|
| الأطفال والنساء شكلوا نسبة كبيرة من ضحايا القصف الإسرائيلي. |
القاهرة - أكد خبراء في القانون الدولي إمكانية محاكمة القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين أمام محاكم إقليمية ودولية، على جرائم الحرب التي ارتكبوها، وآخرها مجزرة غزة المستمرة منذ السبت الماضي مخلفة 405 شهداء ونحو ألفي جريح، منتقدين "تهاون الحكومات العربية وعدم توافر الإرادة اللذين يعرقلان هذه المحاكمات".
د. عبد الله الأشعل، المساعد السابق لوزير الخارجية المصري، أكد لـ"إسلام أون لاين.نت" أن "أركان جرائم الحرب - كما وردت بنظام روما واتفاقية إبادة الجنس واتفاقيات جنيف الأربعة- متوافرة في القادة الصهاينة، من حيث القتل المتعمد للأطفال والنساء، وضرب أهداف مدنية عمدا مثل سيارات الإسعاف والمساجد ومخازن الطعام والوقود وغيرها من الأهداف المحمية بالقانون الدولي الإنساني ويشكل استهدافها جرائم حرب".
وكشف الأشعل أن "إسرائيل قدمت شكوى الثلاثاء 30-12-2008 للأمين العام للأمم المتحدة ضد قادة حماس متهمة إياهم بتهديد سكان إسرائيل بصواريخهم (الإرهابية)، بينما تهاونت الدول العربية، ولم تتحرك لا إقليميا ولا دوليا لإدانة إسرائيل قانونيا، حتى ولو أمام المحاكم الأوروبية والأمريكية التي تقبل مثل هذه القضايا".
ونفى الأشعل اعتبار ما تفعله حماس "جرائم حرب وفق مقاييس القانون الدولي"، مؤكدا أنها "مقاومة مشروعة ورد فعل على حمامات الدم الصهيونية لا يرقى لحد خربشة الاحتلال".
ونوه الأشعل إلى أن "الحكومات لم تكتف بالتهاون في رفع هذه الدعاوى أمام محاكم غربية ودولية فقط، وإنما تعمل على عرقلتها أمام محاكمها المحلية عبر الدفع دوما بعدم اختصاص هذه المحاكم، أو تجاهل الأحكام الصدارة منها وحفظها وعدم التحرك للمطالبة بمثول الصهاينة أمام المحكمة".
وحدد "الأشعل" الجهات التي يمكن تقديم مذكرات محاكمة واعتقال عن جرائم الحرب الإسرائيلية أمامها في ثلاث جهات، هي: المحاكم المحلية العربية، والمحكمة الجنائية الدولية عبر تحريك المدعي العام للمحكمة الدعوى بناء على شكاوى عربية، وأخيرا المحاكم الأمريكية والأوروبية العادية.
المحاكم الأوروبية مفتوحة
وركز السفير المصري السابق على الفرصة المتاحة في الجهة الأخيرة (الأوروبية)، مستشهدا برفع دعوى ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "إريل شارون" بمحكمة بلجيكية عام 2001 لمحاكمته على جرائمه، التي بذلت من أجلها الحكومة الإسرائيلية جهودا ضخمة لعرقلتها.
كم استشهد بقرار محكمة بريطانية بإلقاء القبض على الجنرال "دورون ألموغ" القائد السابق للمنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، إثر دعوى رفعها ضده المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، اتهمه فيها بارتكابه جرائم حرب في غزة، خلال مجزرة حي "الدرج" في 15-7-2002، وأسفرت عن استشهاد 15 فلسطينيا، بينهم 9 أطفال، وتراجع بسبب هذه الدعوى الجنرال ألموغ عن زيارة لندن خوفا من القبض عليه.
وشدد الأشعل على أنه "يمكن محاكمة القادة الصهاينة السياسيين والعسكريين وحتى الجنود لو عرفت أسماء من شاركوا في جرائم حرب بغزة؛ لأن المحاكمة فردية، ما سيحول حياة هؤلاء المجرمين لجحيم إذا صدرت ضدهم أحكام؛ لأنهم سيصبحون مطلوبين في العديد من الدول لسجنهم".
