|
وسط تداعيات الأحداث الأخيرة في غزة والأراضي المحتلة، والتكثيف الإعلامي غير المسبوق لمتابعة الأحداث وعرض تفاصيل ما يحدث بقسوته وآلامه.. يسأل كثير من الآباء والأمهات هذه الأيام عمَّا إذا كان هناك أي تأثير سلبي على نفسية الطفل من رؤية مناظر العنف المعروضة على شاشات التلفاز ليل نهار؟ وهل نمنعهم من رؤية هذه المناظر؟ وإذا ما منعناهم كيف لنا أن نبني وعي الجيل الجديد ونشعل فيه روح المقاومة ضد العدو الإسرائيلي الغادر؟
نعم..هذه مناسبة للتوعية ..بهذه الجملة بدأت أسماء الخفيف- الأخصائية الاجتماعية – حديثها قائلة: ليس هناك مرحلة عمرية محددة يمكن أن نقول أنه بعدها يمكن السماح لأبنائنا برؤية ما يعرض من مشاهد دمار ومآسي الاعتداءات الصهيونية على النساء والأطفال على شاشات التلفاز، فعلى كل أم أن تتعرف على شخصية طفلها، ومن خلال معرفتها تستطيع هي أن تحدد قدرته على تحمّل مثل هذه المناظر، فهناك الطفل المفرط في الحساسية، وهناك في المقابل الطفل الجاد الذي يمتلك نوعا من أنواع الوعي.
وعموما أنصح كل أم بشرح القضية لطفلها بطريقة مبسطة وسطحية خاصة خلال المرحلة العمرية الأصغر ( من ثلاث لخمس سنوات)، ثم يتم التناول بطريقة أكثر تفصيلاً وأكثر عمقاً كلما زاد سن الطفل.
قضية في لعبة
فمثلاً تقوم الأم بتشبيه الاحتلال لطفلها بالغريب الذي يدخل إلى البيت ليسرق لعبته، ثم أخذ في التمادي فاستخدم حاجياته، وشيئا فشيئا استولى على الحجرة يفعل فيها ما يشاء ولا يسمح لسواه بالدخول إليها، أو التصرف فيها إلا بالطريقة التي يحددها.. وتسأله: " عندها ماذا سيكون إحساسك ؟"
بعدها يمكنها تعريفه بالمسجد الأقصى وربطه وجدانيا وروحيا به عن طريق الصور، فالحديث عن المسجد بين الحين والحين له آثاره الإيجابية على الارتباط الروحي بالمسجد، ثم مع تقدم الطفل في السن يتم تفسير مكانة المسجد بشرح الآيات الواردة في أول سورة الإسراء، وبشرح حديث "لا تُشَدًّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.."، ثم يطلب من الصغير التعبير عن شعوره وهو محروم من زيارة هذه الأماكن المقدسة سواء بالرسم أو الكتابة، ويتم بعدها سرد لبطولات أطفال في مثل سنه يدافعون عن المسجد وعن الحرم.
ولا مانع من شرح القضية عن طريق اللعب، بأن يبني الصغير بالمكعبات مسجدًا كمثال مصغر للمسجد الأقصى، ثم تقوم الأم بتمثيل ما يحدث على أرض الواقع بالعرائس الصغيرة للطفل، وهنا تشرح له أن التكبير وتذكر الله تعالى والصلة به ستلعب دورًا في إحراز النصر.
وتتابع " الخفيف " مطالبة الأم بضرب الأمثلة للإبن من التاريخ الإسلامي مع التركيز على توحيد صلاح الدين للأمة، مما كان ذلك إيذانًا بالنصر في حطين وتحرير المسجد كله، مع ضرورة استكمال هذا الحديث بواجب الطفل نحو الأطفال الآخرين في فلسطين، لترسخ بداخله الإحساس بأن عليه واجب مهم لا يمكن أن يستهين به؛ لأنه واجب مفروض علينا جميعًا ألا وهو الدعاء، فتعلمه كيف يدعو لهم بأدعية مبسطة: "اللهم هون عليهم، اللهم انصرهم، اللهم أعزهم".. ومن المستحب أن يعتاد الطفل رؤية والده يقنت في الصلاة، ويكون الدعاء لنصرة المسلمين بصورة جهرية.
قاطع من قطع الرقاب
ثم يأتي دور "العمل الإيجابي" ويتمثل في الدعم المالي والمقاطعة، أما الأول فيتحقق عن طريق تشجيع الأطفال على إخراج شيء من مصروفهم الشخصي في سبيل دعم الانتفاضة.. مع التركيز على ما قام به أطفال الصحابة مثل معاذ ومعوذ - رضي الله عنهما - في غزوة بدر، وأسامة بن زيد – رضي الله عنه - في غزوة تبوك حينما قاد جيشًا كان بين جنوده سيدنا أبوبكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم جميعًا - وهنا يأتي دور التشجيع وتعظيم أي جهود يقوم بها الصغير، ويتم الكلام بصورة مكثفة عن أطفال الصحابة - رضي الله عنهم - وعن دورهم الإيجابي في نشر الدعوة.
وأما المقاطعة فيمكن لأطفالنا أن يستوعبوا معناها إذا عرضت عليهم القضية بأسلوب مبسط، وهذا يعود بنا ثانية إلى ضرب الأمثلة المتعلقة باللص الذي استحل حرمة البيت واستولى عليه دونما مراعاة لخصوصيات ومشاعر أصحابه، والذي يأتي الآن ليلوح لأطفال البيت بآيس كريم، يريد أن يبيعهم المثلجات والمأكولات الجميلة المحببة إليهم، وعلى الأم أن تحذر أطفالها أنه يأخذ المال الذي يدفعونه له لشراء بندقية يقوم بقتل الأطفال العزل بها، فهو يأخذ مالهم ليقتل أخاهم، وتسرد عليهم الآية الكريمة "لا يُؤْمِن أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه".
ولا تكتفي الأم بالشرح فقط لمفهوم المقاطعة ولكن عليها إيجاد البدائل المحببة إلى نفس الأطفال، ولا مانع من قليل من التدليل حتى يعتادوا نمط الحياة الجديدة، بتقديم عصائر معدة في المنزل، وتصب في أكواب ملونة جديدة، والخروج إلى المتنزهات والانطلاق في الهواء الطلق بدلاً من الذهاب إلى المطاعم.. وفي أثناء كل هذه الخطوات يتم التذكير بالهدف من وراء ذلك، وهو في عالم الطفل "لماذا"؟! ويتم ربط كل خطوة بالثواب المرجو من ورائها.
وتختم الأخصائيه حديثها قائلة : نحن دومًا كأمهات نفكر كيف نربي طفلاً مثقفًا ومتعلمًا، رياضيًّا وقويًّا، ولكن هل فكرنا ولو للحظة أن المقاطعة مناسبة، وتعلمنا كيف نربي أنفسنا وأبناءنا على أن نكون أحرارًا من شهواتنا، وأحرارًا من القيود.
علينا أن نربيهم على أن يكونوا ذوات أنفس حرة وليسوا إِمَّعات لأنماط غربية البناء، ولا يتم البناء خلال لحظات، ولكنه يحتاج إلى استمرارية، فالجذور عليها أن تمتد إلى باطن قلب الطفل، فنحن نريد أن نزرع شجرة راسخة اسمها "الوعي".
توعية سياسية
وتنوه الباحثة "عزة التهامي" ماجستير في الإرشاد النفسي عن بديهية تربوية متعلقة بعنصر الوقت الذي تراه هاما للغاية في عملية التربية، فتشير إلى أننا إذا أردنا أن نغرس قيمة ما في نفوس أطفالنا، فإن هذا لا شك يستغرق وقتًا حتى يؤتي ثماره، ولا يكون غرس هذه القيمة وليد أزمة ما أو لحظة حماس.
وعلى أساس هذه البديهية تنطلق التهامي في الحديث عن الضرر النفسي الذي قد يتعرض له الطفل إذا ما تابع المشاهد المأسوية التي تحدث بفلسطين خلال التليفزيون ؟ وكيفية توعيته بطريقة سليمة بهذه القضية؟ فتذكر أن علماء التربية اختلفوا حول السن الذي يستطيع الطفل فيه أن يرى مشهدًا مأساويًّا دون أن يتعرض لضرر نفسي، يسبب له بعض الاضطرابات النفسية فيما بعد، فيرى البعض سن الثانية عشرة هو السن المناسب، ويرى آخرون سن العاشرة ، وفريق ثالث يرجح التاسعة، لكن أجمع معظمهم على التحذير من أن يحدث ذلك قبل سن الثامنة، مشيرة إلى أن هناك فريقا آخر يرى أن الأمر يتوقف على عدة عوامل منها: البيئة (فأطفال البيئة الصحراوية والريفية أكثر تقبلاً لهذه المشاهد من أطفال البيئة المدنية)، والاتجاهات الوالدية، وطريقة التنشئة وترتيبه بين إخوته، أو تعرض الطفل لبعض الظروف القاسية.
وترى الباحثة أن القضية الأساسية ليست في رؤية المشاهد المأساوية، ولكن في توعية أبنائنا بالقضية الفلسطينية بوجه خاص وأحوال المسلمين بوجه عام، وتقدم لكل أم مجموعة من الخطوات لتوعية أبنائها بالوعي السياسي الصحي دون تطرف أو سلبية:
1. في سن الثالثة والرابعة:
- احرصي على قص حكايات عن الخير والشر على مسامع أبنائك، وأن أهل الخير أو أصحاب الحق متمسكون به وأن الغلبة لهم في نهاية القصة، والأفضل أن يكون أبطال هذه القصص من الحيوانات؛ لأنها تستهوي الأطفال أكثر من غيرها.
- اهتمي بسرد بعض قصص الأنبياء على طفلك في نهاية السنة الرابعة خاصة حكايات المعجزات (عصا موسى عليه السلام التي تتحول إلى حية، وكيفية نجاة موسى - عليه السلام - ومن معه وغرق فرعون وجنوده في البحر، وأجزاء مختارة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن احذري أن تتعرضي لبعض المشاهد، مثل: وضع أم موسى له في الصندوق وإلقائه في اليم، أو قصة الذبيح في قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام).
- ابدئي في تعريف الطفل ببلده وجزء من تاريخه وقصص أبطاله، واستعيني في ذلك ببعض اللوحات أو القيام بالتمثيل لهذه القصص معه، واستخدمي في ذلك الوجوه المرسومة بالألوان وبعض الملابس البسيطة التي تمثل بعض الشخصيات، واعرضي عليه أفلام الكرتون التي تعزز حكاياتك عن هذه البطولات.
- امدحي المواقف الشجاعة التي يقوم بها طفلك في كل المراحل العمرية التي نتحدث عنها.
- لا تقتصري في حكاياتك على هذا النوع فقط، بل اشمليها بحكايات ترسخ القيم الأخرى من بر وصدق وإتقان للعمل ، وحاولي أن تعبري بصوتك وجسدك تعبيرات تتلاءم مع القصة التي تحكيها، وغلفي حكاياتك بالدفء والأمن والمرح.
- اعلمي أن توعية الأبناء لا تكون مقتصرة على الجانب القصصي فقط، بل تتمثل أيضًا في سلوك الوالدين واتجاهاتهما، فلن يكون لدى الأبناء أي وعى من أي نوع إن لم يتمتع الوالدان بهذه الصفة.
