|
أجمع المسئولون الرسميون على أن مصر لن تتأثر بالأزمة المالية العالمية التي هزت عروش أقوى الدول، بل وصرح البعض بأن لدينا أنظمة رقابية أقوى من أمريكا وأوروبا.
ذكرني ذلك الموقف بشخصية وزير الصحة في الفيلم السينمائي "النوم في العسل" عندما طالب المواطنين في لقاء تليفزيوني بالوقوف أمام المرآة ثلاث مرات في اليوم مرددين: "أنا جامد، أنا حديد، أنا زى الفل"، معتبرا أن مشكلة العجز الجنسي نفسية وتحل بهذه الطريقة.
نفس الفكرة يرددها جميع المسئولين، ورغم كلامهم عن إننا لن نتأثر والمواطن العادي لن يتأثر؛ فإننا نجد على النقيض وزير المالية يعلن عن 15 مليار جنيه (الدولار الأمريكي = 5.52 جنيه مصري) إضافية سيتم ضخها في الميزانية لمواجهة الأزمة، وتحدث وزير التنمية الاقتصادية بأن خسائر مصر بحدود 25 مليار جنيه، من الذي سيتحمل هذه الخسائر إذن؟!
بمجرد أن صرح الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية المصري بأن التأثير المالي للأزمة العالمية على الاقتصاد المصري سيكون محدودا ولكنها لن تتفادى على الأرجح التبعات الاقتصادية للأزمة، أعقب هذا التصريح مباشرة سقوط مروع للبورصة المصرية، خصوصا بعد عيد الأضحى بشكل لم يحدث في بورصات العالم التي تأثرت بالأزمة، حيث تراجعت يوم الثلاثاء الأسود 7 أكتوبر بمعدل 16% في وقت كانت فيه معدلات الهبوط في البورصات الأخرى الإقليمية والعالمية ما بين 6 و9%، وكان الأكثر تضررا هم المئات من صغار المستثمرين الذين خسروا "تحويشة العمر" في البورصة، وكان ما حدث في البورصة بمثابة الجزء العائم من جبل الجليد الذي أصاب صغار المتعاملين، وتبقى تبعات بقية اهتزاز الجبل في مدى لا يعلمه إلا الله.
تأثير مباشر
ومن المتوقع أن تنعكس تأثيرات الأزمة العالمية على الكثير من القطاعات الاقتصادية بشكل مباشر؛ أهمها القطاع السياحي، حيث يتوقع انخفاض تدفق السائحين لمصر خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية والتي تمثل حوالي 60% من حجم السياحة الوافدة لمصر (طبقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الكتاب الإحصائي السنوي 2007).
وبالتالي لو انخفض عدد السياح من أوروبا وأمريكا بمقدار الربع أي 1.7 مليون سائح فستتأثر الفنادق والقرى السياحية التي يعمل بها على الأقل 135 ألف شخص، فضلا عن تأثر الصناعات والمشروعات المغذية للقطاع السياحي بدءا من مصانع الأثاث والمفروشات وانتهاء بالمصانع الغذائية وأفران الخبز، وهو ما يطرح السؤال: ألا يؤثر ذلك على دخل الآلاف من المصريين المرتبطين بقطاع السياحة؟!
وبالنسبة للقطاع الصناعي يتوقع وفقا لتصريحات كثير من المسئولين الحكوميين أن يتأثر هذا القطاع بشكل كبير بالأزمة المالية، فالنائب مصطفى السلاب وكيل اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب أكد أنه يوجد 1300 مصنع تحت الإنشاء مهددة بالتوقف بسبب الأزمة، كما صرح يحيى زنانيري رئيس جمعية منتجي الملابس الجاهزة أن صادرات الكويز ستنخفض بنسبة 20% لأن 95% منها كان يوجه للولايات المتحدة وأوروبا وأن السوق الأمريكي كان يستوعب 65% من الصادرات ولذلك يوجد 200 مصنع ملابس جاهزة ستتأثر بالأزمة.
فاروق شلش عضو غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات المصرية طالب بضرورة إيقاف الواردات المصرية من الخارج لحماية الصناعة الوطنية حيث إن 20% من المصانع مهددة بالإغلاق، وتشكو 80% من مصانع الوبريات والمفروشات من الإغلاق لأنها كانت تعتمد على التصدير لدول الاتحاد الأوروبي، كما تراجعت صادرات الأسمدة 15%.
