English

 

الثلاثاء. ديسمبر. 30, 2008

حواء و آدم » صوت النساء

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الأرملة المغربية بين مطرقة الفاقة وسندان البغاء

شهيدة الخواجة

اضطرت للتسول بعد موت زوجها
اضطرت للتسول بعد موت زوجها

هن نساء في عمر الزهور.. بجلابيب رثة.. أضناهن التعب والوقوف في الطرقات وحمل الأثقال والهروب أحيانا من السلطة.. رداؤهن الصبر.. ونشيدهن أن لا حول ولا قوة إلا بالله، قد نلقاهن كل صباح في الطرقات وعلى أرصفة الأحياء الشعبية، بعضهن يبعن مأكولات خفيفة.. وبعضهن واقفات ينتظرن من يأخذهن للاشتغال في البيوت.. وأخريات في شمال البلاد مهربات لبضائع تدخل البلاد بطريقة غير قانونية طمعا في كسب دراهم قليلة،  مجموعة متدنية من المهن تقبلها الأرملة مضطرة؛ لتفضي في آخر اليوم إلى رزق ليس بالوافر، وإن تعددت دراهمه تعددت معه أوجه الابتذال والاحتقار، لتصل في كثير من الأحيان إلى امتهان الدعارة وتسويق الجسد من أجل كسب اللقمة السحرية العجيبة لها ولأبنائها.

زمن لا يرحم

حين نتحدث عن لقمة العيش وقسوة المعيشة وعناء الكد لكسب القوت اليومي، لابد أن نتذكر نساء عديدات اضطرهن نسق الحياة لمغالبة غليان الأسعار واقتحام المجهول بعدما أنسن في الماضي الراحة وكن لا يكترثن لأهوال وضنك وعناء الكسب، فقد كان لهن أزواج يهتمون بأمورهن أو آباء يرعونهن ويحمينهن من ضنك العيش ووخز الفاقة، وفي لحظة قدرية وجدن أنفسهن أرامل وأمهات لأيتام مجبرات على توفير أدنى ضروريات الحياة لهن ولأولادهن.

والأرامل يمثلن 10% من نسبة سكان الوسط الحضري بالمغرب، حسب إحصائيات وزارة التنمية، ويتم تصنيفهن ضمن الفئة الأكثر تضررا وعوزا في البلاد، على اعتبار ارتفاع نسبة الفقر والجهل والأمية التي يعانين منها، إضافة إلى البطالة وضعف التكوين وغياب هياكل ومؤسسات فعلية وجادة قادرة على تأهيلهن، ولإيجاد منافذ لهن في جسم مجتمع مقفل مدبر عنهن رافض مجرد الاعتراف بمكانهن تحت مظلته.

أمام هذه الوضعية المزرية وسعيا إلى الخروج من أزمة فقد الشريك تبحث الأرملة عن حل يمكنها من البقاء على قيد الحياة، ليس في صلبها ونعيمها، وإنما تكفيها هوامش تضمن لها مجرد البقاء وسط هذه الدوامة اللامتناهية، فتعيش في حيرة ترقب الوصول إلى مصدر عيش كريم يمكنها من الحياة بمنأى عن الذل والهوان والرذيلة.

على طاولة فطومة

في كل صباح، وقبل أن تشرق الشمس تتوجه" فطومة" إلى المحطة الطرقية، تضع كرسيا وطاولة صغيرة وقفة بها قدر كبير ساخن مليء بحساء الفول وآخر بحساء السميد والخبز الساخن وزيت الزيتون، وقفة أخرى ممتلئة بالخبز.. فطور صباحي أغلب زبائنه البناءون والحمّالون وسائقو التاكسيات والعاملون داخل المحطة الطرقية.. مهنة تنتهي مع إشراقة الشمس وانتهاء حساء القدر تعود بعدها لبيتها تطهي البطاطس والبيض ليكون وجبة المساء لأغلب الحرفاء.