- وأخيرا احرصي أن يشارك الأب في كل الخطوات السابقة واللاحقة.
2. في سن الخامسة والسادسة:
- إحرصي مع زوجك على متابعة النشرات الإخبارية دون حث الأولاد على ذلك، وبعد الانتهاء تناقشي معه فيما سمعتما على مسمع منهم.
- احكي لهم قصص الفاتحين من المسلمين والأطفال الشجعان على مر التاريخ، ويساعدك في ذلك مجموعة قصصية بعنوان (أطفال أبطال).
3. في سن السابعة والثامنة:
- استمري في متابعة ما سبق في المرحلة السابقة إلى جانب الحديث مع الأبناء عن البلدان المجاورة، ووضحي لهم أن بعض الدول تظن في نفسها قوة أكبر، ويصوِّر لها غرورها أنها تستطيع أخذ بلاد أخرى تظن بها الضعف، ولتكن البداية بالقصص التي تروي تاريخ الاستعمار في المنطقة العربية، وكيف أنها استطاعت أن تتحرر (وهنا يحبَّذ أن تُروى بعض العمليات الفدائية وكيف استطاعت الشعوب أن تتخلص من هذا الاستعمار برغم أنها لا تملك نفس قوته وهذا شأن المخلصين عبر التاريخ).
- في نهاية الثامنة إهتمي بقراءة عناوين الصحف ومناقشة الأبناء فيها .
- اصطحبيهم في زيارة بعض الأماكن التاريخية التي تدعو للفخر بتاريخ البلاد مثل بانوراما حرب أكتوبر ووضحي لهم أثناء الزيارة كيف حدث التضامن العربي.
4. في سن التاسعة والعاشرة:
- خصصي لأبنائك وقتًا دوريًّا ناقشي فيه أهم الأحداث الجارية وتعرفي على رأيهم فيها، وكيفية علاج هذه القضايا من وجهة نظرهم.
وبعد سيدتي إذا تمت كل الخطوات السابقة بطريقة سوية منظمة تتفق مع سن الطفل، فثقي أن طفلك يكون مهيأ لكل ما يحدث على مستوى العالم بل وإيجابيًّا حيال ما يحدث.
ابحثي عن بديل
أما فيما يتعلق بسلاح المقاطعة إليك هذه الخطوات (مع ملاحظة أن الخطوات السابقة ستعين جدًّا على تسهيل هذا الأمر)
- حاولي إيجاد بدائل لمعظم المنتجات الأمريكية وليس شرطًا لكل المنتجات حتى يتعود الأطفال على الاستغناء عن بعض رغباتهم.
- احرصي أنت وزوجك على تنفيذ المقاطعة أولاً دون فرض ذلك على الأبناء، على أن يتم فتح نقاش متعمد أمامهم -ولكن غير موجَّه لهم- بعزمكما على هذه المقاطعة، فإذا أثار هذا الحوار فضولهم وسألوا عن السبب فعليك بتوضيح الأمر لهم على الفور.
- اصطحبي أبناءك للتسوق، وعندما يشير أحد الأبناء إلى بعض المنتجات الأمريكية رغبة في شرائها، فإذا كان خاصًّا به فعليك بالتعليق التالي (إذا أردتها فعليك شراءها ولكن من مصروفك الخاص)، وأما إذا كان ما يود شراءه خاصًّا بالأسرة فالتعليق (لا حاجة لي بالمنتجات الأمريكية وأنت تعرف السبب).
- ونهاية ..ناقشي معهم أهمية مقاطعة هذه المنتجات، وضعي بعض البدائل كحل، مع توضيح أن معظم هذه المنتجات ليست ضرورية ويمكن الاستغناء عنها ومع ذلك فأنت لن تحرميهم من البدائل إذا أرادوا. وثقي أنهم سيتحمسون لذلك أكثر منك إذا اتبعت الطرق السليمة في توجيههم.
|