|
| داليا صلاح الدين |
"والنبي يا طنط..".. كلمة استوقفتني على شاطئ البحر، حين هربت سُويعة زمن من زخم أوقاتي وضمير أولوياتي.
كان موعدي الهام في مدينة الإسكندرية فرصة اقتنصتها لأنفصل بها عن أيامي المرهقة، لم آذن لبعض المنغصات والاضطرابات التي حامت حول مهمتي بأن تمنعني من أمواج الشاطئ المتلاطمة، تلك التي طالما اشتقت إليها.. وعاهدت النفس المحجوزة بداخلي أن تهنأ ساعات طوال في مناجاة الموج على حضن شاطئه.
وبالطبع لم يتيسر لي أن أهم بتلبية العهد لها إلا قبل الرحيل عن الإسكندرية بساعة واحدة، فهرعت إلى الشاطئ غاضبة مني في عجلة من أمري، علّي ألحق بالأمواج المتلاطمة على رمل الشاطئ، أبثها أسرار الروح، قبل رحيلها هي الأخرى.
طفل على الطريق
فإذا بذلك الصبي البائس يلاحقني ويعرقلني عن أبسط أحلامي.. يستجديني الطفل الحزين صاحب العام التاسع، يطلب حسنته.. أصارع نفسي في عُجالة:
- يا ألله.. مسكين الولد.. صغير جدا.. أأعطيه صدقة؟
- لا.. لا.. لا بد أن وراءه "معلما مفتريا" أو أبا عاطلا يجني من ورائه ولا يُبقي للغلام شيئا.
- ولكني سمعته يتمتم بأنه جائع.. قلبي يؤلمني!
"جمدي قلبك"، إذا أعطيتِه شيئا فأنت تشجعينه على الشحاذة وعلى البطالة.. مستقبل مظلم ينتظره بسببك!
- ولكنه طفل بائس، ولا بد أن الحياة منعته من آدميته وطفولته وإلا ما هام في الشوارع هكذا.
- هذا ليس مبررا أن تُخطئي أنت أيضا، أتشاركين في تربيته على المذلة والهوان؟
- أوه! ما هذا الهراء؟ الطفل صغير وجائع.. يا ليت معك بعض الحلوى لتهديه بها، بدلا من جوعه هذا الذي يؤلم جوفك أنت!
نعم، طالما أحببت أن أهدي أطفال الشوارع بالحلوى المتناثرة في حقيبتي أو سيارتي؛ ليتمتعوا هم بها، بدلا من أن أتصدق عليهم ببعض النقود التي حتما ستُنفق فيما لا أتمناه.. رأيت بعضهم يدخن السجائر، برغم صغر سنه، فقد تذهب صدقتي المتواضعة إلى ذلك المصير، ثم إن كثيرا ما يُسلمها بعضهم لوليّ متقاعس، يكون السبب المباشر خلف مأساة الطفل المُهدر البراءة والطفولة.
ولكن لم يكن معي حلوى في حقيبتي هذه المرة، فاتخذت قراري بحزم:
- لن أعطيه شيئا.. سأجمد قلبي، وأرحل عنه.
- نعم، أيضا أنت في عجلة من أمرك، ولن تلحقي بالأمواج.
- الأمواج! نعم، يجب أن أرحل عنه حالا.
وسارعت بارتداء قناعي المدرب بكفاءة.
بالطبع، لن يكتشف الصبي أني أرّّقُ لحاله، وأن قلبي يعتصر من أجله.. سينخدع في الوجه البارد الذي ارتديته في ثوانٍ، وسيظنني في قسوة الأيام عليه.. سأرحل في سلام إلى أمواجي وسيكرهني الطفل إلى الأبد، إن تذكرني يوما!
وبالفعل، توكأت نفسي على أقدامي، وخطوت مسارعة لأبتعد عنه.. انتصرت على قلبي الساذج وبعدت عنه في هدوء وثبات، وإذا بالنداء العجيب يخترق سمعي ليستوقفني:
-"والنبي يا طنط".
- طنط!
من أين تدرب على هذه اللفظة؟
تسمرت قدمايّ من تحتي، واستدرت إليه في التو لأراه لأول مرة.. كنت قد تفاديت النظر إليه حتى أنتصر على نفسي وأتمم الرحيل، ولكني الآن نظرت، وتمعنت.
الغضب الحزين
طفل صغير، صغير... طويل، لكنه صغير.. جميل الوجه.. نظيف الملبس.. يرتدي نظارة نظر، وبيجامة منزلية نظيفة وخفا منزليا في حالة جيدة.
