|
| في المحاكم اجراءات معقدة ومعاناة لا تنتهي |
تضطر الأرملة لدخول المحاكم رغما عنها، تارة لقيد نفسها في قائمة الورث وتارة باحثة أو مدافعة عن حق لها قد تحصل عليه بعد سنوات من المعاناة وقد لا، ورغم حاجتها المادية الشديدة بعد وفاة زوجها، فإن بريق المال أحيانا قد يعمي أبصار أقرب المقربين من أهل الزوج المتوفى ويطمس قلوبهم، فيعمدون لحرمانها هي وأبنائها من ميراثهم الشرعي الذين هم في أمس الحاجة إليه، وقد يصل بهم الأمر إلى إنكار نسب أبنائهم، حتى أصبحت هذه القضايا من أبرز ما تشهده محاكم الأحوال الشخصية، إضافة لقضايا أخرى ثانوية يثيرها محامي الأهل لإطالة أمد التقاضي نكاية بها، مما يوقع ظلما فادحا بصاحبة الحق ويزيد من معاناتها ويضعف موقفها أمام ظالمها.
فأول ما يتعين على الأرملة القيام به، فور انتهاء أيام العزاء الثلاثة، هو اصطحاب أولادها وبناتها إن وجدوا، واثنين من أقاربها أو معارفها إلى أقرب محكمة مختصة لاستصدار إعلام الوراثة، حتى تستطيع بموجبه الحصول على حقها بمعاشها عن زوجها المتوفى، ونصيبها مما قد يكون قد ترك من أموال.
وهناك تضطر للانتظار ساعات طويلة.. حيث اعتاد القضاة ترحيل إعلام الوراثة باعتباره أمرا هامشيا لحين فراغهم من الفصل في القضايا المعروضة عليهم في نهاية "الرول" (أجندة القضايا)، ويطول الانتظار بالأرملة -التي ربما لم تر المحاكم من قبل إلا على الشاشات الفضية- إما وقوفا محشورة في غرف ضيقة رديئة التهوية لا يتوافر بها أدنى وسائل للراحة، أو جلوسا على الدرك جنبا إلى جنب مع المذنبين ومعتادي الإجرام، كما تضطر لتحمل مضايقات عمال البوفيه وسماسرة المحامين إذا لم يكن برفقتها محام رغم عدم حاجتها له.
الزوجة آخر من يعلم
وغالبا ما تمر هذه الخطوة بسلام رغم المعاناة وتعقيد الإجراءات الروتينية التي تستمر شهورا طويلة، إلا في بعض الحالات التي تفاجأ فيها بما لم يكن في الحسبان.. حيث تبين "لفتحية السيد" أن زوجها متزوج بأخرى، ولديه منها أولاد لم تكن تعلم عنهم شيئا، لولا أن انكشف المستور بوفاته.. تقول: "ظننت في بادئ الأمر أن هناك خدعة أو أنها دعابة ثقيلة، ولم يكن أمامي مفر من الاعتراف بالواقع، فقد ظل زوجي محتفظا بهويته الشخصية ولم يستخرج هوية عائلية، مما أتاح له الزواج بأخرى دون أن يعلمني بذلك حسبما يقضي القانون.
ويؤكد "ناصر عبده" المحامي أن شهادة الشهود وحدها لا تكفي، ويدعو لاستخراج إعلام الوراثة بمعرفة السجل المدني بموجب بطاقات الهوية والسجلات الرسمية، خاصة بعد العمل بنظام الرقم القومي، وإقامة موقع إلكتروني على الإنترنت لتسجيل بيانات الورثة ونشر إعلام الوراثة ، مما يتيح للكافة قيد أنفسهم والاطلاع على إعلام الوراثة، مما يساعد على تسهيل الإجراءات ويحد من مجهولية أحد الورثة الذي ربما كان مقيما بالخارج ولا يعلم بوفاة مورثه، مما يمنع التلاعب بتجاهل فرد أو مجموعة من الورثة عمدا أو سهوا أو جهلا من قبل الباقين، وهو الأمر الذي يساعد على تحقيق أكبر قدر من المصداقية بإعلام الوراثة ريثما يؤدي ذلك إلى سرعة الفصل بالقضايا، حتى لا تظل التركات وغيرها من الحقوق مجمدة أو بحوزة مغتصبيها لحين الفصل بالقضايا المعلقة.
