|
| محرقة غزة.. اختبار حقيقي لمحور الممانعة |
تحت وطأة القذائف الإجرامية على قطاع غزة كان تركيز الاحتجاجات والتنديد والمطالب الشعبية كبيرا على مصر بالذات ومن خلالها على ما يسمى "محور المعتدلين" في الساحة العربية، أو ما سمي لفترة من الزمن على الأقل الرباعية العربية التي تضم إلى جانب مصر كلا من السعودية والأردن والإمارات.
وبلغ هذا التركيز درجة أزعجت المسئولين في مصر تخصيصا؛ فاعتبروا الاحتجاجات موجهة إلى "العنوان الخاطئ"، وليس هذا صحيحا، فلولا الموقف المعادي للمقاومة عموما، ولحماس تخصيصا، بل تحميلها علنا قسطا من المسئولية عن تعرض غزة للهمجية العسكرية الإسرائيلية، إضافة إلى الحصار الهمجي الإسرائيلي - العربي، لما كان هذا التركيز الواضح للعيان.
ولكن مطالبة الدولة الأكبر عربيا بسياسات أخرى غيب السؤال عما يسمى محور المقاومة والممانعة، وعما صنعته أو تصنعه الأطراف المعنية فيه، وقد أصبح أضعفها تسلحا معرضا مع الشعب الذي يحتضنه إلى "حرب جوية" لا يملك أي معدات دفاعية للتخفيف من شدتها وآثارها التدميرية.
محور.. تفاجئه الأحداث
منذ الحرب الإسرائيلية العدوانية الخاسرة ضد لبنان انتشرت التوقعات أن الساسة والقادة العسكريين الإسرائيليين سيعملون على ترميم ما لحق بهم من "عار" الهزيمة تجاه المقاومة، وما سببته من خلل في ميزان القوى العتيق تحت عنوان: "تفوق عسكري إسرائيلي"، بمغامرة عسكرية تدميرية أخرى، بعد إعداد سياسي وعسكري جديد لها، وظهرت في هذه الأثناء عوامل عديدة كانت تؤكد أن العدوان العسكري الإسرائيلي وشيك، وأن قطاع غزة بالذات سيكون المستهدف به، ومن هذه العوامل:
1- ما لحق بالولايات المتحدة الأمريكية عسكريا وسياسيا ثم ماليا واقتصاديا وأدى إلى استبعاد القيام قبل رحيل بوش الابن بعمل عسكري أمريكي أو إسرائيلي مدعوم أمريكيا ضد إيران، الحلقة الأكبر فيما يسمى محور الممانعة والمقاومة.
2- تطور أوضاع المصالحة في لبنان بوساطة قطرية، واستبعاد تكرار المغامرة العسكرية ضد لبنان بحجة ضرب المقاومة ومنظمة حزب الله تحديدا، في الوقت الحاضر على الأقل، لاسيما مع التخوف من عدم اقتصار صدام عسكري جديد على الأرض اللبنانية مرة أخرى.
3- تطور العلاقات السورية - اللبنانية، وبالتالي السورية - الأوروبية بدعم فرنسي، واستبعاد القيام بعمل عسكري إسرائيلي كبير - كان مرجحا - ضد سوريا، والشروع بدلا من ذلك في مفاوضات ثنائية عبثية غير مباشرة بوساطة تركية.
4- التخلي العربي الإقليمي شبه المطلق عن شعب فلسطين في قطاع غزة، تارة بحجة الانقسام الفلسطيني، وتارة أخرى بحجة التزامات باتفاقات دولية (!) وفي حالة مصر باتفاقات باطلة مع العدو الإسرائيلي، مما جعل الحصار الإجرامي يستمر زهاء عامين دون كسره عربيا، فبات ذلك "ضمانا" مسبقا أن القيام بعمل عسكري ضد شعب فلسطين في القطاع لن يجد عربيا سوى الشجب والاستنكار التقليديين.