عدت إليه بخطوات سريعة، غاضبة من المشهد المؤلم المتناقض، واقتربت منه، فإذا به طفل جميل الوجه، طيب الرائحة، يخفي عينين عسليتين شفافتين خلف إطار نظارته الصغيرة.. مضطرب، من الخوف أم من الإحراج، أم من الجوع فعلا؟ لا أعرف.
اقتربت منه أكثر وسألته بصوت خافت، بدون مداراة لمشاعري الحانية عليه هذه المرة:
-"اسمك إيه يا حبيبي؟"
أجاب بنبرة تلميذ يجيب ناظر المدرسة في طابور الصباح:
- علي محمد عطية.
وواصلت معه:
-"انته بتعمل إيه هنا؟"
-"عايزك يا طنط لو سمحتي تديني فلوس عشان جعان، عايز أفطر".
وقد لاحظت في قبضة يده بعض النقود.
-"ليه يا علي؟ إنت ما بتروحش المدرسة؟"
-"لأ".
-"بس شكلك بتعرف تقرأ".
-"كنت بروح، بس بطلت".
-"ليه يا علي؟"
-"عشان أمي ماتت".
تمنيت لحظتها إما أن أختفي من الوجود أو أن أنبش عن أمه بين القبور، فأجدها وقد عادت إليها الحياة، فاتحة ذراعيها ومتأهبة لأن تلقاه بين أحضانها، فأستودعه عندها، وألحق أنا بأمواجي.
وتساءلت في نفسي: ما هذا الرابط الذي صنعه الغلام بين موت الأم وبين انتظام الحياة، فقد ترك المدرسة "عشان" أمه ماتت، وليس "بعد" أن ماتت الأم.. هكذا ربط المعنى في لفظة صغيرة، تحمل كل آلام اليُتم.
-"طب فين باباك يا علي؟"
-"في البيت".
-"هو بيشتغل إيه؟"
-"ولا حاجة".
-"هو عارف إنك ما بتروحش المدرسة؟"
-"أيوة".
-"طب هو مش زعلان منك عشان سبت المدرسة".
-"لأ، هو حتى ما ورانيش الجواب اللي بعتته المدرسة".
يبدو أنه يُشير إلى خطاب الغياب أو الرفد!
-"هو بابا عارف إنك بتشحت يا علي؟"
- ".........."
أطرق عليّ في صمت وبدأت يده تعبث بزهرات نابتة على السور المجاور.. هتكتها يده الصغيرة إلى قطع متناثرة، بينما يده الأخرى مستقرة خلف ظهره وكأنه ما زال منتظما في طابور الصباح.
-"طب يا علي إنت لازم ترجع المدرسة".
-"ما أنا هرجع".
-"إمتى؟".
- ".........."
-"بقالك قد إيه سايب المدرسة يا علي؟".
-"سنة يا طنط".
-"لأ يا علي، إنت بجد لازم ترجع المدرسة".
-"ما أنا هرجع".
-"يعني إنت يا علي عايز تفضل تشحت كده لغاية لما تكبر؟"
-"لأ".
-"أمال هتشتغل إزاي لما تكبر لو ما رجعتش المدرسة؟".
-"ما أنا هرجع".
-"و لا انته عايز تقعد زي بابا وتسيب أولادك ما يروحوش المدرسة؟".
-"لأ. أنا عايز أرجع المدرسة".
-"خلاص يا علي، اتفقنا؟".
-"اتفقنا".
بنطلون العيد
هممت بأن أرحل عن عليّ وألحق بأمواجي المنتظرة، فبحثت له عن شيء صغير في حقيبتي ووضعته بين أصابعه الصغيرة، واقتربت منه مرة أخرى.. مسحت على رأسه في صمت وقبلته قبلة خفيفة جدا فوق وجنته.. اشتممت رائحته النقية، وتيقنت أنه ليس من أطفال الشوارع، بل جُن منه أمن الطفولة حين فقد رمز الأمان -أمه الراحلة- وهام على وجهه ناشدا اللاشيء!
بدا لي -و الله أعلم- أن قبلتي لعليّ كانت كنزا مفقودا فجر بداخله كوامن الأحلام والتمني، فإذا به يهتف بحماسة شديدة:
-"طب يا طنط.. طب يا طنط.. تعالي معايا هاتي لي بنطلون العيد".
- "!!!"
-"والنبي يا طنط.. والنبي".
-"بس يا علي أنا مسافرة دلوقتي، وبعدين ما ينفعش أجيب لك بنطلون العيد".
-"معلش يا طنط، والنبي".
-"إنت ساكن قريب يا علي؟".