وبالتالي نتيجة السياسات الانكماشية لمواجهة الأزمة سيقوم القطاع الصناعي والقطاع السياحي بتخفيض العمالة وهو ما سيؤدي إلى رفع معدل البطالة، أو على الأقل ستقوم تلك القطاعات بتخفيض الأجور الحالية للعاملين للبقاء في وظائفهم وفي كلا الحالتين سيتأثر العاملون في هذه القطاعات.
وبما أن معدلات البطالة في مصر مرتفعة بالأساس وتصل إلى أكثر من 9% من قوة العمل (وفق إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2007) حيث تم تقدير عدد العاطلين بنحو 2.1 مليون عاطل يُضاف إليهم الداخلون الجدد لسوق العمل كل عام والخريجون، ومع احتمال عودة نصف مليون مصري من الخارج يتوقع أن يرتفع عدد العاطلين بما يقرب من 25% من العدد الحالي.
أما انخفاض مصادر النقد الأجنبي فهذه مشكلة أخرى ستؤدي لارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه ومن ثم المزيد من ارتفاع الأسعار خاصة للسلع الغذائية والأدوية المستوردة، وفي ظل واردات تزيد قيمتها على 152 مليار جنيه، وفي ظل انخفاض الصادرات وثبات الواردات ولن نقول زيادتها، سيرتفع عجز الميزان التجاري الذي بلغ 61 مليار جنيه عام 2007. (وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2008).
جوانب أخرى للتأثر
وبخلاف هذه التأثيرات المباشرة، توجد تأثيرات أخرى غير مباشرة، منها انخفاض تحويلات المصريين العاملين في الخارج، فتأثر القطاع التجاري والصناعي وغيرهما في أوروبا وأمريكا سيؤدي إلى هذا الانخفاض.
وتقدر تحويلات العاملين في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا بـ3 مليارات دولار في عام 2007/2008 (وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2008)، كما أن تدهور سعر البترول سيؤدي لانكماش وركود في دول الخليج وتخفيض في أعداد ومرتبات العاملين المصريين هناك.
وتمثل عائدات المرور في قناة السويس أحد أهم جوانب التأثر أيضا؛ فعائداتها التي بلغت 4.7 مليارات جنيه عام 2007 (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الكتاب الإحصائي السنوي 2007)، ستتأثر مع قله عدد السفن العابرة بالقناة بسبب حالة الركود المصاحبة للأزمة، وهو ما سينعكس على دخل قناة السويس، وهي من المصادر الرئيسية للنقد الأجنبي في مصر.
ويخطئ من يظن أن البنوك المصرية بمعزل عن الأزمة -كما يشاع- فالبنوك المصرية تستثمر 5.7 مليارات جنيه في بنوك خارجية حتى يونيو عام 2007 (وفقا لبيانات البنك الأهلي المصري -النشرة الاقتصادية- العدد الأول 2008) كما بلغ صافي الأصول الأجنبية بالبنوك 45.2 مليار جنيه، وتشكل الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر من دول الأزمة 67% عام 2006/2007 منها 4.7 مليارات دولار من الولايات المتحدة و4 مليارات دولار من الاتحاد الأوروبي (وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2008)، والسؤال هل يستمر تدفق هذه الاستثمارات خلال الأعوام القادمة رغم الأزمة، والسؤال الثاني والأهم ما حجم الأموال المصرية التي ضاعت في البنوك الأجنبية التي أعلنت إفلاسها.
وللأزمة بعد آخر غائب عن الأنظار، وهو مصير مشروعات رجال الأعمال المصريين بالخارج، فعلي سبيل المثال يعتبر أحمد عز ونجيب ساويرس من كبار المتأثرين بالأزمة نتيجة لوجود استثمارات ضخمة لهما في البلاد العربية.
كما يمتلك محمد فريد خميس مصنعين أحدهما في الصين والآخر في الولايات المتحدة تم تخفيض الإنتاج بهما، ويمكن إغلاق أحد هذه المصانع، والتأثير يكمن في اضطرار كبار رجال الأعمال هؤلاء إلى تصفية بعض مشروعاتهم في مصر لتوفير سيولة يعوضون بها خسائرهم في الأسواق الدولية.
بعد ذلك علينا أن نصدق تصريحات المسئولين بأننا لن نتأثر بالأزمة وأن اقتصادنا جامد.. اقتصادنا قوي.. اقتصادنا زى الفل وزى الحديد. وأن المواطن العادي لن يتأثر بالأزمة!!!.
|