|
| أوباما يبدء عهده بأزمة جديدة في الشرق الأوسط |
ما بين الحرب الإسرائيلية الهمجية على قطاع غزة، والهدف المعلن من خلال عملية "الرصاص المتدفق" بحجة شل قدرة حركة حماس على إطلاق الصواريخ، تثور تساؤلات في الأوساط الإعلامية الغربية حول موقف الرئيس الأمريكي المنمتخب باراك أوباما، وتأثير تلك الحرب على سياسات إدارته الجديدة في المنطقة، وتأثيرها كذلك على عملية التسوية السلمية، والأبرز هل تضعف حركة حماس أو تشل قدراتها السياسية والميدانية في أعقاب هذه الحرب؟.
الصامت أوباما.. وضغوط جديدة
وقد انتقدت العديد من الصحف والمجلات البريطانية موقف أوباما من الهجوم الإسرائيلي على غزة، فذكرت مجلة "الإيكنوميست" البريطانية في تحليل صدر يوم 31 ديسمبر 2008، أنه "في الوقت الذي استمر فيه القصف الإسرائيلي على غزة ورد حماس بإطلاق الصواريخ وتفاقم الصراع بين الجانبين، فإن أوباما اتسم بالصمت، وهو عكس ما فعله لدى التفجيرات التي حدثت مؤخرا في الهند".
وذهبت صحيفة "التايمز" البريطانية أبعد من ذلك في انتقاد موقف أوباما، فذكرت في افتتاحيتها يوم 31 ديسمبر الماضي، أنه "بعد أربعة أيام من الحملة الإسرائيلية لم يتخذ أوباما موقفا محددا حيال الغارات الإسرائيلية، رغم إدراكه التام هو وفريقه أن ذلك العدوان سدد ضربة قوية لآماله في التوصل إلى صفقة سلام بالشرق الأوسط في وقت مبكر من رئاسته". وذكرت الصحيفة أن "كل ما فعله أوباما هو إجراء اتصال هاتفي يوم بدء الغارات بوزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس استغرق ثماني دقائق، وتباحث مع مستشاريه خلال عطلته التي يقضيها في هاواي بشأن تداعيات التصعيد الإسرائيلي في غزة".
وقد رأت الصحيفة أن التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة قد وضع أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون مبكرا أمام أول أزمة غير متوقعة في السياسة الخارجية، والتي تأتي في توقيت بالغ الحرج، ووسط ملفات شائكة تنتظر إدارة أوباما.
وأرجعت الصحيفة صمت أوباما إلى قيود وضغوط تفرضها قوة اللوبي اليهودي داخل أمريكا من ناحية، والتزام أوباما خلال حملته الانتخابية بدعم إسرائيل، فهو زار في يوليو الماضي مستوطنة سيدروت، التي تستهدفها صواريخ حماس، وأعلن تأييده ليهودية الدولة الإسرائيلية، ورفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين. وتؤكد الصحيفة أن هذا الدعم الواضح لسياسات إسرائيل يقلل من الآمال الكبيرة لدى الإدارة الأمريكية المقبلة لتحقيق السلام.
وأكدت الصحيفة على أن اتباع الإدارة الأمريكية لذات السلوك الذي اتبعته من الهجمات الإسرائيلية على لبنان خلال حرب 2006 ضد حزب الله، أي توجيه النقد لحركة حماس ومطالبتها بوقف إطلاق الصواريخ، سيقود لمزيد من تراجع شعبية الولايات المتحدة في العالم العربي، طالما أنها تدافع بكل قوة عن سعي إسرائيل للدفاع عن مواطنيها وتقول إن هجومها على غزة يأتي في إطار الدفاع عن النفس، ضد من أسمتهم "الإرهابيين".
ولكن كيف سيتعامل الرئيس أوباما مع الأزمة؟ وكيف يمكنه الدفاع عن حليفته إسرائيل في هذا الوضع تحديدا؟ وهل هو مستعد لتأزيم علاقاته بحلفائه الأوروبيين المتعاطفين مع القضية الفلسطينية؟. قالت "تايمز" إن أوباما سيجد دوره في هذه الأزمة معقدا، بسبب نفوذ اللوبي اليهودي المنحاز لإسرائيل، وفي نفس الوقت قد يتعارض الموقف الأمريكي مع الموقف الأوروبي المتعاطف مع الأزمة الفلسطينية نسبيًا.