5- مع ظهور حتمية سقوط الحكومة الإسرائيلية المسئولة عن الهزيمة في لبنان وبقاء رئيسها في السلطة تحت طائلة المحاسبة القضائية على الفساد بعد رحيله عنها، ومع تقديم موعد انتخابات إسرائيلية وحاجة أقطابها كالمعتاد إلى الصراع على المسئولية عن إهراق "دماء الضحايا" لرفع نسب "تأييد الناخبين"، بات موعد القيام بعمل عسكري قابلا للتقدير أيضا من جانب كادر الخبراء السياسيين و"الإستراتيجيين"، الذين لم تغب وجوههم عن الشاشة الصغيرة إلا نادرا، كلما اقتضت الحاجة إلى الدفاع عن هذا الموقف أو ذاك، من مواقف المسئولين في السلطة، في سوريا وإيران تحديدا.
محور.. دون تنسيق
إن المقاومة الفلسطينية، لاسيما في قطاع غزة، هي الحلقة الرابعة الأضعف نسبيا فيما يوصف بمحور المقاومة والممانعة، وربما كانت وحشية الحرب وغاراتها الأولى مفاجئة، كما ذكر مسئولون من حماس (وما كان ينبغي أن يفاجئهم شيء مهما بلغ التمويه السياسي من جانب الإسرائيليين وسواهم)، ولكن هل كان العدوان بحد ذاته غير متوقع لدى صانعي القرار من الأطراف الأربعة، الممانعة والمقاومة؟!
إن العجز عن استشراف الحدث خطير، وأخطر منه أن يكون منتظرا ثم لا تجري إعدادات كافية للتصرف فور وقوعه، فإذا كان هذا المحور، أو كانت العلاقات التي تربط بين أطرافه الأربعة، بغض النظر عن تسميته محورا، غير كافية من أجل تنسيق المواقف والسياسات، قبل أن يستفحل الخطر، ولمواجهته بصورة مشتركة، بغض النظر عن توزيع الأدوار، وقد أصبح أمرا واقعا، فما قيمة تلك العلاقات إذن؟!
ربما وجدت مبالغة من الأصل في اعتبار محور المقاومة والممانعة محورا، وهو لا يعدو التلاقي في ميادين سياسية وأمنية محددة، بسبب وجود قاسم مشترك في بعض الميادين، على صعيد ما تتعرض له أطراف هذا "المحور" من ضغوط عدائية، دولية وإقليمية.
ربما كان العامل الجغرافي فعلا من العوامل الحاسمة في أن إيران لا تستطيع إرسال سلاح وعتاد إلى المقاومة الفلسطينية، لاسيما عبر سوريا، كما هو الحال مع المقاومة اللبنانية، وربما كان العامل الجغرافي فعلا من العوامل الحاسمة في أن سوريا لا تستطيع "فتح الحدود" مع المقاومة وشعب فلسطين تحت الحصار، على غرار ما كان في التعامل مع منظمة حزب الله أثناء الحرب العدوانية ضد لبنان، ولكن هل تقتصر الإمكانات السياسية وغير السياسية للتفاعل مع حدث من وزن "حرب إجرامية" على إرسال السلاح وفتح الحدود؟!
لم تصدر عن سوريا أو إيران محاولة جادة لكسر الحصار الإجرامي كما صنعت جهات شعبية غير رسمية، دولية وعربية، كما لم يصدر تحذير سياسي رسمي، في سوريا ولا إيران، أثناء الإعداد للحرب العدوانية ضد غزة، ثم لم يصدر حتى موقف رسمي "سريع" بعد اندلاع الحرب، وربما كانت مواقف أخرى، كالموقف التركي، أشد صياغة ومضمونا من جميع ما صدر من مواقف إيرانية وسورية، تواكب بكلمات عامة الغضبة الجماهيرية.
تحالف متفاوت الدرجات
لا شك في القيمة الكبيرة لاحتضان سوريا مكاتب وقيادات تابعة للمقاومة الفلسطينية، ولا شك في القيمة الكبيرة للدعم المالي الإيراني للمقاومة، فلا يستهان بهذا وذاك، كما لا يستهان بدور "الممانعة" سياسيا في عرقلة مخططات تصفية قضية فلسطين من حيث الأساس، ولكن تقدير ذلك لا يمنع من النظرة الموضوعية إلى التعامل مع الحرب ضد غزة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن المسئولين في سوريا كانوا على استعداد للمخاطرة بقطيعة مع دول عربية أخرى رئيسية، على خلفية الحرب ضد لبنان، ألا ينبغي إذن السؤال عن موقفهم أثناء الحصار، ثم عند اندلاع الحرب، وقد اقتصر على إدانات شكلية واحتضان بعض فعاليات "المجتمع المدني" والفعاليات الشعبية؟!
