|
| ليفني أعلنت من القاهرة بدء المحرقة |
ليس لأحد أن ينكر، حتى لو صدرت عشرات بيانات النفي من عواصم عربية مختلفة، أن المحرقة الثانية التي تقوم بها قوات الاحتلال الصهيوني وتشعل بها سماء غزة، والتي جاءت بعد المحرقة الأولى في 28 فبراير الماضي 2008 والتي قتل فيها 132 فلسطينيا من بينهم 26 طفلا ووصفها نائب وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك حاييم رامون بـ"المحرقة"، تأتي هذه المرة بمباركة عربية مباشرة أو غير مباشرة لأن الجميع بات يتحدث عن أوان انتهاء حكم حماس لغزة ، بعدما كانت المحرقة الأولى بصمت عربي مخزي ومهين.
ولا يمكن أن يكون استهداف المقرات الأمنية للشرطة الفلسطينية في غزة وغالبيتها من حماس، ومقار الحكومة وميناء غزة أمرا اعتباطيا في ظل الحديث الإسرائيلي والعربي عن ضرورة إنهاء سيطرة حماس على غزة، وما يتردد عن إيكال الحكومات العربية المعادية لحماس هذه المهمة، بضوء أخضر، للصهاينة، ولا يمكن أن يكون بدء المحرقة (التي فاق ضحاياها في ساعاتها الأولى ضعف ضحايا المحرقة الثانية) بعد 24 ساعة من تبشير وزيرة الخارجية الصهيونية ليفني بها من قلب القاهرة مجرد مصادفة.
ليست صدفة أيضا أن يصف الرئيس الفلسطيني عباس المقاومة ومحاولات الأجانب كسر الحصار عبر انتفاضة سفن بأنها "محاولات عبثية"، وتبشير وزراء رام الله بقرب نهاية سيطرة حماس على غزة، ثم تقصف طائرات إف-16 ميناء غزة وتدمره لتمنع انتفاضة السفن لكسر حصار غزة.
ولا يمكن أن تنشر تصريحات في صحيفة "القدس العربي منسوبة لمسئولين مصريين كبار نقلا عن "مصادر فلسطينية"، وكذلك عن مصادر إسرائيلية، تتحدث عن "تأديب" قادة حماس في غزة ودمشق لأنهم رفضوا الوساطة المصرية وحضور مؤتمر الحوار الوطني الأخير، دون أن يثير هذا تساؤلات حول مدى صحة هذه التصريحات حتى لو كانت ملفقة، خصوصا أنه لم يصدر نفي مصري رسمي أو فلسطيني أو إسرائيلي أو عربي لها.
محرقة برعاية عربية
قبل أيام من هذه المجزرة، قالت صحيفتا "معاريف"، و"يديعوت أحرونوت" الإسرائيليتان: إن إسرائيل بدأت حملة دبلوماسية وإعلامية شرسة للحصول على ضوء أخضر عربي لاستئناف سياسة الاغتيالات ضد قادة وكوادر حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، خاصة بعد استبعاد الحركة مد التهدئة بعد يوم 19 ديسمبر الجاري.
وقال "أليكيس فيشمان"، المعلق العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت": إن "إسرائيل تسعى جاهدة لإقناع العالم العربي، خاصة مصر، بضرورة تفهم مخططاتها العسكرية تجاه حماس"، وأن "إسرائيل أرسلت "عاموس جلعاد"، مدير الدائرة السياسية والأمنية بوزارة الدفاع، إلى مصر للحصول على موافقتها على المخططات العسكرية تجاه قادة وكوادر حماس، والتي انتهى الجيش من إعدادها".
