|
| أطفال غزة باتوا جزء من معادلة العدوان الإسرائيلي |
غزة - القاهرة - بالصوم والصلاة والدعاء لجأت غزة إلى الله ليثبتها ويصبرها ويقوي شوكتها، فلا يكاد يوجد بيت إلا ونوى أهله الصوم اليوم الخميس، داعين الله أن يفرج كربهم وينزل على قلوبهم صبرا فيحتملوا.
من بين الصائمين.. مجد.. أحمد.. كريم.. هؤلاء ليسوا أرباب أسر أو شباب، ولا حتى مراهقين، بل أطفال لا تزيد أعمارهم على عشر سنوات.. أطفال كبار.. أصروا على أن يكونوا إلى جوار آبائهم في كل ما يفعلونه في هذه المحنة.
ولم تقتصر دعوة صيام الخميس هذه على غزة فقط، بل امتدت الدعوة لتشمل الملايين في عدد من الدول العربية والأوروبية؛ حيث دعت أوساط شعبية ودعوية للصيام اليوم الخميس، أول أيام العام الميلادي الجديد، لتوحيد لحظة الدعاء إلى الله عند الإفطار، بأن يفك كرب غزة وأهلها.
غزة صائمة
المساجد.. الإذاعات المحلية.. رسائل الهواتف المحمولة.. كلها انتفضت من أجل إيصال رسالة واحدة للغزاويين.. "لنصم الخميس وندع الله أن ينصرنا على المعتدين، وينصر مجاهدينا".
وقد لبى غالبية سكان غزة نداء حملة المليون صائم التي دعت إليها المساجد والدعاة، وصاموا وقلوبهم تتضرع إلى الله بأن يثبت أقدامهم وينصر غزتهم الصامدة.
ويعيش قطاع غزة لليوم السادس على التوالي أجواء حرب مدمرة نالت البشر والشجر والحجر، وتتزامن تفاصيلها الدموية مع الحصار الخانق الذي شل جميع المرافق الحياتية فيها، وباتت المدينة المنكوبة لا يمشي بها سوى الأشباح؛ فشوارعها خالية، وسماؤها مكفهرة، وأرصفتها تبكي أحبة لن تراهم للأبد.
الصوم ملاذنا
المواطن الغزاوي "أبو عمر" دعا جميع أفراد عائلته للصيام اليوم الخميس، بعد أن تلقى دعوة حملة المليون صائم على هاتفه المحمول، وقال لـ"إسلام أون لاين": "صُمت أنا وأسرتي جميعا، الكبار والصغار تلبية لتلك الحملة، ولينصرنا الله على أعدائنا ويفرج همنا، وليرفع الله الكرب عن مدينتنا".
وبحزن وألم أضاف: "فقدنا الأمل في كل العالم العربي والإسلامي، ولكن ثقتنا بالله لن تتزعزع، ولن ينصرنا ويمكننا من عدونا سوى الله".
أما أبو سامر فوصلته الدعوة لتلك الحملة عن طريق المسجد، وقال لـ"إسلام أون لاين": "بالصيام والصلاة والدعاة نلجأ إلى الله، حتى يهزم عدونا، ويخرجه من أرضنا، ويعمي طائراته عنا، فليس لنا إلا الله، ولن يخذلنا أبدا".
وأضاف بصبر وجلد: "سنبقى صامدين وصابرين برغم جراحنا، فصلاتنا وصيامنا ودعاؤنا، هي أسلحتنا على أعدائنا، ولن تنكسر شوكتنا ما دمنا مؤمنين بأن الله سينصرنا ويثبت أقدامنا".
الأطفال صيام
ولم يقتصر الصيام على الكبار فقط، بل الصغار أيضا سارعوا إلى الصوم تلبية لدعوة آبائهم وأصدقائهم وأئمة المساجد، بحسب استطلاع أجرته "إسلام أون لاين" لدى عدد من العائلات الغزاوية.
وبنبرات الكبار قال أحمد صاحب الأعوام العشرة: "صُمت اليوم؛ حتى يرفع الله الظلم عن غزة، وسأدعو الله بعد كل صلاة أن يخفف عنا وينزع الخوف والرعب من قلوبنا".
أما صديقه كريم فقال ولسانه لا يتوقف عن الدعاء: "مساء أمس حدثنا والدي بضرورة الصوم اليوم الخميس، وبأن ندعو للمجاهدين أن يسدد الله رميتهم ويحميهم من كل من يكيدون لهم، ويدب الرعب في قلب إسرائيل".
وأضاف بتحدٍ: "صمت اليوم، ودعوت الله كل ساعة برغم خوفي وقلقي الشديد من صوت الطائرات الذي يخترق آذاننا، والصواريخ التي تقصف كل شيء حولنا، ولا تفرق بين الصغار والكبار".