-"لأ، أنا باجي هنا بالمواصلات".
-"طب ما هو يا علي المحل اللي بتقول عليه بعيد، وأنا مش هلحق ميعاد السفر".
-"بس أنا عايز بنطلون العيد يا طنط".
-"وبعدين إحنا اتفقنا إنك ما تشحتش تاني أبدا".
-"المرة دي بس يا طنط".
-"بس يا علي أنا لو جبت لك بنطلون العيد السنة دي، كل سنة هتطلب بنطلون العيد من حد، ولما تكبر بعد عشرين سنة، هتكون برضه بتطلبه من حد".
-"لأ.. لأ".
-"يعني كده تبقى شحات يا علي، أحسن تتعلم دلوقتي ولما تكبر تكون بتشتغل وتعرف تشتري البنطلون من فلوسك".
ويُفكرُ عليّ لحظة، ويستطرد:
-"بس يا طنط المرة دي ممكن تشتريهولي وبعدين أبقى أنا أشتريه".
واستمر الحوار يُجاذب نفسه ما بيني وبين عليّ، إلى أن تمكنت قدماي من حملي في نهاية الأمر -كما تمنيت- إلى شاطئ البحر.. جلست دقائق معدودة أجاذب نفسي أطراف الحديث وأشاكس الموج في أمر عليّ.. طرحت الموقف على رذاذ الرياح وسألتها:
- هل يعود عليّ إلى أبيه ويخبره أنه قد قرر العودة للمدرسة؟
- هل يستجيب لنصائحي البسيطة ومحاولتي الساذجة لتقويم مسار عمره الصغير؟
- هل يُصبح يوما رجلا مُصلحا يفقه اختيار النجاح على طريق الضياع؟
الأمل الحائر
وإذ بي أحتار في نفسي، وفي ذلك الأمل الجاثم، النابض في الأعماق.. أما زال في القلب أمل في هذه الدنيا؟
أيأتي يوم ينمحي فيه الألم ويمضي إلى حال سبيله؟ أيُرفع الظُلم من الأرض وينتصر الخير على الشر؟
أيطئمن اليتيم على صدر أمه ويجتمع الحِبُّ بحبيبه ويرحل الفقر عن الأجواء؟
أتزول الحدود وتنكسر السدود، ويسكُن كل غريب إلى أهل داره بعد طول غياب؟
أما زال في القلب من المُنى بأن تتبسم له الدُنيا الزائفة وتُهاديه من مكنون الأعماق؟
ولكن، أليس العيش عيش الآخرة؟ أولم يُخلق الإنسان في كبد؟
يا لهاذا القلب الزائف، مُدعي حُب الآخرة والتجردِ لها.
ما زال يطمع ويأمل.. خيري الدنيا والآخرة: "يا رب"!
يا لها من كلمة ساحرة، مفرجة للكرب، جامعة للشمل، معالجة لكل المآسي والجراح.
ورحلت مع الموج الثائر بأفكاري، جلست أرقب ذلك الأمل الحائر حيرة الموج المتلاطم، ما بين عميق البحر وشاطئه.. أحتار فيه أنا الأخرى، أينصرني على يأس الأيام أم يُسلم للموج العائد للأعماق؟
كم أهوى الأمل! ذلك الثائر الثابت من فوق جبال الأحزان.. أسكن إليه سكن الموج على حُضن الشاطئ.. تصطلح نفسي معه اصطلاح الوادي مع مجرى الأنهار، وما الأمل إلا الموج، وما الموج إلا الأمل، كلاهما لنفسي حبيب.
لن أيأس أن ينصلح حال الغلام الصغير.. ولكن كان علَيّ أن أنهض، فقد حان موعد السفر. فهمست بها إلى الأمواج، على فرط الرذاذ علّها تبعثها إلى ذاك الأمل بعيد المنال، وعُدت إلى القاهرة، أتمتمها إلى الزحام.
وأكررها.. تلك الساحرة، مفرجة الكربات، ومؤمنة الروعات: "يا رب".
ما زال الحُلم يُراودها
لا تعاندها أيها الأمل.
ستعود يوما لتعانقها.
وتجالس أيامها الحازنة بوجه صبوح.
ستعود يوما وتلقاها.
بثورة شغبك الباسم.
وتنثر الضحك على ثغرها الصامت.
أيُها الأمل، ترفق ووافقها.
تلك الحالمة بك.
المناجية ربها فيك.
وعُد باليقين مُحققا.
من بعدِ سرد الأوهام، وعد الإيمان.
كاتبة ومستشارة بقسم التعريف بالاسلام
|