|
| اليقين بالنصر يقضي على أحزان ومخاوف طفلك |
لا شك أن الحديث عن الموت وفراق المقربين مسألة مؤلمة جدا على النفس الإنسانية، واستشهاد الأب محنة يألم لها الكبار والصغار على حد سواء، ولكن ردود الفعل تختلف، فالكبار يبكون.. يغضبون.. يصرخون، أما الأطفال فهم على العكس يخافون.. يصمتون.. يلتصقون بالأم.. يبحثون بين أحضانها عن الأمان، لعله يقضي على ذلك الإحساس المخيف الذي بدأ يتسرب إلى نفوسهم الرقيقة.
يبكون أحيانا.. ولكن سرعان ما يتوقف بكاؤهم ليخرج غضبهم وقلقهم المكبوت في صورة تساؤلات يمطرون الأم بها عن ماهية الموت، ولماذا يجب علينا أن نموت؟ ولماذا أبي بالذات من اختاره الله ليموت؟ ولماذا لم يدافع عنه فيمنعه رصاصات العدو الغادرة مادام أنه كان يحارب في سبيله؟ إلى غير ذلك من التساؤلات التي قد تفزع لها الأم ولا تدري كيف تجيب عنها بما لا يترك أي أثر سلبي على نفسية الطفل نتيجة فراق الأب واستشهاده.
صدمة الموت
وحدث الموت يختلف فهمه من طفل إلى آخر، ويعتمد ذلك على عمره وخبرته عن الموت، كما أن مظاهر تأثير الحدث أيضا تختلف بين الأطفال وبعضهم البعض، والاختلاف ينتج عما إذا كان الطفل قد شاهد حادثة الاستشهاد أم تم إخباره بها من قبل أحد أقربائه، فيشعر بعدم الأمان خاصة إذا كان متعلقا بوالده، كما تتشكل لديه غريزة العدوانية والانتقام نتيجة الصدمة التي تعرض لها، والأخطر من هذا أن بعض الأطفال قد يشعرون أنهم السبب في حادثة الموت أو الاستشهاد.
وقد تواجه الطفل بعض المشاكل النفسية نتيجة فقده أبيه، خاصة في السنوات الخمس الأولى من عمره، أهمها الميل إلى العزلة، والخوف من تكرار الصدمات، والشعور بالذنب، والقلق من تعرض الآخرين للأذى، وأخيرا التمرد والعصيان.
وحتى لا يواجه طفلك أيا من هذه المشكلات النفسية التي تؤثر على سلوكه وأنت في هذا الوقت العصيب، نقدم إليك بعض الخطوات التربوية التي تساعد على توظيف الحدث بشكل إيجابي لتحقيق الأفضل لأطفالنا.
اللجوء إلى الله
- سارعي باحتضان طفلك فور إنبائه بالخبر واغمريه بحبك وحنانك في هذه الفترة حتى تقضي على إحساسه بالخوف وعدم الأمان الذي ينشأ بداخله بفقدانه لوالده، وأخبريه أن الأسرة جميعها تعيش الوضع معه.
- حاولي إشراكه في مظاهر العزاء، وإتاحة الفرصة له للتعبير عن مشاعره، وتوضيح سبب الموت الحقيقي له، مع التأكيد على أنه غير مسئول عن حادثة الموت، واسمحي له بالحديث عن ذكرياته مع والده والاحتفاظ بصورة له إذا أراد ذلك.
- انقلي له الحقيقة كما هي، وأجيبي عن تساؤلاته بصدق وبدون تزييف للحقائق، سيستوعب طفلك، فلا تخافي، واذكري له قصة استشهاد والده كما وقعت، موضحة مدى نبله وشجاعته في الدفاع عن الوطن ومواجهة المحتل الغاصب، وأنه قدم حياته في سبيل نصرة دينه ووطنه، وعلى غيره أن يستكمل ما بدأه، ليتعلم كيفية الإيمان بالحق والثبات على المبدأ والإحساس بالآخرين.
- لا تعمدي أثناء الرد إلى إخفاء مشاعر الحزن والتظاهر بمشاعر مزيفة أو رسم ضحكة باهتة على الوجه، ولكن أجيبي عليه بنظرة ثابتة معبرة عما بداخلك من حزن وغضب وقوة إيمان حتى يرسخ بداخله الرضا بقدر الله وقضائه.
- عندما يسأل عن مصير والده بعد الموت ومعنى الشهادة أجيبيه بأنه سيذهب إلى الجنة، وأن الشهداء سيكونون طيورا في سمائها، وأسهبي في وصف نعيمها وما أعده الله لهم فيها، حتى يرتاح لتلك النهاية ويعرف أن ما قدمه أبوه من تضحية سينال جزاءه الوافر عليها.
- علميه أن اللجوء للرحمن أهم وسيلة لمواجهة الابتلاءات مهما كانت شدتها، وخصصي وقتا يوميا لتحفيظه القرآن الكريم ومدارسة بعض آياته التي تتفق مع الحدث بما يتماشى مع عمره حتى يزيد من ثباتكم جميعا، واطلبي منه أن يسارع بترديد الأذكار الدينية لتهدأ نفسه إذا ما لمحت في عينيه بادرة حزن.