ألاعيب شيحة
وتتوالى معاناة "إبتسام عبده" مع "ألاعيب شيحة" كما يحلو لها أن تسميها وتقول: "قسم أهل زوجي الأرض والتركة وتجاهلوني أنا وصغاري، وعبثا حاولت التفاهم معهم فاضطررت للطعن على إعلام الوراثة الذي قسموا بموجبه التركة، واستخرجت إعلام وراثة جديدا ورفعت قضية ميراث، فرفعوا دعوى يدعون فيها أن زوجي طلقني قبيل وفاته، واستعانوا بشهود زور لإخراجي من قائمة الورثة، فقدمت للمحكمة شهادة الوفاة التي تثبت أن زوجي مات على فراش الزوجية، وأكد كلامي الشهود الذين شهدوا بخروج جنازته من منزله مما يقطع بكذب ادعائهم".
وتتابع:"إلا أنهم استأنفوا الحكم الصادر بصحة زواجي، ولما رفض الاستئناف هددوا بأنهم سيرفعون دعوى إسقاط نسب أولادي لأبيهم، فسارعت برفع قضية إثبات نسبهم بموجب شهادات ميلادهم، فرفعوا دعوى لإثبات زواجه بأخرى واستخرجوا إعلام وراثة جديدا يشمل الزوجة المدعية، إلا أن المحامي فطن للعبتهم الجديدة وتقصى الأمر بالبلدة حتى علم أنهم استخرجوا شهادة تحديد سن لفتاة قاصر تلميذة بالصف الأول الابتدائي، وزوجوها للمتوفى بتاريخ لاحق على الوفاة، فسارع بتقديم صورة رسمية من شهادة ميلاد البنت، وما يثبت تلاعبهم بتزويجهم الفتاة بالمتوفى فأسقط في أيديهم وعرضوا الصلح وتسوية المسألة".
ولكنهم سرعان ما نكصوا على أعقابهم وحاولوا إخفاء حقيقة مساحة الأرض وبعض عناصر التركة، مدعين أن جد الأولاد -مالكها الأصلي- كان قد تصرف ببعضها بالبيع حال حياته، وتوالت القضايا التي رفعها أناس بالبلدة بإيعاز منهم لإثبات صحة تاريخ ونفاذ عقود بيع ابتدائي منسوبة زورا لجد الأولاد، وكل منها يأخذ نفس درجات التقاضي إلى نهاية الشوط، وأراد الله أن يفضحهم حيث كانت العقود كلها ببصمة مخالفة لبصمة الجد التي تم الحصول عليها من السجلات الرسمية من ناحية، ووجود حيازة للأرض بالجمعية الزراعية باسم ورثته مما يقطع بعدم بيعه لها من ناحية أخرى، ولما استقر الأمر على ما فشلوا في تسريبه من التركة، بدأت المرحلة الثالثة وهي مرحلة التقسيم (الفرز والتجنيب)، حيث يسعى كل طرف للحصول على الجزء الذي تم ضمه لكردون المباني، وتؤجل القضايا مرات تلو المرات انتظارا لرأي الخبير الذي كلما انتهى من إعداد تقريره، يظهر عنصر جديد يستلزم إعادة التقييم و"دوخيني يا لمونة"، وإلى الآن وبعد انقضاء سنوات داخل أروقة المحاكم، لا أعلم متى سأحصل على حقي وحق أولادي بأرض أبيهم وجدهم.
وتحتسب "زينات داوود" الظلم الواقع عليها وعلى ابنتها حيث طعن أعمامها في صحة نسبها لأبيها، وقدموا تحاليل طبية تثبت عدم قدرته على الإنجاب، متناسين رحمة الله حيث اقتضت مشيئته أن ينجب بالتلقيح الصناعي، تقول: رغم أن القضاء العادل أنصفني فإن صيغة الحكم شابها الكثير من العور وتضمنت الكثير من المهانة والمذلة لي ولابنتي ولزوجي المتوفى، إذ ألحقت نسب البنت للفراش الأمر الذي يحتمل معه كونها من صلب أبيها فعلا أو رضاه بإلحاق نسبها إليه رغم كونها ليست من صلبه، وهذا أعتبره طعنا في شرفي وكرامة زوجي.