أما مجلة "إيكنوميست"، فقد رأت أن اختيار هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية يعكس إلى أي حد أن أوباما لن يبذل مزيدا من الجهد في صراع الشرق الأوسط، وأن الإدارة المقبلة لن تبذل الكثير في هذا الملف على شاكلة الإدارة المنتهية ولايتها، فأوباما أبدى انطباعات عديدة بأنه لا يختلف عن بوش، من خلال تردده في انتقاد إسرائيل.
واقتبست المجلة قول أوباما في يوليو الماضي بأنه "إذا أطلق أحد الصواريخ على بيتي حيث تنام ابنتاي، فسأفعل كل ما في وسعي لوقفها، وأنا أتوقع أن تقوم إسرائيل بنفس الشيء".
وحول التساؤل عن ماذا يمكن لأوباما تحقيقه في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، رأى الكاتبان "جوناثان سالانت وكين فايرمان" في تحليل نشره موقع "بلومبرج" الإلكتروني الأمريكي يوم 28 ديسمبر الماضي، أن الحرب بين إسرائيل وحماس ستضع ضغوطا على أوباما ومساعيه للتركيز على إيجاد حل للصراع وربما تحوله لأولوية أمريكية، في الوقت الذي سيكون عليه بحث الوضع في العراق وأفغانستان والأزمة الاقتصادية.
وعلى الرغم من دفاعه عن موقف إسرائيل في هذه الحرب في مقال نشره له موقع "ذي نيشن" الأمريكي يوم 29 ديسمبر، فإن الكاتب "روبرت دريفيوز" يشير إلى أن أوباما إذا ما سعى بطريقة ما إلى انتقاد رد الفعل الإسرائيلي المبالغ فيه وإذا ما ذكر ضرورة توقف الهجوم الإسرائيلي –على عكس ما فعل بوش في حرب لبنان- فإنه قد تندلع مواجهات بينه وبين اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة.
ويقول "دريفيوز" إن أوباما ورث عن بوش وضعا أكثر تعقيدا في الشرق الأوسط، وأن الرئيس المنتخب لم يكن بحاجة عندما استمع يوم الجمعة قبل الماضية إلى تقرير استخباراتي أمريكي حول الوضع في غزة أن يدرك أن الفلسطينيين والإسرائيليين يكونون قد قضوا على فرص التفاوض للتوصل إلى اتفاق سلام خلال ولاية أوباما الأولى، ولكن ما استفاده أوباما من التقرير هو أن حماس قبل الهجوم كانت تريد إظهار نوع من قوتها بأن قادة الحركة أدركوا أنهم يمكنهم إطلاق مئات الصواريخ للحصول على شروط أفضل في حال تجديد اتفاق وقف إطلاق النار "التهدئة.
مكاسب حمساوية رغم الهجمات
ورغم لغته التهكمية التي يوجه بها الكاتب الشكر لحركة حماس التي استثارت إسرائيل بإطلاقها لصواريخ تحمل في طياتها عوامل هزيمة الحركة، وذكره أن إسرائيل بدورها لم تكن راغبة في البداية للرد الفوري على كل صاروخ وانتظارها حتى تتضح الأمور فور انتهاء تهدئة الأشهر الستة في 19 ديسمبر الماضي، وتأكيده على أن إطلاق تلك الصواريخ يدعم موقف الإسرائيليين المتشددين مثل نتنياهو وأمثاله الذين يلعبون على وتر الرأي العام الإسرائيلي ومخاوفه، فإن "دريفيوز" يرى أن عدم إعلان إدارة بوش أوامر بوقف الحرب في لبنان عام 2006 ضد حزب الله أدى إلى تعزيز قوة الحزب، والحال نفسه سيؤدي إلى تقوية موقف من وصفهم بـ "الإسلاميين المتطرفين" بما فيهم متشددي حماس والفصائل الأخرى الآن، وهو ما يريده بعض الساسة الإسرائيليين من أجل الابتعاد عن حل الدولتين.