أما مجد التي لم تتجاوز السنوات السبع فكانت من ضمن حملة المليون صائم، فبعد أن رأت جميع أفراد أسرتها صائمين ما عداها رفضت الأكل أو الشرب وآثرت الصوم.
بصوت البراءة قالت: "صمت مع أبي وأمي وأخواتي، ودعوت الله أن يزيل الطائرات من الأجواء، ويمنع الصواريخ من قصف بيتنا وقتلنا، فصوتها يخفيني ويرعبني وأبكي كلما سمعتها تقصف".
ارحمنا يا الله
"يا رب أغثنا.. اكشف عنا الكرب.. وعجل الفرج.. يا ذا الجلال والإكرام.. يا حي يا قيوم.. برحمتك نستغيث".. تلك الدعوات بدأ أئمة مساجد غزة يرددونها بعد كل صلاة، بعد أن ملوا صمت العالم العربي والإسلامي، وضاقوا ذرعا بضعف وجبن الأنظمة واستكانتها أمام إسرائيل.
بعيون دامعة قال الحاج أبو سلامة، إمام أحد مساجد غزة: "من لنا غير الله نشكو له ظلم القريب والبعيد.. ليس لنا إلا الله نلجأ إليه في كروبنا وشدائدنا.. سنتهجد إلى الله وندعوه أن يثبت أقدام المجاهدين، وينزل الخوف والسكينة على قلوبنا، ويهزم إسرائيل وينزل الرعب في قلوبهم".
أما الحاج أبو رأفت فقد تساءل مستنكرا: "أين علماء الأمة؟! أين أصحاب اللحى المهذبة والعباءات المطرزة؟! أين مفكرو ومثقفو العالم؟! أما آن لهم أن ينتفضوا؟! ألا يرون شهداءنا وأجسادنا المقطعة؟! ألا يرون صرخات أطفالنا ودماءهم؟! ألا يسمعون أنات المؤمنين المعذبين؟! ألم تصل إلى آذانهم واإسلاماه وامعتصماه؟!".
تضامن
وقد اتسع نطاق هذه الدعوة ليشمل بلدانا عربية وأوروبية عديدة؛ حيث جرى إرسال دعوات مماثلة لصيام اليوم الخميس، وطلبت هذه الرسائل التي تداولها مسلمون متعاطفون مع غزة من داخلها وخارجها بتوحيد لحظة الدعاء لأهل غزة عند الإفطار.
ففي مصر تم توجيه هذه الدعوة عبر الهواتف المحمولة وعبر الإنترنت من خلال الماسينجر والبريد الإلكتروني.
وقالت الرسائل التي تم تداولها: إن أقل ما يمكن تقديمه لأهل غزة في محنتهم الحالية هو الصيام والدعاء لهم، ودعت الرسائل إلى المشاركة في حملة المليون صائم من أجل غزة، والدعاء باليقين لأهلها في محنتهم الحالية، وطالبت هذه الرسائل بتوسيع نطاق المشاركة عبر إرسالها إلى آخرين.
وشملت هذه الدعوة الأقليات المسلمة في الغرب أيضا.. ففي السويد قال محمود محمد الخلفي، مدير المركز الإسلامي في العاصمة السويدية ستوكهولم ورئيس الرابطة الإسلامية في السويد، إنه تم الاتفاق على صوم اليوم الخميس، وسوف يكون هناك إفطار جماعي بالمسجد الكبير في العاصمة السويدية؛ مع الدعاء والقنوت لنصرة أهل غزة.
وأشار في تصريحاته لـ"إسلام أون لاين" إلى أنهم في المركز والرابطة دعوا جميع مسلمي السويد إلى التبرع بما نسبته 10% من راتب شهر ديسمبر الماضي لصالح أهالي غزة، وقال: إن هذه الأموال سوف يتم توصيلها عبر مؤسسة الإغاثة الإسلامية حول العالم، التي يتواجد لها مكاتب في غزة الآن.
وفي النمسا ذكرت مصادر إسلامية بمدينة جراتس جنوب النمسا، ثاني أكبر مدينة في البلاد بعد العاصمة فيينا، أنه تم توجيه دعوات للمسلمين بالمدينة للصيام اليوم الخميس، بينما قالت مصادر إسلامية أخرى في العاصمة فيينا إن هذه الدعوة جرى تعميمها على مستوى النمسا كلها.
وفي أوكرانيا، وفي اتصال هاتفي مع الشيخ عماد أبو الرب مدير المركز الإسلامي في العاصمة كييف قال إنه تم توجيه الدعوة لكافة مسلمي أوكرانيا للصيام اليوم تضامنا مع غزة.
وقال أبو الرب إن هذه الدعوة تأتي في إطار سلسلة من الفعاليات المتعددة التي قام بها مسلمو أوكرانيا، من بينها القيام بمسيرات احتجاجية بدأت مع بدء العدوان الإسرائيلي على غزة السبت الماضي، وقال إن مثل هذه الفعاليات سوف تستمر خلال الأيام المقبلة.
|