|
| المنازل صارت أهدافا للقصف الإسرائيلي |
غزة - يتصبرون على الجوع بالصوم، وإذا ما وصلهم بعض من طعام يأكلون منه القليل، حتى لا يضطروا كثيرا إلى استخدام دورات مياه خالية من المياه.. السيدات إذا اضطررن للخروج ليلا، يخرجن بلا كشاف نور؛ كي لا ترصدهن طائرات الاحتلال.. الجرحى ملقون في الشوارع بلا مغيث؛ فسيارات الإسعاف باتت عاجزة عن التحرك تحت وابل القصف المستمر لقطاع غزة، الذي يواجه أكبر مما يمكن وصفه بأزمة إنسانية، وفقا لتعبير مسئول دولي.
عائلة "أبو حافظ" قررت بأفرادها الخمسة (أبوان وجدة وبنتان) الصوم اليوم الثلاثاء وغدا.. لم يأت القرار فقط احتفاء بيومي تاسوعاء وعاشوراء، ولكن لأنه أيضا ليس لديهم من الماء والطعام ما يكفي، فكانت نية الصوم، لتتحول المعاناة إلى عبادة ودعاء إلى الله تعالى بأن يخفف عن غزة وجعها، وينصر مجاهديها.
أما جيرانهم فكان قرارهم الصوم لسبب آخر.. "حتى نقلل مرات الأكل؛ فتقل بالتالي مرات حاجتنا لدخول دورات المياه.. باختصار لأنه لا يوجد ما يكفي من الماء لاستعمال هذه الدورات"، بحسب ما نقلته عنهم مراسلة "إسلام أون لاين. نت".
تتنهدت أم مريم (30 عاما) وهي تعقب على هذا الوضع: "حتى لو استطعنا نحن كشباب تحمل الجوع بالصوم.. فماذا يفعل الأطفال وكبار السن؟!". لكنها ربما لا تعلم أنه في بيوت أخرى صام الأطفال مع أسرهم.
وتضيف أن حافلات المياه الصالحة للشرب توقفت منذ بدء القصف عن الذهاب إلى البيوت، ويحجم الكثيرون عن الذهاب إلى أماكن وجودها أو شراء زجاجات مياه -هي أصلا شحيحة- من الأسواق.
وعن كيفية الحصول على بعض الماء في أيام أخرى توضح أم مريم أن بعض الأهالي يلجئون إلى مخازن مياه قديمة في مزارعهم أو مزارع جيرانهم المتروكة منذ سنوات، وتقول مراسلتنا: إن 70% من المنازل لم تدخلها مياه منذ بدء العدوان قبل 11 يوما.
وكان ماكسويل جايلارد، منسق الأمم المتحدة للشئون الإنسانية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، قد صرح بأن الوضع في غزة "فاق مستوى الأزمة الإنسانية".
لا تتنفس!
"في غزة.. كما أنك اعتدت ألا تأكل أو تشرب طويلا، فأنت ملزم خلال العمليات الإسرائيلية ألا تتحرك.. ماذا يبقى من قيود لم تفرض، إلا أن يقولوا له.. لا تتنفس".
عبارات صاح بها غاضبا أبو أحمد، أحد جيران خالد صبيح، الذي صعد إلى سطح منزله ليوقد بعض الحطب لتسخين الطعام، فأردته شهيدا قذيفة مروحية.
وتسبب استهداف الطائرات العديد من الفلسطينيين في الشوارع وعلى أسطح المنازل في منع عمال الإغاثة من التحرك باتجاه المدن خوفا على حياتهم.
وحتى سيارات الإسعاف عجزت عن الخروج إلى الشوارع لإغاثة الجرحى المبعثرين فيها؛ مما يتسبب في استشهادهم بعد ساعات طويلة من النزيف، كما حدث مع عائلة السموني، وهو ما أكدته اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ويقول خليفة (40 عاما)، الذي يعيش مع 14 من أفراد أسرته في منزل بشمال غزة: "نعيش وضعا مأساويا.. لا نستطيع مغادرة الغرفة التي نتواجد بداخلها".