من جانبها، انتقدت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية رد الفعل الإسرائيلي المبالغ فيه ردا على الصواريخ الفلسطينية التي وصفتها بأنه تشبه "شك الدبوس المستفز"، موضحة أن "موقف الجيش الإسرائيلي لا يثير الدهشة، لأنه يتناسب والنظرية الإسرائيلية في الاستخدام المفرط للقوة".
ولفتت الصحيفة الانتباه إلى أن هذه الحملة الإسرائيلية تتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات العامة المبكرة، موضحة أن حزب كاديما "الوسطي" الحاكم بقيادة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني وحلفائها من حزب العمل "اليساري" بقيادة وزير الدفاع إيهود باراك، يخشون من أن ينظر إليهم الرأي العام الإسرائيلي بأنهم تحالف ضعيف أمام منافسهم الصقر المعارض بنيامين نيتانياهو رئيس حزب الليكود اليميني، وهو ما جعلهم يسعون بوضوح إلى مضاهاة جنوحه العسكري ومواقفه المتشددة. وقالت الصحيفة: "لم يفاجأ أحد باندلاع القتال، لكن المفاجئة الحقيقية هي أن أحدا لم يحرك ساكنا لوقف هذه الحرب الدموية بطريقة فعلية".
وذكرت الـ "فانيناشيال تايمز" أن محاولات الحكومة الإسرائيلية سحق حركة حماس لها جوانبها السلبية، لاسيما ما يتعلق منها بتفاقم غضب الرأي العام العربي والإسلامي ضد إسرائيل وحليفتها أمريكا، وهو ما من شأنه تقوية شوكة "الأصولية الإسلامية" من جديد وخاصة إذا استطاعت حماس الصمود داخل غزة. ومع ذلك رأت الصحيفة أن غالبية الفلسطينيين يؤمنون بإمكانية التوصل إلى حل من خلال الأسلوب التفاوضي لا من خلال العنف الذي تمارسه حماس، على حد قول الصحيفة.
كما رأت صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية في تحليل للكاتب "جوشوا ميتنيك" نشر يوم 30 ديسمبر الماضي، أن "مسلحي حماس ربما يظهرون بعد الهجمات الإسرئيلية على غزة أكثر تحديًا"، مشيرة إلى خروج حزب الله أكثر قوة من حرب 2006 مع إسرائيل، معلنا تحقيق نصر إلهي، وتنامي شعبيته بقوة في أنحاء العالم العربي، إذ أصبح الحزب حاليا أكثر قوة من الناحية السياسية والعسكرية عن ذي قبل. وتقدر إسرائيل تضاعف ترسانة الحزب مرتين أو ثلاث مرات عما كانت عليه قبل الحرب.
ومن هنا حذرت الصحيفة من أن إسرائيل بهجومها على غزة قد تزيد قوة حماس مثل حزب الله، سيما وأن الهجمات الفتاكة التي شنتها إسرائيل على غزة أحدثت انتقادات كبرى موجهة للحكومات الشرق أوسطية الموالية للغرب، كما أدت لاندلاع احتجاجات مؤيدة لحماس في المنطقة العربية وأوروبا.
وتركز الصحيفة على الاختلافات بين حزب الله وحماس، فالأول يتسم بقدرته القتالية العالية وتنظيمه وتمتعه بحرية الحركة، في حين أن حماس تعاني الحصار في غزة، إلا أن الصحيفة تشير إلى أن حماس أصبحت قادرة على استهداف جنوب إسرائيل بالصواريخ حتى أنها حولت بعض المدن مثل سيدروت وأشكيلون إلى مدن أشباح، بحسب وصف "كريستيان ساينس مونيتور".
وبدورها، تستند "كريستيان ساينس" على إمكانية تعاظم قوة حماس إلى تصريح وزير العمل الفلسطيني السابق غسان الخطيب الذي قال فيه "على الرغم من التكلفة العالية لتلك الهجمات على حماس، إلا أن الحركة بدأت تتحدث بلهجة سياسية أقوى نتيجة الدعم الهائل الذي تتلقاه نتيجة استهدافها"، موضحا أن "هذا ينطبق على الأحزاب السياسية ذات الخلفية الإسلامية في المنطقة برمتها".
