English

 

الخميس. ديسمبر. 18, 2008

علوم و صحة » بيئة » ثروات طبيعية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

"تقنية السمكة" تضيء 100 ألف منزل بالماء *

Image

ربما تشكل تيارات المياه البطيئة في المحيطات والأنهار مصدرا موثوقا للطاقة البديلة والمقبولة السعر أيضا، فأخيرا، اخترع مهندس في جامعة ميشيجان آلة تعمل كالسمكة وتحول الذبذبات المدمدمة في السوائل المتدفقة بهدوء إلى طاقة نظيفة ومتجددة.

تحمل هذه الآلة اسم «فيفاس» Vivas المُشتق من كلمة يونانية معناها الطاقة الحية، ولكنها رُكبت كي تختصر عبارة معناها «الذبذبات الناتجة من حركة دوران التيار لتوليد طاقة مائية نظيفة»، وتعتبر أول آلة معروفة تقدر على التعامل الكمي مع الطاقة الكامنة في معظم التيارات المائية البطيئة في أرجاء الكرة الأرضية، إذ إنها تعمل داخل تيارات تقل سرعتها عن عقدتين (العقدة تساوي سرعة ميل بحري في الساعة).

والمعلوم أن معظم التيارات المائية العميقة تتحرك بسرعة تقل عن 3 عقد، وفي المقابل، تحتاج طوربينات السدود المائية وطواحين الماء إلى معدل 5 إلى 6 عقد لكي تستطيع توليد الكهرباء في شكل فعال؛ ولذا، تبدو بديهية الإشارة إلى أن هذه الآلة لا تعتمد على الأمواج، ولا على حركتي المد والجزر، ولا تستعمل الطوربينات ولا تقتضي إنشاء السدود! ويمكن وصفها بأنها نظام طاقة فريد يعتمد على علم حركة السوائل في حال الميوعة، ويعمل بفضل «الذبذبات الناتجة من حركتي الدوران والتدويم».

السوائل ودواماتها النشِطَة

من المستطاع شرح آلية عمل «فيفاس» انطلاقا مما هو معروف علميا من أن الذبذبات الناتجة من حركة دوران الماء (أي التدويم) تأتي على هيئة تموجات دائرية أو أسطوانية الشكل، وتظهر أثناء عملية تدفق السوائل، بل قد تصطحب معها بعض التيارات الهوائية أيضا.

وبوضع الآلة «فيفاس» في خضم تلك التيارات، ينشأ وضع يشبه وضع «عُقْدَة» بمواجهة التدفق السائل، ما يؤدي إلى نشوء تيارات لها هيئة دوامات مائية، تتخذ شكلا معينا عند طرفي الآلة. وتعمل الدوامات على دفع الآلة ذهابا وإيابا أو يمنة ويسرة، بطريقة تُذكر بتحريك السمكة لذيلها، في شكل متعامد مع التيار الرئيسي للماء، وبرغم نشوئها في تيارات بطيئة، فإن مقدار الطاقة التي تختزنها الدوامات ليس هينا أبدا.

فمثلا، أدت ذبذبات كتلك إلى انهيار جسر «تاكوما ناروز» في واشنطن عام 1940، وكذلك الحال بالنسبة إلى أبراج التبريد التابعة لمحطة توليد التيار الكهربائي في مدينة فيريبريدج في إنجلترا عام 1965، وفي الماء، تلحق الذبذبات الضرر باستمرار بأرصفة السفن وحفارات النفط والأبنية الساحلية وغيرها.

وفي تصريحات ظهرت في أكثر من مجلة علمية، أوضح مايكل برنيتساس مطور آلة «فيفاس» -وهو أستاذ في قسم هندسة بناء السفن والهندسة البحرية في جامعة ميشيجان- عمل آلته بالقول: «خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، عمل المهندسون بدأب، وأنا من بينهم، على إلغاء الذبذبات الناتجة من الدوامات، أما الآن، فنحن نقوم بالعكس تماما في جامعة ميشيجان.. إننا نسعى إلى تعزيز تلك الذبذبات، بهدف ترويض هذه الطاقة الطبيعية القوية والمدمرة»، وأعطى مثلا عن مصدر إلهامه في استنباط الطاقة من تيارات الماء البطيئة، فقال: «إن الأسماك قد أحسنت استعمال هذه الذبذبات الناتجة من الدوامات لمصلحتها»، وتتضمن كلماته إشارة إلى الشبه بين حركتي «فيفاس» وذيل السمكة.