حتى "تعليق" المفاوضات السورية - الإسرائيلية غير المباشرة لم يحمل عنوان "قطعها" من حيث الأساس، ولم يصدر إلا بعد قرار تعليقها من جانب المسئولين في تركيا، راعية تلك المفاوضات، بل قبل أيام معدودة من بدء العمليات العسكرية ضد قطاع غزة صدرت "التلميحات" الرسمية السورية إلى قابلية الانتقال من مفاوضات غير مباشرة إلى المباشرة، وهو ما يعني بالعرف الدبلوماسي أن الطرفين وصلا إلى "أرضية" مشتركة، ويعني بمنظور قضية فلسطين أن سوريا لم تعد تختلف كثيرا عن دول عربية أخرى، ولم تعد بعيدة عن مسيرة "السلام والتطبيع"، بغض النظر عن وضع "المحور الفلسطيني - الإسرائيلي"، وبغض النظر عن تسمية ذلك "سلاما عاديا!" تجنبا لكلمة "التطبيع" المرفوض شعبيا.
لقد كان من الممكن مثلا أن يدعو قادة ما يسمى محور المقاومة والممانعة إلى لقاء رسمي رباعي مشترك، ينعقد على وقع الإعداد الجاري للحرب، ويعمل على تعبئة شعبية واسعة النطاق، ويتخذ من المواقف ما قد "يحرج" الدول العربية المتهمة بالتواطؤ، إحراجا ربما كان له أثره في أن يدفعها إلى بعض التردد.. أو كان يمكن مثلا أن ينعقد مثل ذلك اللقاء رسميا وعلى أعلى المستويات مع اندلاع صوت القذائف على "الشقيق" الرابع في ذلك المحور، فيتخذ من المواقف ما ينذر برفض انفراد العدو بطرف واحد من بين "الشركاء الأربعة"، دون أن يحسب حسابا لأحد، ولو من قبيل التشويش على الحدود، أو التشويش السياسي، أو قطع المفاوضات المباشرة وغير المباشرة وليس تعليقها، أو سوى ذلك مما يفترض أن يضعه السياسيون في حساباتهم في الوقت المناسب، كيلا يخرج مجرى الأحداث السريع عن دائرة تأثيرهم.
ولئن توقع العدو وهو يقتل ويدمر صمت "المعتدلين أو مواقف سلبية صدرت عن بعضهم فوصفت بالتواطؤ، فهل يمكن القبول بمنظور "المقاومة والممانعة"؟ ألا يجد من "غير المعتدلين" سوى الصمت أيضا، أو الإدانات التقليدية التي لا تختلف قيمتها كثيرا عن الصمت الجدير بالإدانة في مثل هذه الظروف؟!
مزايدات مرفوضة وواجبات مشتركة مغيبة
أحداث غزة تفرض قطعا تجنب المزايدات بين الدول العربية والإسلامية، سيان ما هو "العنوان" المرفوع فوق هذا المحور أو ذاك، وكلاهما مصطنع اصطناعا، ولكن تجنب المزايدات لا ينبغي أن يكون ذريعة من أجل تمرير الأسوأ في المرحلة الراهنة:
1- لا يمكن القبول بمنطق وطني أو عربي أو إسلامي أو إنساني بمشاركة طرف عربي أو إسلامي مشاركة مباشرة في إحكام الحصار، كما في حالة إغلاق معبر رفح.. إنما يمكن القبول بالمنطق نفسه بمشاركة طرف عربي أو إسلامي مشاركة "غير" مباشرة في الحصار، كما في حالة الاستعداد للانفتاح الانفرادي على الرغبات الأوروبية دون أن يكون ذلك مقترنا بالمطالبة العلنية الملحة - إن لم يكن باشتراط واضح - بتخلي الاتحاد الأوروبي عن انحيازه في قضية فلسطين على حساب الطرف الضحية المعتدى عليه فيها، لاسيما في مثل قضية الحصار بما له من أبعاد انتهاك القوانين الدولية والاعتبارات الإنسانية جميعا.