- شجعيه على إكمال حياته بشكل طبيعي، ووضحي له أن حياته غالية عليه، ليتجاوز الخسائر بالتعلم منها ويدخر طاقاته لما يفيده بدلا من التباكي.
- لا تنسي أهمية الرياضة البدينة، وكيف يتضاعف أثرها (وجمالها) عندما ترتبط بأداء الأدعية في ذات الوقت؛ لذا عوديه على ممارسة أي نشاط رياضي يستهويه ليهنأ بالصحة والروحانية في وقت واحد.
- إياك والاستسلام للحزن واحتكار الرثاء للنفس حتى لا ينتقل هذا الإحساس لديه فيعيش في إطار الضحية، ويتسول التعاطف والاهتمام، وحذري الآخرين من إظهار تعاطفهم معه بشكل مبالغ فيه، واعلمي أن الطفل في هذه الحالة يفضل معاملته بطريقة طبيعية؛ لأنه يشعر بالراحة عندما يكون مثل بقية الأطفال في مثل عمره.
لوحاته تعبر عنه
- استخدمي القصة لشرح قضية الموت والاستشهاد لطفلك فهي قضية تعلمه الكثير من القيم الراقية، فالأطفال يتفاعلون مع القصص ويربطون فحواها بما يدور حولهم ويتعلمون منها الكثير، مع التأكيد على استخدام هذا الأسلوب بصيغة مناسبة لسن طفلك، فإذا كان صغيرا يفضل أن تستخدمي أبطال القصص من الحيوانات والطيور، وإن كان كبيرا استخدمي شخصيات معروفة مثل علاء الدين وسوبرمان وشخصيات مثل صلاح الدين وخالد بن الوليد.
- اطلبي منه استخدام فن الرسم ليعبر عن مفهومه للحدث، فالرسم وسيلة تساعده على التعبير عن تأثره بالأحداث بشكل إيجابي فيبرز على اللوحة مخاوفه ورؤيته لأبطال المعركة حسب تصوره البسيط، وقتها عليك تعزيز أفكاره الإيجابية ومعالجة أفكاره السلبية بدون أي تزييف.
- شاركيه مشاعره باتباع أسلوب لعب الأدوار.. دور الضحية ودور الجاني، أو دور اللص ودور صاحب الدار، دور لعبتي ودور خاطفها، ومن خلال التمثيل ولعب الدور يكتسب الطفل صلابة أكثر في مواجهة فقدان الأب والدفاع عن حقه، ويرى الأمور بشكل أفضل من منظوره هو وبإرادته الخاصة.
للحياة تبعات أخرى
- فهميه حقائق الحياة وأننا بشر كرمنا الخالق، ولسنا أشياء تتوالد وتتناسل لتأكل وتلعب وتنام وتصحو؛ وتكرر ذلك حتى تموت، واهمسي في أذنه أنه ليس من الذكاء أن نبعثر أعمارنا في الأمور الأقل أهمية؛ وأن على كل منا تبعات أخرى تجاه دينه ووطنه وهذا ما فعله أبوه وعليه أن يحذو حذوه ويفخر به وبما فعله.
- عرفيه أنه على كل إنسان أن يعيش عزيزا كريما في وطنه، وأن يفعل كل ما بوسعه ليحقق أهدافه في الحياة عن طريق النية الصادقة أولا، ثم تنمية الإرادة لديه وأخيرا الاهتمام المتواصل بها.
- اجعلي الشموخ والعزة طاقاته التي لا تنفد، واليقين بأن النصر آت لا ريب فيه هو الينبوع المتجدد الذي يقهر كل الأحزان والمخاوف التي تتوغل إلى نفسه الرقيقة.
- احكي له قصة سرقة العدو للوطن وأن والده كان يريد استرجاع الأرض من هؤلاء اللصوص الذين قتلوه، لكي تبني الشجاعة في قلبه من ناحية ولتعميق ارتباطه بوطنه وقضيته من ناحية أخرى.
- اعلمي أن مسئولية تنمية روح طفلك أمانة ستحاسبين عليها، لذا اغرزي بداخله ثقافة المقاومة والإيمان بنصر الله عز وجل للمؤمنين إذا نصروه، وازرعي داخله الإحساس بالعزة وبأن الوطن غالٍٍ مهما تكبدنا من أجله الخسائر (الفادحة).
وأخيرا على كل أم تمر بهذه المحنة الأليمة أن تحاول جاهدة أن تزرع بداخل أبنائها المعنى الحقيقي بأن الله أكبر، وهذا لا يعني الوقوف بصلابة أمام أعدائنا فقط؛ ولكن يتسع فيجعلهم يطلبون حاجاتهم بعزة نفس، ولا ينحنون أمام أي أحزان أو رغبات دنيوية، مما ينصرهم على الشهوات متى أصبحوا رجالا؛ لأنهم يشعرون بمراقبة الرحمن لهم دائما، ويتمتعون بالحياء من أن يراهم عز وجل وهم يعصونه، فيعيشون في قوة متنامية ومتضاعفة، وبهذا (فقط) تشعر الأم التي فقدت زوجها وتحملت وحدها مسئولية تنشئة أبنائها بأنها أدت مسئوليتها تجاه أولادها، وأنها (حاولت) شكر الخالق على نعمة الأمومة الرائعة.
محررة في النطاق الاجتماعي بشبكة اسلام أون لاين.نت.
|