لا شك أن العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة يلقي بظلاله على الوضع الداخلي الفلسطيني، ويطرح بدوره التساؤلات مجددا حول مستقبل العلاقة بين حركتي فتح وحماس، وحول احتمالات عودة الحوار بين الطرفين مجددا، فضلا عن طبيعة الخيارات المطروحة أمام حركة حماس، خاصة فيما يتعلق بالداخل الفلسطيني.
للإجابة على هذه التساؤلات ومحاولة رصد مستقبل الوضع الفلسطيني الداخلي، استطلعت شبكة إسلام أون لاين. نت، آراء أربعة من المراقبين والمحللين المتخصصين في الشأن الفلسطيني.
وقد استبعد هؤلاء المحللين إمكانية عودة الحوار بين حركتي فتح وحماس في المدى المنظور، ورأوا أن العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة، وأيا تكن نتائجه في المحصلة الأخيرة، لن ينعكس إيجابيا على العلاقة التصادمية السائدة بين الحركتين منذ الانتخابات التشريعية للسلطة الوطنية الفلسطينية في عام2006.
ويسود انطباع لدى غالبية المراقبين أن كلا من الحركتين ستظل ثابتة على مواقفها السابقة، فحركة حماس تراهن على الصمود في وجه العدوان الإسرائيلي أطول وقت ممكن، وتنتظر ما يحدث من حراك فلسطيني مماثل في الضفة الغربية، سواء على المستوى الشعبي أو داخل صفوف حركة فتح، كما أنها ولو خرجت بهزيمة حربية، فإن ذلك لن يؤثر على صدقيتها بين الجمهور الفلسطيني، ولن يؤثر على وضعها الأمني والسياسي داخل قطاع غزة الذي تتحكم به منذ يونيو 2007.
وبالنسبة لحركة فتح، فقد استبعد المراقبون أيضا إمكانية عودة الحركة بالقوة إلى قطاع غزة، فلا الحركة ستقبل بذلك، ولا قوة حماس للمواجهة الداخلية قد وهنت.
ولئن توقع البعض أن تسعى أطراف عربية إلى الضغط على حركة حماس، ولصالح حركة فتح، في حال الدعوة للحوار مجددا، فإن هذه الدعوات سيكون مآلها الفشل في إتمام المصالحة ما لم تؤخذ خطوات جدية على صعيد إنهاء حصار غزة، وبشكل دائم.
وتباينت الآراء حول مستقبل الوضع الفلسطيني الداخلي، إذ يعتقد البعض أن هذه الحرب ستزيد حدة الانقسام القائم واقعيا بين الضفة والقطاع، لكن يعتقد آخرون أن المنطق وصيرورة الأحداث يدفعان باتجاه تحقيق المصالحة بين فتح وحماس، وإن كان ذلك لن يحدث بمجرد نهاية العدوان الإسرائيلي الراهن ضد قطاع غزة، في حين يرى فريق آخر أن المقدمة الحقيقية للمصالحة تبدأ من إطلاق مقاومة متعددة الوسائل، وتشمل كافة القوى الفلسطينية في كل من الضفة والقطاع، وتتضمن حملة ضد الاستيطان والحواجز وفك الحصار، وتلك بدايات أولى تسهم في تعزيز التماسك الداخل.
وقد عرض كل من المحللين الأربعة رؤيته كما يلي:
** الدكتور جواد الحمد، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بالأردن:
يرى الدكتور "جواد الحمد"، أنه لا توجد فرصة للحوار بين فتح وحماس في ظل العدوان الحالي على غزة، فشعور حماس الآن هو شعور من يعمل داخل المعركة، وبالتالي فإن أي نداءات تأتي الآن من خارج الدائرة مطالبة بالحوار، لن تلتفت إليها حماس.
وليس واردا أن تقدم حماس أي تنازلات فيما يتعلق بالحوار الفلسطيني الداخلي، فهي قدمت الكثير من التنازلات من قبل، ولم تجن شيئا.
ويعلل ذلك بأن "حماس تراهن على قوتها العسكرية في إلحاق خسائر كبيرة في إسرائيل، كما أن مواقف الطرفين قد تباعدت كثيرا في الفترة الأخيرة".
ويشير "الحمد" إلى أن نتائج المعركة الدائرة الآن في غزة هي التي ستحدد مستقبل العلاقة بين فتح وحماس، ويطرح في هذا الصدد سيناريوهان:
الأول: صمود حماس في الميدان، وهو يعني تحقيق إنجاز ضد آلة الحرب الإسرائيلية.
والثاني: هزيمة حماس عسكريا أمام إسرائيل.
ففي حالة نجاح حماس في تحقيق انتصارات نوعية على إسرائيل ولاسيما في ضوء هذا التلاحم الشعبي الكبير داخل الأراضي الفلسطينية، وتجاوز الفخاخ المنصوبة لها من قبل الأطراف الداخلية أو الدولية، فسيكون لها اليد الطولى في إعادة تشكيل الوضع الفلسطيني، خاصة في ظل انكشاف الفريق الآخر (حركة فتح)، الذي منع المظاهرات المؤيدة لحماس في الضفة، ومنع أيضا رفع رايات حماس.
وفيما يتعلق بالسيناريو الثاني، والمتعلق بهزيمة حماس عسكريا، يفرق "الحمد" بين التدمير الذي تحدثه إسرائيل والهزيمة العسكرية التي قد تلحق بحماس، "فحماس قد تهزم إسرائيل مع وجود دمار كبير في غزة".
ويستدل "الحمد" على ذلك بأن حزب الله انتصر في حرب 2006 مع الدمار الكبير الذي لحق بلبنان، كما أن لندن انتصرت على هتلر في الحرب العالمية الثانية بعد عامين كاملين.
ويرى أنه في حالة هزيمة حماس عسكريا، فإنها، كغيرها من التيارات السياسية التي ترصد التحولات المحيطة بها وتتكيف معها، وقد تتجه إلى الحوار الوطني كوسيلة لالتقاط الأنفاس واستعادة قواها".
ولكن هل تقدم حماس تنازلات في هذه الحالة؟ يجيب "الحمد" بالنفي، "فحماس تعرضت للعديد من العقبات والتحديات من قبل، فلماذا إذا تقدم تنازلات في حال هزيمتها من إسرائيل؟".
وحول مستقبل الوضع في غزة، يؤكد الحمد أنه من غير الوارد أن تعود سيطرة حركة فتح على السلطة في غزة، وذلك على الرغم من تداول معلومات -يشدد الحمد على أنها غير مؤكدة- تتحدث عن استعدادات لإدخال لواء مشاة فلسطيني من حركة فتح إلى غزة، ووجود قوات فلسطينية على الجانب المصري تستعد لهذا الأمر، وأخرى قد يتم إنزالها جوا آتية من مصر عبر الجو، وتشير المعلومات أيضا إلى وجود نحو 500 عنصر من القوات الأمنية الفلسطينية في أفغانستان يتلقون التدريب على أيدي قوات حلف قوات الناتو.
ويستبعد الحمد كذلك إمكانية حدوث انقلاب فتحاوي من داخل القطاع، وحتى إذا ما فكرت فتح في سناريو كهذا، فإنها ستواجه عقبة أساسية هي حضور حماس القوي في القطاع، فهناك حوالي 55 ألف مقاتل في قطاع غزة، من بينهم 40 ألف مقاتل من عناصر حماس، علاوة على 15 ألف مهني آخرين تابعين لحماس أيضا".