ويضيف في حديث لـ"إسلام أون لاين.نت": "إطلاق قذائف الدبابات والطائرات على البيوت لا يهدأ، والخراب والدمار هو سيد المشهد.. جنود الاحتلال يحاصرون بيوتنا وصعدوا إلى أسطح المنازل المجاورة ويطلقون النار على كل ما يتحرك".
وأجبر القصف المتكرر سكان الأبراج السكنية وسط غزة على مغادرة منازلهم واللجوء إلى منازل أقاربهم، فيما لجأ عدد كبير منهم إلى مدرسة خليل عويضة، التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، والتي أصبحت مركز إيواء في مخيم جباليا.
لكن القصف لم يستثنِ المدارس، إذ سقط حتى مساء اليوم نحو 46 شهيدا في قصف ثلاث مدارس تابعة لـ"الأونروا"، ومنذ بداية العدوان يوم 27-12-2008 قتل الاحتلال نحو 700 فلسطيني وجرح حوالي 3 آلاف آخرين.
ظلام.. عزلة
مع حلول الظلام كان الأهالي يصطحبون معهم كشافات نور لإرشادهم في الطرق عندما يضطرون إلى الخروج ليلا.
لكن مع استهداف الطائرات لكل "متحرك أو مضيء"، توقف الأهالي عن استخدام الكشافات، حتى الفتيات والسيدات.
ومنذ تغرق غزة في ظلام مخيف بعد أن تقطعت الكابلات بأكملها، بحسب ما أعلنته شركة الكهرباء، التي امتنعت عن إرسال موظفيها لإصلاحها كي لا تخاطر بحياتهم.
ويذهب أهل الحارة الواحدة إلى واحد أو اثنين من سكان الحارة الذين يمتلكون مولدات كهرباء ليشحنوا بطاريات هواتفهم الجوالة وأجهزة الراديو.
وحتى هذه المولدات مهددة بالتوقف؛ لأن السولار المصري الذي تعمل به المولدات نفد في أماكن، وبدأ ينفد في أماكن أخرى؛ جراء توقف العمل في الأنفاق التي كان يتم تهريبه عن طريقها.
ونبهت شركة الاتصالات الأهالي أمس إلى أن الانقطاع الدائم للكهرباء سيؤدي لاحقا إلى قطع خدمة الهاتف الجوال والهاتف الأرضي؛ مما يهدد أهالي غزة بالغرق في صمت مطبق يقطع ما بقي من صلة بينهم وبين ذويهم في الداخل والخارج.
أيضا يهدد انقطاع خدمة الاتصالات بانقطاع أخبار غزة عن بعض وسائل الإعلام التي لم يبق لمراسليها إلا الهواتف لكي يرسلوا منها أخبارهم.
ويشكل انقطاع الكهرباء خطورة أكبر على المستشفيات التي يفاجئ فيها الأطباء بانقطاع التيار أثناء إجراء العمليات الجراحية الحرجة، كما يواجهون مشكلة نقص مواد التخدير اللازمة للعمليات الجراحية، وتقدر وكالات الأمم المتحدة الإنسانية أن نحو ألف جهاز طبي تعطلت نتيجة مشاكل انقطاع الكهرباء.
رفاهية العلاج
أصبح الغسيل الكلوي وعلاج الكسر في القدم أو علاج سيدة ولدت قيصريا نوعا من الرفاهية في غزة، التي لم تعد تقوى على استيعاب من يحتاجون لجراحات عاجلة في المخ أو القلب أو البتر، فكيف لها أن تستقبل أصحاب الكسور أو من يعانون آلام الوضع؟!، وفقا لمصادر طبية.
أم عدنان (23 عاما) كانت أوفر حظا من أخريات كن بحاجة لولادة قيصرية ولم يجدن مكانا في المستشفى، حيث أجريت لها عملية قيصرية سريعة، وكانت بحاجة شديدة للبقاء أياما في المستشفى لمتابعة العلاج.. لكن "هذا يكفي"، قالها طبيب بأسف مرير، مضيفا: "لا نملك الأسرّة أو الدواء الكاف".
وحتى العيادات الخاصة بات من الصعب اللجوء إليها بعد أن هرع كثير من أصحابها إلى المستشفيات للتطوع.
وتقول أم عدنان: "لم يبق أمامنا سوى الاعتماد على ذواتنا في إسعاف أنفسنا ومرضانا بالإسعافات الأولية في المنازل".
وأعلنت وزارة الصحة في حكومة غزة المقالة أن رصيدها من الأدوية تراجع بشكل حاد، ووصل بعضه إلى صفر، من بينها أدوية تطعيم الأطفال.
وقال رئيس الصليب الأحمر الألماني، رودولف زايترس: إن أهالي غزة "لا يجدون الأقمشة الكافية لتكفين موتاهم".
فيما ناشد مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة الجهات الدولية المعنية تزويد المستشفى بثلاجات للموتى، نظرا لاكتظاظ الثلاجات الموجودة بالشهداء.
مخاطر الإغاثة
الإعلان عن دخول شاحنات الإغاثة من الدول العربية وغيرها إلى غزة يتوالى يوما بعد آخر، ولكن كيف تصل هذه المعونات إلى السكان؟!.
تقول جهاد، وهي صحفية: "المعونات تدخل غزة بالفعل، لكن المشكلة في توزيعها على المنازل، فعلى طول حدود شرق القطاع، حيث تُرابط أرتال الدبابات، ويتم قصف عنيف متواصل، يصعب -بل ويستحيل أحيانا- نقل مواد الإغاثة إلى سكانها".
ومع ذلك، تضيف جهاد قائلة: إن "متطوعين مندوبين عن جمعيات خيرية يخاطرون بحياتهم ويحملون المساعدات في أكياس بأيديهم، وينقلونها سيرا على الأقدام إلى ما تيسر لهم من منازل، ومنهم من تعرض بالفعل للإصابة والاستشهاد".
وتوضح أن "معظم هذه المساعدات عبارة عن مواد تموينية، كالأرز والعدس والدقيق والفول، إضافة إلى الأدوية.. ولكن مع كثرة ما يُعلن عنه من أطنان مساعدات وصلت غزة، فإنها تبقى نقطة في بحر.. فكيف تكفي مليونا ونصفا هم سكان غزة؟!".
وتخلو أسواق غزة تقريبا من الخضروات اللازمة للطهي، ولا تدخل الخضروات في أجندة المساعدات المرسلة غالبا، وما يوجد منها قليل أسعاره خيالية.
وما فائدة الرواتب؟!
وتزامن بدء الشهر الجديد (يناير) مع استمرار العدوان، وهو الموعد الذي كان ينتظره الموظفون بلهفة لصرف رواتبهم، وشراء بعض احتياجاتهم الضرورية.
ويقول عياد، موظف بإحدى شركات الحاسب الآلي، بمرارة: "الرواتب موجودة في البنوك، ولكن هل البنوك تجرؤ على فتح أبوابها؟، وإذا جرأت فهل سيجرأ أحد من الموظفين على الذهاب إليها؟.. وإن تجرأ وذهب ونجا من القصف.. فماذا يشتري بها وقد نفدت معظم البضائع من الأسواق؟".
وبجانب إطاحة القصف ببعض شبابيك المنازل، فإن بعض العائلات تضطر إلى النوم ليلا والشبابيك مفتوحة أمام موجات البرد القارص؛ خوفا من أن يطيح أي قصف مفاجئ بهذه الشبابيك في وجوههم.
|