شقاق عربي ولا مجال للتسوية
وبحسب الصحيفة، فإن القتال في غزة، وأكثر من الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2006، زاد من الانشقاقات والخلافات داخل العالم العربي، فهناك المزيد من الانتقادات للدول الموالية للغرب مثل مصر التي تتهم بالتواطؤ مع الهجوم الإسرائيلي، كما أن الأردن والسعودية ليستا ببعيدتين عن نيران تلك الانتقادات، مستشهدة بخروج العديد من المظاهرات في أنحاء العالم العربي تضامنت مع حماس في القطاع رغم معارضة حكوماتهم للحركة.
ومن ضمن تلك الانشقاقات التي توردها الصحيفة، أنه رغم الهجمات الإسرائيلية الفتاكة على غزة والتي أسفرت عن سقوط أكبر عدد من الضحايا في تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، فإن وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط والرئيس الفلسطيني محمود عباس حملا حماس مسئولية اندلاع القتال الأخير نتيجة لإطلاقها الصواريخ على إسرائيل ورفضها تجديد التهدئة.
وحول تأثير الهجوم الإسرائيلي الشرس على الوضع الفلسطيني، ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية في عددها الصادر يوم الخميس الأول من يناير أن "الهجوم فاقم من الانقسامات العميقة بين الفلسطينيين الذين يريدون إبرام سلام مع إسرائيل، وهؤلاء الذين يدعمون حماس ويقاتلون إسرائيل"، وأضافت الصحيفة: "الانقسامات تبدو شديدة في الضفة حيث زاد التعاطف مع حماس في الشوارع في ظل قمع قادة السلطة الفلسطينية للمظاهرات المؤيدة للحركة وإلقاء اللوم على حماس في إفشال الهدنة التي دامت 6 أشهر مع إسرائيل".
وأشارت الصحيفة إلى أن "حماس عادت للهجوم متهمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي يتزعم حركة فتح بأنه متعاون مع إسرائيل، ووصفت الصحيفة تلك الاتهامات بأنها واحدة من أسوأ الافتراءات التي يمكن أن يوصم بها أي فلسطيني".
ومن صور هذه الانقسامات أيضا، أوضحت الصحيفة أن هناك حالة من عدم الاتفاق الجوهري بين فتح وحماس بشأن كيفية التعامل مع إسرائيل، وأن مفاوضات فتح تسعى لإقامة دولتين تعيشان جنبا إلى جنب بينما لم تعترف حماس مطلقا بإسرائيل ودافعت عن مبدأ المقاومة المسلحة. وأكدت الصحيفة أن القتال المتواصل داخليا شكل أمرا يدعو لإحباط الفلسطينيين مثل الهجوم الإسرائيلي ذاته، وأن هدف إقامة دولة فلسطينية وهو حلم ظل بعيد المنال لعقود بدا أكثر ابتعادا مع تساقط القنابل الإسرائيلية على غزة.
ومما يعزز من الاعتقاد السابق، توقع مجلة "تايم" الأمريكية في تحليل نشرته يوم 31 ديسمبر ألا يتغير الوضع كثيرا عما كان عليه قبل الحرب، حيث يعتقد الكاتب "توني كارون" أن إسرائيل وحماس تعرفان في النهاية إنه لابد من التوصل إلى اتفاق لوقف القتال عن طريق طرف ثالث أو مجموعة من الأطراف، وأن هذا الاتفاق سيعكس دور القوى السياسية الفلسطينية والإقليمية مثل مصر وسوريا وربما إيران وتركيا.
ويرى الكاتب أن شروط هذا الاتفاق ستتحدد بناءً على نتائج العمليات العسكرية، لكن ضحاياه سيكون مئات الفلسطينيين وعشرات الإسرائيليين. ويؤكد أن ثمة قناعة لدى إسرائيل بأن غاراتها على غزة لن تنهي السيطرة السياسية لحماس على القطاع، وهو الواقع الذي يبدو أقرب إلى الحدوث في المستقبل القريب، حتى وإن نجحت إسرائيل في إضعاف قدرة الحركة على إطلاق الصواريخ، أو تجديد اتفاق الهدنة مرة أخرى، وذلك في ضوء خشية الإسرائيليين من أن يقود شن هجوم بري واسع على قطاع غزة إلى تحقيق حماس لنصر معنوي على غرار ما حدث لحزب الله في عام 2006.
|