وخوفا من أن تعير الابنة بذلك الحكم عندما تكبر، تطالب الأم بتعديل صيغة الحكم لتتضمن تأكيدا بأن البنت من صلب أبيها المتوفى عن زواج صحيح شرعا، وليست مجرد ملحقة به أو بفراشه.
بينما آثرت "اعتماد الشيمي" حضانة أولادها على حقها بالميراث بعدما هددها أهل الزوج بمنازعتها حضانتهم، وأوهمها محامي الخصم بقدرته على الادعاء عليها بأنها متزوجة بعقد عرفي، أو الاستعانة بشهود زور يقرون بسوء سمعتها، أو تلفيق محضر آداب ليثبت بالمحررات الرسمية سوء سلوكها، فآثرت السلامة أمام هذه التهديدات ورضخت لمطالبهم خشية أن تحرم من أطفالها.
نصاب بدرجة محام
أما "سعاد ماهر" فقد أوقعها حظها العاثر في براثن نصاب محترف بدرجة محام، استغل براءاتها وجهلها بالقوانين فحصل منها على توكيل عام استولى به على كل أملاكها وأرصدتها بالبنوك، ولم يكتف بذلك بل استغل اسم عائلتها الكبير في الاستيلاء على أراض مملوكة للدولة بطرق احتيالية، وحصل على قروض من البنوك وجمع مقدمات من راغبي السكن المتميز بمشروعه الوهمي وفر بغنيمته، لتجد نفسها مهددة بالسجن ومطالبة بسداد ما استولى عليه باسمها من أموال البنوك ومقدمات الشقق والفيلات المحجوزة.
أيضا "أمل محروس" الأرملة الجميلة ذات الحسن والثراء، وقعت هي الأخرى في براثن نصاب محترف استطاع بطلاوة حديثه وأسلوبه الناعم وإطرائه على جمالها وذوقها الرائع في اختيار ملابسها وتسريحة شعرها أن يجذبها إليه ويوقعها في حبائله، حتى وافقت على الزواج منه سرا وبعقد عرفي، ريثما يستطيع تدبير أموره مع زوجته وأم أولاده كما يدعي، ولكن لم يمض شهر العسل حتى كانت الأرملة قد فقدت كل شيء.. سمعتها وكرامتها ومن قبلهما ميراثها الكبير عن زوجها الراحل، ولم يتبق لها سوى الندم والحسرة على ما فات.
دورات للتوعية
تؤكد "عزة سليمان" رئيس مجلس إدارة مركز قضايا المرأة المصرية أن انتشار الأمية بشقيها الحقيقي والثقافي، والجهل بالنظم والقوانين المعمول بها في البلاد غالبا ما يكونان العامل الأساسي في إجحاف حقوق الأرملة، فهي في الغالب لا تعلم ما هي حقوقها وما هو نصيبها بالميراث والمعاش الذي كفله لها الشرع قبل القانون، ولا حقها في كفالة المجتمع ممثلا في الأجهزة الرسمية والمؤسسات الأهلية لها ولأولادها إن كانت من المعوزين وأصحاب الحاجات، وحتى إن علمت بعض حقوقها فهي لا تعرف كيفية الحصول على هذه الحقوق؛ ولذا يقوم المركز بعقد دورات محو أمية وتثقيف وتوعية للسيدات بحقوقهن، ومساعدتهن في استيفاء الأوراق والمستندات اللازم التقدم بها للحصول على حقوقهن، والتي تبدأ في كثير من الحالات باستخراج بطاقات هوية لمن لا تحمل بطاقة منهن، وسحب الأوراق من الجهة المختصة، وإرشادهن لكيفية تحرير البيانات المطلوبة وملء الاستمارات نيابة عن الأميات منهن وتقديمها بعد استيفائها للجهات المختصة، وكذلك تمثيلهن أمام المحاكم والجهات الرسمية مجانا، ومساعدة الجهات البحثية في عمل المسوح الاجتماعية في كل ما يهم المرأة من قضايا.
صحفي مهتم بالشأن الاجتماعي.
|