ونقل كل من "فيشمان و"بن كاسبيت"، المعلق السياسي لـ"معاريف"، عن مصادر بوزارة الدفاع الإسرائيلية، قولها: إن "مدير الاستخبارات المصرية العامة، الوزير عمر سليمان، أبلغ جلعاد أن إسرائيل محقة في أي خطوة تتخذها ضد حماس، وأنه كان غاضبا أكثر من أي وقت مضى"، ومع هذا لم يصدر نفي مصري رسمي لهذه المزاعم التي لا يمكن مع ذلك إنكار أن جانبا كبيرا منها ملفق ويهدف إلى الوقيعة بين القاهرة وحماس وهو ما سبق أن حدث في مرات سابقة، ولكن السؤال هو لماذا لم تنكرها مصر رغم أن الخارجية المصرية أنكرت معلومات أقل أهمية من ذلك؟
"فيشمان" و"كاسبيت" توقعا، نقلا عن مصادر عسكرية إسرائيلية، أن تبدأ إسرائيل حملة عسكرية كبيرة ضد حماس، وقالا إنه "حسب مخطط الجيش من الممكن أن تستأنف إسرائيل في غضون أيام قليلة عمليات التصفية ضد قادة حماس وكوادرها، وقصف المؤسسات المدنية والعسكرية، بجانب السيطرة على مساحات من الأرض في مناطق مختلفة بغزة".
بعدها حضرت ليفني التي تطمح لخلافة رئيس الوزراء الحالي ايهود أولمرت للقاهرة بناء على دعوة مصرية، وأبلغها الرئيس مبارك ضرورة تخفيف الحصار عن غزة بعدما وصل الأمر لحد منع قوافل إغاثة مصرية تشرف عليها حرم الرئيس مبارك، ولكنها خرجت من اللقاء مع مبارك تهدد وتتوعد من قلب القاهرة، وهي إشارة ذات معنى خطير تعني قرب العمل العسكري ضد غزة، حيث اقتصر تعليق وزير الخارجية المصري معها في المؤتمر الصحفي على مطالبة حماس وإسرائيل بوقف التصعيد معا أولا، كي يتسنى لمصر التدخل للتهدئة!.
أيضا تعهد أولمرت، في حوار مع قناة العربية، بضرب غزة وحماس بقوة، ووصل الأمر لحد تحريض الفلسطينيين في قطاع غزة على رفض حكامهم من حركة حماس وإسقاط منشورات على غزة تدعو أهل غزة للخروج على سيطرة حماس، وتحذر بأن الضربة العسكرية قادمة، ثم اجتمع المجلس الوزاري الصهيوني المصغر وتحدث عن "ضربة محدودة" قادمة بعد 24 ساعة.
وكل هذا ولم يصدر ولو بيان رفض أو تنديد عربي رسمي واحد رغم أن الخطة تأكدت رسميا في تل أبيب، بينما الصحف الحكومية في العديد من العواصم العربية تمهد أرضية المعركة بالحديث عن ضرورة إنهاء حكم حماس، وتحمل حماس كل مصائب الحصار وكأن المطلوب من حماس وأهل غزة الصمت على الحصار الخانق عليهم وتجويعهم.
وتثير المحرقة الجديدة إذن تساؤلات :
1- هل آن أوان إسقاط حكومة حماس في غزة بهذه الضربات العسكرية التمهيدية المكثفة التي استهدفت عصب قوة حماس؟
2- هل قررت الحكومات العربية أن تحسم أمر الوحدة الفلسطينية والمصالحة بين فتح وحماس بقوة الجيش الصهيوني بحيث يتم ضرب حماس في غزة، في نفس الوقت الذي يتم فيه تهيئة الأجواء لعودة سيطرة فتح على غزة لتبدأ بعدها الوساطة العربية؟.