2- وإذا كانت سياسات أطراف عربية أو إسلامية تحت عنوان "الوساطة" أو ما يشابهها مرفوضة، عندما تتعامل مع أهل غزة من شعب فلسطين، ومع العدو الإسرائيلي، على قدم المساواة (!) بحجة أن القضية قضية الفلسطينيين وليست قضية العرب والمسلمين جميعا.. فإن سياسات أطراف أخرى مرفوضة أيضا، عندما تتحدد معالمها إقليميا ودوليا على الأساس نفسه، فهذا ما ينشر الانطباع أن دعم المقاومة في قضية فلسطين مدروس ومحدود، ليبقى مجرد "ورقة" للمساومات على قضايا أخرى، فإن تحقق المطلوب منها أمكن أن يسقط الدعم، ولا يوجد ضمان ألا يحدث ذلك، ما دامت النظرة الرسمية إلى قضية فلسطين قائمة على الأساس المرفوض نفسه.. أي على أنها قضية الفلسطينيين فقط، وليست قضية مشتركة عند العرب والمسلمين جميعا، وهو ما تترجمه سياسات عملية تطبيقية وليس شعارات كلامية تخصص للاستهلاك المحلي كلما استدعت الحاجة إليها لامتصاص الغضب الشعبي.
3- وإذا وجبت الإدانة لإعطاء الأولوية لاتفاقات باطلة -كاتفاقات كامب ديفيد الأولى- بدعوى مراعاة ما يسمى "الأسرة الدولية" المنحازة، مقابل انتهاك الاتفاقات والمعاهدات العربية المشتركة، ومقابل تدمير العلاقات التاريخية والحاضرة والمصيرية المستقبلية بين أعضاء "الأسرة العربية" أو "الأسرة الإسلامية" الواحدة.. فقد وجبت الإدانة أيضا لتحرك أطراف أخرى تحت عنوان "التسوية" في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، وإعطاء الأهداف القطرية المرتبطة بها الأولوية على المصالح العربية والإسلامية المشتركة، فلم يمنع إجراؤها واستمرارها "القتل البطيء" حصارا، إلى أن كان قرار تعليقها - وليس قطعها - بعد أن بدأ "القتل السريع" حربا، وانفجرت فعاليات الإرادة الشعبية غضبا.
إن أحداث قطاع غزة تفرض على جميع الأطراف، مهما كانت مواصفاتهم بمقاييس "الاعتدال والتطرف" الأمريكي، سلسلة من الواجبات (الدائمة في الأصل.. وليس أثناء صخب القذائف فقط) تنسيقا، وتعاونا، وموقفا سياسيا قويا مشتركا، وإجراءات عملية، مشتركة ومستديمة لتكون فعالة.
لابد من خروج الجميع من سياسات المحاور في حقبة زمنية تشهد انهيار السياسات الصهيوأمريكية التي أوجدتها، ومفعول التقتيل والتدمير التي سببتها، وبعد ظهور مدى العجز عن النهوض والبناء عبر التحرك الانفرادي قطريا، أو عبر الارتباطات الجزئية والأجنبية من خلال المحاور.
وإن الحرب ضد غزة التي أظهرت مدى التلاقي الشعبي الجماهيري من أقصى الأرض العربية والإسلامية إلى أقصاها، فرصة تاريخية لعودة السلطات القائمة في هذه المنطقة إلى طريق مشتركة تنهي التجزئة ومظاهرها جميعا والتفرقة وسياساتها دون استثناء، وتجعل من المصلحة العليا المشتركة ميزانا، ومن إرادة الشعوب مصدرا لقوتها الذاتية واستعادة مكانة لها في عالم معاصر، لا مستقبل فيه لطرف يتحرك منفردا، ولا لسياسات محاور تخدم المصالح والمطامع الأجنبية أو الأنانيات الانفرادية على حساب المصلحة العليا المشتركة وعلى حساب القضايا المصيرية.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|