واتفق معه خبير القانون والعلاقات الدولية د. السيد مصطفى أبو الخير، مؤكدا أن "هناك طرقا عديدة للمحاكمة، خصوصًا في أوروبا، حيث صدر مثلا قانون في بلجيكا عام 1993 يسمح بمحاكمة كل مشتبه فيه بارتكاب جرائم حرب، سواء ارتكبت في بلجيكا أو خارجها، حتى لو لم يكن بلجيكيا، وبموجبه جرت محاكمة أربعة من كبار العسكريين السابقين في رواندا، ورفعت دعوى ضد رئيس ساحل العاج، وثالثة ضد شارون".
وحث أبو الخير الشعب الفلسطيني -حكومة وشعبا ومنظمات وفصائل مقاومة - والدول العربية - حكومات وشعوبا ومنظمات - على ممارسة هذا الحق.
الجنائية الدولية ممكنة أيضا
وأكد أبو الخير الذي أعد دراسة موثقة عن إمكانية محاكمة إسرائيل وقادتها وفقا للقانون الدولي أن أركان دعوى جرائم الحرب ضد إسرائيل مكتملة، مضيفا: "حتى لو استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو بمجلس الأمن ضد تشكيل محكمة دولية لمحاكمة قادة إسرائيل فإنه يمكن اللجوء إلى قرار الاتحاد من أجل السلم الذي صدر في 3/11/1950، وأعطى الجمعية العامة للأمم المتحدة سلطة النظر في الأمر مباشرة وإصدار التوصيات اللازمة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، إذا أخفق مجلس الأمن في ذلك بسبب عدم إجماع الدول الدائمة فيه".
وتابع موضحا: "أركان جرائم الحرب وفق القانون الجنائي الدولي تتوافر فيما تفعله إسرائيل بغزة وفلسطين عامة، ومنها جريمة الإبادة الجماعية (قتل الأفراد وإهلاك الجنس الفلسطيني كليا أو جزئيا)، والجرائم ضد الإنسانية (القتل الجماعي على نطاق واسع)، وجرائم الحرب (استخدام أسلحة ممنوعة دوليا كالقنابل الارتجاجية والعنقودية وضرب المستشفيات والتدمير المتعمد للمدن أو البلدات)، وجريمة العدوان (استعمال القوة المسلحة وغيرها)".
وذكر أبو الخير عدة أسباب تعرقل هذا النوع من المحاكمات من أبرزها:
1 - عدم توافر الرغبة والإرادة الحقيقية فيمن يملكون استخدام هذا الحق قانونا (الدول العربية والسلطة الفلسطينية).
2 – التواطؤ العالمي والإقليمي والمحلي على عدم استعمال هذا الحق من الدول والمنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
3 – الضغوط الدولية على من يملكون هذا الحق التي وصلت للتهديد العسكري.
4 - النفوذ الصهيوني الهائل على المستوى الدولي، وخاصة في وسائل الإعلام العالمية التي تظهر جرائم إسرائيل بأنها دفاع شرعي ضد ما يسمونه "الإرهاب الفلسطيني".
5- تحجج البعض بعدم توقيع إسرائيل على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن هذا لا يسقط عنها مسئولية هذه الأفعال التي تجرمها بنود الاتفاقيات الدولية والقانون والعرف الدوليين فيما يعرف دوليا بمصطلح "الاتفاق التعاهدي".
واستطرد خبير القانون الدولي: "هذه جرائم لا تسقط بالتقادم، ويظل مقترفوها مطلوبا محاكمتهم مهما طال الزمن، ويحق لأي دولة معاقبتهم متى وجدوا على أرضها، بغض النظر عن مكان ارتكاب هذه الجرائم أو جنسية من قاموا بها أو ضحاياها".
