطية".
ومع 12 ليلة قاسية البرودة دامية الملامح صار أقصى أحلام غزة أن تنام بجفون مسدلة، إلا أن أهداب أبنائها أبت عليهم ذلك، وكأنها شدت إلى وجوههم لتبقى مفتوحة باستمرار على صور الشهداء والجرحى.
كما أبت عليهم ذلك "الزنانات"، أي طائرات الاستطلاع الإسرائيلية، التي تستهدف كل مصدر للضوء في ظلمة الليل، كما حدث وقتل القصف أحد أفراد عائلة صبيح أثناء محاولته إشعال نار لتسخين بعض المياه.
|