3- وهل قررت إسرائيل القيام بهذه الضربة الجديدة بعدما حصلت على الضوء الأخضر عربيا، أم أنها سعت لتوريط العرب ضمنا والإيحاء بهذا عبر إرسال مبعوثيها للعواصم العربية والأجنبية خصوصا القاهرة وإعلان قرب العدوان على غزة من قلب القاهرة؟
4- هل استهداف مقرات شرطة حماس والحكومة وميناء غزة وضرب كل هدف أربع مرات متتالية بأربعة صواريخ حربية، استهدف بالفعل إنهاء سيطرة حماس الأمنية على غزة وتصفية قواتها تهميدا لهذه الخطة الخاصة بإنهاء سيطرة حماس على غزة والتي لا تعارضها الحكومات العربية على ما يبدو باعتبار أنها الحل لمشكلة سيطرة حكومة إسلامية على غزة، وهل أن تدمير ميناء غزة استهدف أيضا منع سفن كسر الحصار من دخوله بعدما أصبحت هناك مخاوف من انتفاضة سفن أجنبية وعربية بل وإيرانية؟
5- لو فرضنا أن هناك تواطؤا عربيا ولو بالصمت، فهل هناك ثمة تفاهم عربي– صهيوني على الخطوة التالية؟ أم أن إسرائيل ستفرض أمرا واقعا بمفردها في غزة وتصدره لمصر مثلا أو للرئيس عباس؟ وماذا لو عرضت أمر عودة عباس للسيطرة على غزة؟ هل سيرفض ويترك هذه الفرصة أم سيقبل خصوصا أنه جعل كل اهتمامه، في المرحلة الأخيرة، تحرير غزة من حماس بأكثر من هدف تحرير فلسطين من الصهاينة.
هل الاجتياح قادم؟
قبل أن تبدأ محرقة غزة كانت كل التعليقات العسكرية الصهيونية تتحدث عن دراسة مسألة عودة إسرائيل لاحتلال قطاع غزة، وتدرس احتمالاتها المختلفة وتكاد تجمع على الاقتصار، في هذه المرحلة على الأقل لحين إجراء الانتخابات الإسرائيلية، على الضربات الجوية والاجتياحات القصيرة الأمد بغرض تأديب حكومة حماس وتقليل حجم الصواريخ التي تطلق على الدولة العبرية.
وتركزت المناقشات الإسرائيلية أكثر على قضية من يتولي إدارة غزة في حالة دخلتها إسرائيل لضرب حماس؟، خصوصا أن تل أبيب تدرك أن بقاءها في غزة مرة أخرى مكلف جدا لها ولن يؤدي للتهدئة المنتظرة.
وفي هذا الصدد قال "بن دافيد"، المعلق العسكري في القناة الإسرائيلية العاشرة، إن "خشية إسرائيل من عدم وجود طرف تستطيع تسليمه إدارة غزة يجعلها تتراجع عن شن عملية عسكرية كبيرة ربما تؤدي إلى احتلال القطاع"، وأشار إلى أن هناك ثلاث جهات تعتقد إسرائيل أن بوسعها تسلم إدارة قطاع غزة بعد إعادة احتلاله، وهي: مصر، والرئيس الفلسطيني محمود عباس "أبو مازن"، وحلف شمال الأطلنطي "الناتو".
ومن الطبيعي أن إسرائيل تفضل أن تتولى مصر السيطرة على غزة، غير أنها تعلم جيدا أن القاهرة غير معنية بهذا الأمر وترفضه تماما، وكذلك يرفض "أبو مازن" الأمر خشية أن يقال إنه دخل غزة على ظهر الدبابات الصهيونية، أما الناتو فيضع شروطا تجعل من المستحيل تسليمه غزة، ولذلك فقد اختار المجلس الوزاري الصهيوني المصغر فكرة الضربات الجوية المكثفة القاتلة والقيام بمحرقة أكبر من الأولى كنوع من الردع والتمهيد للاجتياح المقبل ودراسة أعمق لخيارات ما بعد الاجتياح ودراسة عواقبه.
وليس سرا أن الإسرائيليين يدركون أن حماس والمقاومة الجهادية باتت أكثر قوة من ذي قبل، وأنها تمكنت من الحصول على صواريخ أكثر تقدما تصل إلى عسقلان على بعد 40 كم من غزة، وعلى سلاح أفضل عقب السيطرة على مخازن سلاح السلطة الفلسطينية في غزة، ولهذا فإن إسرائيل في حاجة لاختبار قدرات حماس بهذه المحرقة المصغرة لمعرفة حجم قوة حماس، وتحديد مصير الاحتياج على أساسها، فهي تخشى أن تكون قدرات حماس أكبر وتشكل تهديدا غير متوقع، كما حدث مع حزب الله في حرب صيف 2006.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|