ولفت إلى "استناد إسرائيل لنفس القوانين الدولية عندما اختطفت القائد الألماني النازي "أيخمن" وقدمته للمحاكمة وحكمت عليه بالإعدام عام 1962، قائلة إن تحت يدها التبرير الكامل لوصف ما قام به المتهم والنظام الذي كان يعمل لخدمته من جرائم ضد الإنسانية، خاصة ضد المدنيين من اليهود الأبرياء".
وأشار أبو الخير إلى أن "مبدأ المسئولية الجنائية الفردية الذي أقرته المادة (227) من معاهدة فرساي لعام 1919، كأحد مبادئ القانون الدولي، وطبق عمليا بحق مجرمي الحرب الألمان واليابانيين، هو نفس ما يستند إليه لإدانة الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع؛ لأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي حوكم بموجبها مجرمو الحرب في نورمبرج وطوكيو هي نفس الجرائم التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، والتي تستوجب محاكمة القادة والمسئولين الإسرائيليين لمسئوليتهم الجنائية الفردية عن الجرائم التي يمارسونها".
أين المحاكم العربية؟
وفي السياق ذاته تساءل أبو الخير عن سبب عدم إصدار جامعة الدول العربية قانونا بشأن تشكيل محكمة جنائية لمحاكمة قادة إسرائيل طبقا لما سبق من اختصاص عالمي، مؤكدا أنه "يمكن لمنظمة المؤتمر الإسلامي أن تفعل ذلك، ويمكن للدول العربية والإسلامية فرادى أو جماعات أن تصدر قوانين لمحاكمة الاحتلال الإسرائيلي، بيد أن ذلك لن يتم إلا إذا توافرت الإرادة الحقيقية والرغبة الصادقة لعمله".
يذكر أن مجلس الجامعة العربية طالب على مستوى وزراء الخارجية بتشكيل محكمة جنائية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين عام 2001، وهو ذات ما أكد المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العدل العرب عزمه على القيام به، بيد أن أيا من هذه المبادرات لم تجد طريقها للتنفيذ.
من جهته طالب أسعد فرحات القيادي بحركة المقاومة الإسلامية "حماس" كلا من الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية "لويس أكامبو" بـ"ملاحقة المجرمين الصهاينة، وتحمل مسئولياتهما تجاه الجرائم المنظمة التي تقترفها سلطات الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني الأعزل".
وحثَّ أسعد البرلمانيين العرب والغربيين المتضامنين مع الشعب الفلسطيني على "التحرك الفوري لسن التشريعات وتقديم مشاريع القوانين اللازمة لمحاكمة المسئولين الصهاينة عن جرائم الحرب هذه، وفقـا لالتزاماتهم التي تفرضها اتفاقيات جنيف".
بدوره اعتبر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة "حربا مفتوحة بحق المدنيين"، مطالبا الأطراف الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة بالوفاء بالتزاماتها الواردة في المادة 146 من الاتفاقية بملاحقة المتهمين باقتراف مخالفات جسيمة لها".
وفي أول استجابة لتلك النداءات شكلت إيران الثلاثاء الماضي محكمة لمحاكمة إسرائيليين عن هجمات غزة، وقال علي رضا جمشيدي، المتحدث باسم القضاء الإيراني: إن "إيران مستعدة لئن تحاكم غيابيا من ترى أنهم ارتكبوا جرائم حرب في غزة، وقد تشكلت هذه المحكمة بناء على معاهدة الأمم المتحدة لعام 1948 لمنع الإبادة الجماعية والتي وقعت عليها إيران".
وطالب "جمشيدي" الفلسطينيين المتضررين من العدوان الإسرائيلي في غزة برفع دعاوى قضائية أمام المحكمة الإيرانية، منوها إلى أن رئيس الهيئة القضائية آية الله محمود هاشمي شاهرودي يرسل حاليا خطابات إلى نظرائه في كل الدول الإسلامية ليتعاونوا مع المحكمة.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|