في نفس المكان قد تجد مثيلاتها في الأسواق أو في أقصى الحارات الشعبية، أكلة خفيفة ورخيصة الثمن، لكنها عند فطومة -الأرملة منذ 10 سنوات- هي مصدر رزقها ورزق أولادها الثلاثة، تقول: "لولا جود ربي والجواد المحسنين الذين يتكرمون علي ببعض الدراهم لما وجدت ما أدفعه مقابل كراء البيت وثمن الكهرباء، نحن نعيش بجود الله، وربي لا يترك أحدا"، صحيح هي مهنة لا تتطلب رأس مال كبيرا، لكنها تتطلب في المقابل جلدا وقوة شخصية أواجه بها تقلبات الدهر وتحرشات المارة.

وبنفس قوة الصبر نجد أرامل أخرى يمتهن حرفة تتطلب منهن الوقوف على أرصفة معينة عرفت بتجمع الراغبات في الاشتغال كخادمات في البيوت بأجور تقل بكثير عن المجهود الذي يبذلنه، وهن مضطرات لقبول هذا العمل مهما اختلفت ظروف المشغل ومزاجيته.. مهنة مغامرة بحكم أنها تخلط أحيانا بين بيع الجهد وبيع الجسد، فهناك من ترتضي الذهاب مع الذكور العزاب تنظف وتغسل وتكنس وفي غالب الأحيان تكون متنفسا لرغبتهم الجنسية مقابل بضعة دراهم زيادة.

هذا ما يحدثنا عنه "مصطفى": حين كنت أعزب أخذت لشقتي في أكثر من مرة نساء من "موقف الراغبات في العمل داخل البيوت" معظمهن أرامل ومطلقات، وأذكر يوما أنني أخذت إحداهن لتنظف شقتي وحين عرفت أني أعزب قبلت مصاحبتي، وحين عدت وجدتها لم تنظف فقط الشقة بل أيضا نفسها وتعطرت لأكتشف أن لها حرفة إضافية.. عاشرتها وعرفت بعدها أنها أرملة وتعول أطفالا صغارا مما جعلني أشفق عليها وأعطيها الأجرة مضاعفة".

أبيع جسدي لأطعم أولادي

هذا النوع من المهن يجر صاحبته لمهنة الدعارة التي تمارسها بعد فترة من الوقت كمحترفة؛ لما تدره من ربح وافر عليها، وقد وجد فيه الكثير من الأرامل مصدر عيش لهن، خصوصا إن كن صغيرات السن وجميلات؛ حيث أثبتت نتائج دراسة نشرتها المنظمة الإفريقية لمكافحة الإيدز بالمغرب بداية هذا العام أن 40% من العاملات في مجال الدعارة هن مطلقات أو أرامل، لجأن إليها هروبا من مهن العناء والكد غير آبهات للتبعة القانونية والاجتماعية والدينية.

تصرح نعيمة (37سنة) عن سبب خروجها لامتهان الدعارة: "توفي زوجي وترك لي طفلة صغيرة.. لم أجد ما أطعمها به فخرجت للشارع ألتقط رزقي".. بهذه العبارة التي وجدت بها نعيمة حجة بالغة في نظرها لامتهان الدعارة كانت أغلب أجوبة الأرامل اللواتي هرعن لهذا المصدر من العيش، وتستطرد نعيمة قائلة: "لم أجد مالا أدفعه مقابل الكراء والماء والكهرباء، وأنت تعرفين حال الوقت وعسرة المعيشة، إنها  14سنة منذ خرجت لهذه الحرفة وكنت صغيرة وبها علت وكبرت ابنتي".

لطيفة (39 سنة) كانت قليلة الكلام كثيرة التحرج أثناء الإجابة: "توفي زوجي وترك لي أربعة أولاد كنت قبلها أعيش في بيت أهلي، وحين توفيت أمي أحضر أبي زوجة رفضت أن أعيش معها بصحبة أولادي، فاضطررت للخروج لأعولهم، أنا لا أخرج للشارع.. فمهنتي هي (تاشياخت) (راقصة شعبية) في فندق، وإذا طلب مني الحريف أن أذهب معه أفعل لأزيد من مدخولي".