وفي شأن المستقبل المنظور للوضع الداخلي الفلسطيني، يقول الحمد: "من المبكر الحكم على هذا الأمر، فذاك يتوقف على مجموعة من العوامل، بعضها داخلي وبعضها خارجي، تتمثل في احتمالية حدوث انتفاضة في الضفة الغربية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك إمكانية حدوث تحول في الرأي العام الإسرائيلي، وهو ما بدأ يحدث بالفعل؛ حيث إن هناك إجماع أمني إسرائيلي على أن حماس قد نجحت في امتصاص الضربة الأولى، بالإضافة إلى موقف النظام الدولي مما يحدث في غزة، وتطور الموقف الأوروبي تحديدا".
** الدكتور عبد الستار قاسم، المحلل السياسي الفلسطيني:
يتفق الدكتور عبد الستار قاسم مع الطرح السابق، فيرى أن فرص الحوار حاليا بين فتح وحماس ضئيلة، فحماس لا تتعجل أمرها، وهي ليست في مأزق أو تعاني من التهالك، ومن ثم فهي تنتظر نتيجة الحرب التي ربما تكون لصالحها مع الوقت، وبالتالي لن تتضح الأمور حول إمكانية الحوار إلا بعد وقت غير قصير من انتهاء الحرب الجارية.
ويرى قاسم أن الاتفاق بين فتح وحماس غير ممكن، فما دام هناك فلسطينيون يصافحون الإسرائيليين، وينسقون أمنيا مع الاحتلال، فإن الوضع الداخلي الفلسطيني سيبقى متوترا.
ويؤكد المحلل الفلسطيني على أن الخلاف بين فتح وحماس ليس مجرد خلاف عادي، بل إن هناك تناقضا حديا بين الطرفين، يرجع إلى الخلاف على اتفاقية أوسلو التي وقعها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عام 1993، دون أن تحظى هذه الاتفاقية بإجماع القوى الفلسطينية المختلفة.
ويعتبر "قاسم" هذه الاتفاقية هي العقبة الكئود أمام أي اتفاق مصالحة بين الفلسطينيين، وما دام أن هذه العقبة موجودة، فإن أي حوار لن يكون مجديا، وأي اتفاق بين الطرفين سيكون مصيره الفشل.
** الدكتور رائد نعيرات، أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية:
وخلافا للتحليلين السابقين، يرى الدكتور "رائد نعيرات"، أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية في نابلس، أن المنطق وصيرورة الأحداث يدفعان باتجاه تحقيق المصالحة بين فتح وحماس.
وعلى الرغم من أن الأيام الأولى للعدوان على غزة قد شهدت تباعدا بين فتح وحماس "الرسميتين"، فقد كان هناك تقارب في الموقف الفتحاوي الشعبي تجاه حركة حماس، وحدث نوع من المراجعات في توجهات الفتحاويين تجاه حركة حماس، شمل القيادات الثانية والثالثة في فتح، بل وحتى التصريحات بين الطرفين قد شهدت تقاربا في الآونة الأخيرة.
ويرى "نعيرات" أن المحدد الرئيسي للتباعد والتقارب بين فتح وحماس هو طبيعة العلاقات العربية بالطرفين، وطبيعة مجريات الحرب التي تحقق فيها حماس إنجازا بصمودها في المواجهة الحالية مع إسرائيل؛ حيث استطاعت امتصاص الضربة العسكرية الأولى، كما أن هذه الضربة لم تستطع أن تنهي حماس بالسرعة المطلوبة.
وحول طبيعة العلاقة بين فتح وحماس بعد انتهاء العدوان، أوضح "نعيرات" أن حركة فتح ستكون الخاسرة، سواء في حالة انتصار حماس في المواجهة مع إسرائيل، أو هزيمتها عسكريا.
ففي حالة هزيمة حماس بشكل كامل، رغم استبعاد ذلك، سيتطلب من حركة فتح أن تتولى زمام الأمور في غزة، وبالتالي سيبدو حينذاك أن فتح قد جاءت على ظهور الدبابات الإسرائيلية، وهو ما سيؤثر بشدة على صورة فتح لدى الشعب الفلسطيني في مجموعه.
أما في حالة انتصار حماس، فإن ذلك سيضع حركة فتح أمام أزمة كبيرة، ذات بعدين:
أولهما: يتعلق بالمشروع الوطني لحركة فتح؛ حيث إن انتصار حماس ومشروعها المقاوم سيطرح العديد من علامات الاستفهام حول مشروح فتح الداعم للسلام.
وثانيهما: يتعلق بعلاقة فتح وحماس، فانتصار حمساوي قد يفرض على فتح إعادة النظر في علاقاتها وتوجهاتها تجاه حماس.
** الأستاذ محمد جمعة، المحلل السياسي المتخصص في الشئون الفلسطينية:
من جانبه، يعتقد الأستاذ محمد جمعة، أن الأمور تتجه إلى تكريس الانقسام بين كل من فتح وحماس، ولا يوجد ما يبشر بحدوث مصالحة أو مجرد العودة القريبة للحوار.
ويعلل ذلك بأن الدعوة للحوار التي صدرت من قبل الرئيس محمود عباس هي مجرد حملة علاقات عامة؛ أولا: لأن تلك الدعوة صدرت بعد 24 ساعة من مؤتمر صحفي بين عباس ووزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، وجه فيه عباس اتهامات مبطنة لحركة حماس، وأشار إلى أن ثمة مسئولية تقع على عاتق الحركة فيما يتعلق بما يحدث في غزة من عدوان إسرائيلي.
ويشير "جمعة" إلى أنه لو كانت النية صادقة في الدعوة للحوار لتجنب الرئيس عباس توجيه هذا الاتهام لحماس في هذا الظرف.
ويضيف: "إذا كان الطرف الفلسطيني في رام الله يرغب في الحوار، فكان عليه القيام بخطوتين هامتين:
الأولى: وقف التفاوض فورا مع الجانب الإسرائيلي.
والثانية: إطلاق جميع معتقلي حماس في الضفة الغربية.
ويرى المحلل المصري أنه بدون القيام بهاتين الخطوتين، فإن كل دعوة للحوار فسوف تقرؤها حماس على أنها مجرد محاولة لجني ثمار العملية العسكرية التي تقوم بها إسرائيل ضد قطاع غزة، كما أن حماس لن تنصاع لهذه الدعوات؛ لأنها تكون بذلك قد قبلت بما رفضته من قبل.
ويلفت "جمعة" إلى أن حماس غير متحمسة للحوار في المدى القريب، فهي تنتظر إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما، وما سيسفر عنه الحوار بين الولايات المتحدة وإيران، ونتائج المفاوضات السورية الإسرائيلية، وكذلك تراقب الحراك الداخلي في حركة فتح، وتفضل حماس انتظار كل هذه المحطات علها تعظم من أوراقها.
ويضيف "جمعة" سببا آخر يدفع باتجاه تكريس الانقسام بين فتح وحماس، وهو أن الإرادة الفلسطينية ليست المحدد الوحيد للمصالحة بين فتح وحماس، فالدول العربية الفاعلة ليس لديها رغبة حقيقية في إتمام مصالحة تقوم على أساس صحيح، وكل ما يهم هذه الدول هو تعويم الأزمة، وليس حلها جذريا، وعندما تتحدث هذه الأطراف عن الحوار فهي تقصد معنى محددا وهو ضمان التمديد للرئيس عباس، واستمرار التهدئة، وعدم رفع الحصار، والتوصل إلى صفقة للإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت.
ويرى "جمعة" أن المصالحة الحقيقية تتمثل في إطلاق مقاومة بالمعنى الشامل، وليس بالمعنى العسكري فقط، في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، ضد الحواجز وضد الاستيطان، وأي مصالحة تقوم على غير ذلك لتحاول توزيع الأدوار ستبدو كأنهانوع من العبث.
|