وتابع برنيتساس كلامه قائلا: تنقل آلة «فيفاس» بعض خصائص تقنية الأسماك، فمن المعلوم أن الأسماك تلوي أجسامها لتنزلق بين الدوامات، وتبقى في ظل الأسماك السابحة أمامها، ولنلاحظ أن أجسامها تعجز بمفردها عن الاندفاع إلى الأمام عبر المياه بالسرعة التي تتنقل بها؛ لذا تتقدم الأسماك في ظل بعضها البعض.

ويفسر ذلك جزئيا بعض المكاسب التي تجنيها الأسماك من ترحالها على هيئة أسراب كبيرة العدد؛ إذ تصبح حركتها أكثر انسيابية وسهولة، في المقابل، تجدر الإشارة إلى أن الجيل الحالي من الآلات التي صممها برنيتساس لا يشبه الأسماك على الإطلاق.

وبرغم ذلك، يصر المهندس على القول إن النسخ المستقبلية من «فيفاس» تحمل ما يشبه الذيل، كما تشتمل على سطح خشِن يذكر بحراشف الأسماك أيضا، والحق أنه يعمل في مختبره على نماذج تُشبه القوالب الأسطوانية الطويلة المربوطة برفاسات متفاوتة القوة.

وخلال التجارب، يبقى القالب الأسطواني معلقًا وسط الدفق المائي في خزان بحجم جرار كبير أو مقطورة سيارة صغيرة رُكبت في غرف ضمن «مختبر الطاقة البحرية المتجددة» الذي يشرف عليه، وتتدفق المياه في تلك الأوعية بسرعة لا تزيد على 1.5 عقدة.

«سمكة الطاقة» في وصف موجز

انطلاقا من وصف تلك الأدوات التي يستخدمها برنيتساس في مختبره، من المستطاع وصف الطريقة التي تعمل بها آلة «فيفاس» على نحو مُبسط؛ إذ يتسبب وجود القالب الأسطواني وسط التيار، بحد ذاته، بدوامات متفاوتة في أعلى القالب وأسفله، وتدفع الدوامات القالب الراكد ذهابا وإيابا، ويتحرك على الرفاسات، ما يجعله قادرا على إنتاج طاقة ميكانيكية، ثم تعمل أدوات كهرومغناطيسية على تحويل الطاقة الميكانيكية إلى تيار كهرباء!

وقد يكفي عدد قليل من القوالب الأسطوانية لتحريك سفينة راسية أو منارة، وفقا لما يفيد به برنيتساس، ويمكن تكديس القوالب الأسطوانية على سلم قصير، ويقدر هذا الباحث أن مجموعة من محولات «فيفاس» بحجم حلبة سباق وارتفاع طابقين قادرة على إمداد زهاء مئة ألف منزل بالتيار الكهربائي، لكنه يتوجب وضع المنشأة برمتها تحت الماء.

وبما أن تذبذب آلة «فيفاس» يسير في بطء غالبا، تشير النظريات إلى أن هذا النظام لن يُضر بالحياة البحرية وكائناتها، كما تفعل السدود وطوربينات المياه وغيرها من الوسائل المستعملة في استخراج الطاقة من المياه راهنا.

ويضيف برنيتساس أن الطاقة التي قد تنتجها آلة «فيفاس» مستقبلا تكلف زهاء 5.5 سنتا للكيلووات في الساعة. وتكلف طاقة الرياح 6.9 سنتات للكمية عينها، في حين أن الكلفة نفسها تصل إلى 4.6 في الطاقة النووية، وكذلك تتراوح الكلفة عينها بين 16 و48 سنتا في حال استخراجها من طاقة الشمس، وذلك رهنا بالمناخ السائد في الموقع الذي تُشيد فيها ألواح الطاقة الشمسية ومحطاتها.

في هذا الصدد، قال برنيتساس أيضا: «لن يتوافر حل وحيد وحصري بالنسبة إلى تلبية حاجات الطاقة عالميا، وفي المقابل، إذا استطعنا ترويض كسر بالألف من الطاقة الكامنة في أحد المحيطات الكبرى، فقد نغطي حاجات الطاقة لما يفوق 15 بليون نسمة»!

وفي السياق عينه، أجرى الباحثون أخيرا دراسة جدوى اقتصادية كشفت أن الآلة «فيفاس» قد تنجح في سحب الطاقة من نهر ديترويت؛ ولذا، ينكب فريق علمي حاليا على تركيب نموذج منها في ذلك المكان، ويُتوقع الانتهاء من إعداده في غضون 18 شهرا.


*نقلا بتصرف عن مقال نشر في صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 16/ 12/ 2008

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
 
 
 

ابحث

بحث متقدم