حداد التسول

التسول أحد الأبواب التي تطرقها فئة الأرامل من النساء المحرومات؛ فقد أشار تقرير وزارة التنمية الاجتماعية والأسر والتضامن بالمغرب إلى أن العدد التقديري للمتسولين بلغ حوالي 195 ألفا و950 شخصا في آخر إحصاء منها، 51.1% نساء تتراوح أعمارهن بين 40 و50 سنة، وتصل نسبة الأرامل بها إلى 24%، يلتزمن ارتداء الزي الأبيض إشهارا على ترملهن، وهي "عادة تقليدية بالمغرب؛ إذ الأرملة ترتدي جميع ملابسها بيضاء طوال مدة العدة"، غير أن هذا الصنف من المتسولات يطول عندهن هذا اللون ويصطحبن معهن أطفالا صغارا في الغالب يكترينهن من أخريات مقابل نسبة يومية من المحصول.

وقد أوضح ذات التقرير أن الدخل اليومي الفردي لهذه المهنة يناهز ما بين 500 و700 درهم؛ الأمر الذي يجعل المتسولة تفضل هذه المهنة عن سواها، وبالتالي ترفض الاستقرار في المراكز الاجتماعية التي خصصتها الوزارة كمأوى لهذه الشريحة من المعوزين.

وترجح الأوساط التي تشتغل على هذا الصنف من الظواهر الاجتماعية أن سبب ولوج الأرامل لهذا النوع من المهن يكمن في عدم وجود وسائل كافية لضمان القوت اليومي، فيكون الحل هو الارتزاق على عاطفة الناس في إطار التكافل الاجتماعي والبر والإحسان، وسرعان ما تجد الأرملة المتسولة نفسها منضمة لشبكة منظمة تعتمد تقنيات مدروسة لاصطياد الضحايا، هذه الشبكة التي تستغل النساء والأطفال والرضع والمعاقين لتكسب من ورائهم أموالا طائلة.

رائدات التهريب

وعلى جنبات ضفة البحر الأبيض المتوسط.. وتحديدا عند بوابة مدينة "سبتة" يصطف الآلاف من المغاربة كل صباح عند النقطة الحدودية في انتظار السماح لهم بدخول المدينة لجلب السلع الرخيصة والعبور بها أو تهريبها إلى داخل المغرب، وإعادة بيعها في الأسواق المغربية، وهذا العمل لا يقتصر على الكبار الذكور فقط، بل تزاوله النساء أيضا؛ فتراهن يحملن البضائع لبيعها في الأسواق مثل سوق "باب النوادر" في "تطوان" الذي يمتلئ عن آخره بالسلع المهربة.

وأبرز ما يثير الانتباه عند النقطة الحدودية لباب سبتة خروج نساء ذوات أجسام ضخمة يتحركن بصعوبة، والحقيقة أن ذلك الجسم الضخم هو عبارة عن أكداس من الأقمشة المهربة الملفوفة على أجسادهن يقمن بتهريبها على هذه الشاكلة حتى يتعذر على رجال الجمارك تجريدهن من ملابسهن.

هذه المهنة احترفتها الأرامل وتفنن فيها بحيلهن منذ عقود قبل أن تغزوها اليوم جميع شرائح النسوة المغربيات، ويمكن مشاهدة هذا الصنف إذا استقللت قطار منتصف الليل الرابط بين طنجة وباقي مدن المغرب؛ لأنه قطار مفتوح ولا توجد أبواب في مقصوراته مما يسهل عليهن الحركة، كما أن المراقبين فيه أو رجال الجمارك المتنقلين داخله "يمكن التفاهم معهم"، وهذا أمر معروف داخل أوساط التهريب، وهذا النوع من العمل في الماضي كان مقتصرًا على سكان المناطق الشمالية من المغرب وعلى فئة الأرامل والعاطلين، لكنه صار في السنوات الأخيرة يشمل كل المدن المغربية، ويوفر العيش لآلاف الأسر، وخصوصا المعوزة منها.


صحفية مغربية

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم