English

 

الأربعاء. ديسمبر. 31, 2008

حواء و آدم » أب وأم

 
   
روابط من إسلام أون لاين

أبناء الشهداء .. وحلم الأم بحياة طبيعية

إكرام أبو عيشة

Image

أحلام الطفلة "لميس القريني" 13عاما، لم تكن كأحلام بقية الفتيات من عمرها، فهي لم تتمن أن تصبح معلمة أو طبيبة، ولم تسافر بأحلامها بعيدا، ولكنها تحلم برؤية شخص تشتاقه كثيرا، وتتمنى لو بقي بينهم فترة أطول؛ لتعرف أكثر عن حنان الأب الذي فقدته وهي في سنين عمرها الأولى.

"لميس" واحدة من كثير تسبب الاحتلال الإسرائيلي بيتمهن، فأثناء توجه والدها إلى عمله أطلقت قوات الاحتلال النار عليه فأردته قتيلا في الحال.. لم تكن تعرف أن هناك من لا يرحم الخوف بعيون الأطفال، ولم تدرك أيضا أن أحلام الصغار قد تزعج الكبار، تقول ببراءة تملأ عيونها، وحزن عميق يخدش ابتسامتها: "أنا لا أملك الكثير من الأحلام.. كل ما أحلم به هو عودة والدي إلى البيت.. لو حصل ذلك فسأقول له إني أحبه كثيرا".

لكن الآلة العسكرية الإسرائيلية وقفت بين "لميس" وكلمات بسيطة تمنت أن تقولها لوالدها قبل رحيله.

البكاء لن يعيده

ووقوفنا على قصة "لميس" يرفع الستار عن معاناة شريحة كبيرة من أطفال أرامل فلسطين، تجرعوا مرارة اليتم في سني عمرهم الأولى، لكنها حاولت من بينهم الهروب من واقع صعب تعيشه، فهي لا تشارك زميلاتها في الحديث عن والدها، كما أنها ترفض الحديث عن حادثة استشهاده وتقول: "أحاول الاستمرار في حياتي بشكل طبيعي؛ لأني أريد أن أعيش كل فرحة في حياتي دون أن يبددها أي حزن، وبالرغم من محاولاتي إلا أنني أتذكر لوالدي الكثير من المواقف، ومع ذلك أتجنب البكاء؛ لأنه لن يعيد أبي مرة أخرى".

تقول "أم سلمى" أرملة وأم لأربعة أبناء: تصلنا مساعدات مادية كثيرة، خاصة في المناسبات والأعياد، وأنا أشكر من يقدمون لنا المساعدة، لكن المادة ليست كل شيء، فهي لا تعوض عن حنان الأب والزوج المفقود، ولا عن فرحة وجوده بيننا كبقية الأسر الأخرى، ولا يمكن لأحد أن يدرك معنى اليتم والحرمان إلا من جرب ذلك، وما يزعجني فعلا هو إظهار الآخرين تعاطفهم مع أبنائي بشكل مبالغ فيه، وأُفَضِّل معاملتهم لهم بطريقة طبيعية؛ لأنهم يشعرون بالراحة عندما يكونوا مثل بقية الأطفال في مثل عمرهم .

على موعد قريب

أما الطفلة "شهد" (9 سنوات) فهي ترفض الاستسلام لواقع رحيل والدها عنها، وهي في الرابعة من عمرها، وتصمم على أنها سترى والدها بعد استشهاده في موعد قريب، وترى أن هذا الموعد سيكون يوم القيامة، وتتابع: "عندما أراه سأريه شهاداتي المدرسية، وأقول له إنني أحصل على الترتيب الأول دائما".

رصاص الاحتلال الإسرائيلي كان أسرع من "شهد" ليخترق جسد والدها "خالد النمروطي" الذي قضى شهيدا تاركا خلفه زوجة وثلاثة أطفال، أكبرهن كانت تبلغ من العمر أربع سنوات.

 تقول "سناء النمروطي" أرملة الشهيد: في البداية تقبلت الأمر بصعوبة، فكنت عاجزة عن استيعاب ما حدث؛ مما أثر على نفسيتي بشكل كبير، وكنت أتجنب ذكر أي شيء يتعلق بخالد أمام شهد؛ لأني لاحظت أنها أصبحت عصبية، كما أنها لم تعد تستجيب لمن حولها.

وتضيف: "في المناسبات والأعياد كنا نشعر بفراغ كبير نتيجة رحيل خالد، خاصة أنني كنت أعتمد عليه في كل شيء، كما أنه كان يعطي هذه المناسبات بهجة خاصة.. فقدناها بعد رحيله".

ورغم كل الصعوبات التي واجهت "سناء" فإنها وجدت أن هناك ضرورة لمتابعة دورها في بيتها كأم وأب لطفلاتها الثلاث؛ لذلك بدأت بالاعتماد على نفسها، وحاولت جاهدة أن تبتعد بـ"شهد" عن جميع الأمور التي قد تؤثر على نفسيتها نتيجة فقدها لوالدها، كما أنه أصبح من الواجب عليها إعالة أسرتها.. تقول سناء: "الخروج للعمل كان تجربة جديدة وصعبة بالنسبة لي، فأنا لم أكن أعمل قبل استشهاد زوجي، ولكن مع الأيام أدركت أن هذا ابتلاء من الله، ومن الواجب مواجهة ظروفي بشكل إيجابي والتأقلم معها، إلا أن هناك بعض الأمور لم أعتد عليها بعد".

وتؤكد سناء أنها تشعر بالقلق حيال الوضع النفسي لطفلاتها الثلاث، خاصة أن جميع الدراسات بهذا الشأن توضح مدى الأثر السلبي الذي تتركه الأوضاع الصعبة في الأراضي الفلسطينية على نفسيات الأطفال، ويعد قلق سناء حيال هذا الموضوع مبررا؛ لأن غياب الأب في مرحلة مهمة من مراحل حياة الطفل يؤدي إلى وجود مشكلة نفسية لديه، وتبدأ أعراض هذه المشكلة بالظهور لدى الطفل فور سماعه بحادثة الاستشهاد أو مشاهدته لها.

مشكلة وعلاج

عن هذه المشكلة تقول الدكتورة "رسمية عبد القادر"، أستاذ علم النفس جامعة النجاح الوطنية: من أهم المشاكل النفسية التي تواجه الطفل نتيجة فقده أباه، خاصة في السنوات الخمس الأولى من عمره، هي الميل إلى العزلة، والخوف من تكرار الصدمات، والشعور بالذنب، والقلق من تعرض الآخرين للأذى، وأخيرا التمرد والعصيان.

وتضيف أستاذة علم النفس أن مفهوم الموت يختلف من طفل إلى آخر، ويعتمد ذلك على عمره وخبرته عن الموت، كما أن مظاهر التأثير أيضا تختلف في طفل عن الآخر، فبعض الأطفال يشعرون أنهم السبب في حادثة الموت أو الاستشهاد.

وتشير إلى أن هناك خطوات متبعة لعلاج الأطفال الذين يعانون من هذه المشاكل؛ نتيجة تعرضهم لفقد آبائهم فتقول: "نستطيع معالجة الطفل من خلال إشراكه في مظاهر العزاء، ومعاملته بحنان، وإتاحة الفرصة له للتعبير عن مشاعره، وتوضيح سبب الموت الحقيقي له، ونؤكد له أنه غير مسئول عن حادثة الموت، ويمكن تشجيعه على إكمال حياته بشكل طبيعي، ونسمح له بالحديث عن ذكرياته مع والده، كما نسمح له أيضا بالاحتفاظ بصورة له إذا أراد ذلك".

وتعلق "رنا النوري" المرشدة الاجتماعية على هذا الموضوع قائلة إن هناك اختلافا في الأعراض التي تظهر على الأطفال الفاقدين لآبائهم؛ بسبب حادثة الاستشهاد، وتبعا لذلك تختلف فترات العلاج، والاختلاف ينتج عما إذا كان الطفل قد شاهد حادثة الاستشهاد أم تم إخباره من قبل أحد أقربائه، فيشعر بعدم الأمان، خاصة إذا كان متعلقا بوالده، كما تتشكل لديه غريزة العدوانية والانتقام نتيجة الصدمة التي تعرض لها.

وتنصح كل أم في هذا الموقف بمعالجة مشكلة الطفل من خلال جلسات الاسترخاء، والسماح له بالتعبير عن مشاعره لاسيما من خلال الرسم، وإشعاره بأن الأسرة جميعها تعيش الوضع معه.

وتضيف: هناك الكثير من الحلول المقترحة لمعالجة الآثار النفسية السلبية التي يتركها الاحتلال الإسرائيلي على نفسية أبناء فلسطين نتيجة حرمانهم من حنان الأب في مرحلة حرجة في حياتهم، إلا أن المشكلة تبقى قائمة لدى الأطفال مع وجود السبب الرئيسي لها، وهو وجود الاحتلال الإسرائيلي مع غياب المبادئ الإنسانية من ذهن السياسة الإسرائيلية التي تفتح النار على كل فلسطيني يتحرك، حتى لو كان في طريقه إلى عمله؛ ليجلب رغيف خبز لأطفال لا ذنب لهم سوى أنهم فلسطينيو الوطن والنشأة.


 صحفية فلسطينية من مكتب النجاح بنابلس

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم