|
| طارق الكحلاوي |
اعتبر الخبير الإستراتيجي الدكتور طارق الكحلاوي أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة "روتجرز" الأمريكية أن سياسة الرئيس الأمريكي الجديد "باراك أوباما" بالرغم من اعتمادها بالأساس على العديد من الشخصيات التي كانت ضمن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق "بيل كلينتون"، فإنها لا تعد إدارة "كلينتونية" ولا تعني أن أوباما سيستنسخ السياسات الكلينتونية.
ورأى الكحلاوي أن الإدارة الجديدة بتركيبتها الحالية لديها نوعا ما رؤية مجزأة للمنطقة، ومن ثمة لا ترى ضرورة لربط أي ملف بالآخر، قائلا: "يوجد لدى هذه الإدارة أولويات وفصل نسبي للمسارات".
وفيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، توقع الأستاذ في جامعة "روتجرز" أن يكون تعيين بعض الشخصيات التي لها آراء منتقدة لإسرائيل في إدارته مثل "دانيال كورتزر" في موقع "مبعوثه الخاص" للمنطقة، فضلا عن مستشاره للأمن القومي "جيمس جونز" هو العمل على تحقيق توازن بين فريق إدارته، خاصة في ظل مواقف وزيرة الخارجية المرتقبة "هيلاري كلينتون" المساندة بقوة لإسرائيل.
وفيما يلي نص الحوار:
* بعد تعيين السيناتورة هيلاري كلينتون على رأس الدبلوماسية الأمريكية ووجود غالبية من المستشارين المعروفين بولائهم لإدارة "كلينتون" السابقة.. هل يعني ذلك أن حظوظ التغيير في السياسية الخارجية الأمريكية ما زالت قوية، خاصة بعد الوعود التي أطلقها أوباما إبان حملته الانتخابية؟
مما لا شك فيه أننا إزاء إدارة في الغالب كلينتونية، وذلك على كافة الأصعدة، خاصة في الملفين الأكثر أهمية، أي الأزمة المالية والاقتصادية وملف السياسة الخارجية، لكن يجب القول إنها إدارة كلينتونية بمعنى محدد، وهو أن أعضاء الإدارة انتموا في السابق إلى إدارة الرئيس كلينتون لا أكثر.
والأمر الذي نحتاج التركيز عليه هو هل أن أوباما سيستنسخ السياسات الكلينتونية، أم أنه سيمارس سياسات مختلفة بعض الشيء بعناصر ذات ماض إداري كلينتوني؟.
منذ الإعلان عن أسماء الإدارة الجديدة يتركز النقاش تحديدا حول: هل أوباما بصدد تعيين أشخاص يتميزون بسياساتهم الخاصة؟ أم أنه يعين أشخاصا يعتقد أنهم سيحسنون تنفيذ سياساته؟.
والملاحظ أن هذا الأمر لا يتعلق بملف السياسة الخارجية فحسب، بل يتجاوزه إلى الملف الأول والأكثر أهمية بالنسبة لإدارة الرئيس المنتخب أوباما، أي الملف الاقتصادي.
لكن يمكن القول إن هناك بعض المؤشرات، التي تنتظر الاختبار، على أن الإدارة الجديدة "ستحكم يسارا باليمين"، أي أن وجود عناصر نيوليبرالية من إدارة الرئيس كلينتون على سبيل المثال في الفريق الاقتصادي (غايثنر وسامرز) لا يعني أن السياسات التي ستطبق هي السياسات النيوليبرالية التي سادت في التسعينيات، والتي دفعت الحزب الديمقراطي نحو يمين الوسط وساهمت في الأزمة الحالية من خلال رفع الرقابة عن معاملات رأس المال المالي.
فالخطط الاقتصادية التي تم إعلانها، والتي تقوم على مصاريف فيدرالية ضخمة تركز على مشاريع النفع العام وتزيد من عجز الميزانية هي على النقيض تماما من الأطروحات التي طالما تمسك بها أشخاص هذا الفريق عندما كانوا يقودون الملف الاقتصادي في عهد الرئيس كلينتون، وهذا يعني أننا إزاء أشخاص تم اختيارهم على أساس خبرتهم، وعدم ترويع الأسواق المالية، وأيضا على أساس قدرتهم على التكيف مع الظروف الجديدة ومن ثمة تغيير مواقفهم.
لا يعني ذلك أن فريق السياسة الخارجية سيكون بالضرورة بنفس القدر من البرجماتية، إذ للملف الاقتصادي خصوصية تتمثل في حدة الأزمة، والحلول الإستراتيجية الضخمة التي تستلزمها، وضعف موقف الذين سيواصلون التعويل على مواقف من الماضي.
ولنتمعن أولا في فريق السياسة الخارجية ومدى كلينتونيته، سواء من ناحية الأشخاص أو السياسات، فيجب قبل كل شيء التأكيد على أن هيلاري كلينتون بالتحديد لم تشغل أي دور فعلي في ملف السياسة الخارجية خلال العهدين الرئاسيين لزوجها، كما أن نائبها المحتمل في وزارة الخارجية جيمس ستاينبرغ، والذي عمل سابقًا في إدارة الرئيس كلينتون، قد بدأ العمل في فريق أوباما بشكل مبكر، ومستشار الأمن القومي جيمس جونز لم يعمل سابقا في إدارة الرئيس كلينتون (إلا إذا اعتبرنا مهامه ضمن قوات الناتو في أوروبا آنذاك سببا لاعتباره جزءًا من إدارة الرئيس كلينتون، وذلك غير دقيق)، وينطبق نفس الشيء على وزير الدفاع روبرت جيتس.
والحقيقة أن الحضور القوي لمن يمكن أن نسميهم بالكلينتونيين (على الأقل من حيث ماضيهم البيروقراطي) يكمن في وجودهم في مواقع أقل بروزا بما في ذلك سوزان رايس في موقع السفيرة الأمريكية المرتقبة في الأمم المتحدة، ويوجد أيضا عدد كبير من هؤلاء في الفريق الانتقالي المكلف بوزارات ذات علاقة بالسياسة الخارجية، خاصة وزارتي الخارجية والدفاع.
وما يلفت الانتباه أن الرئيس المنتخب كان يبدو قلقا في الندوة الصحفية التي قدم فيها فريقه للسياسة الخارجية والأمن القومي من أن يكون ضعيفا أمام الشخوص القوية التي اختارها؛ ولهذا كرر أكثر من مرة أن الجميع سينفذ "رؤيته" أولا وأخيرًا بما يظهر عناصر هذا الفريق كموظفين لديه.
وفي هذا السياق أصر في الأسبوعين الأخيرين على التأكيد أنه سينسحب من العراق في ظرف 16 شهرا، وهو ما يتفق مع برنامجه الانتخابي، ولا يتفق مع رؤى بعض المواقف المعروفة لمن اختارهم في وظائف الأمن القومي، خاصة هيلاري وجيتس.
ويبدو هذا الإصرار رسالة على الأقل حتى الآن من أوباما بأنه "الحاسم"، وأن البقية لا يتعدون كونهم أدوات تنفيذية واستشارية، وبالتأكيد الوقت وحده سيحسم مدى تطابق هذه الصورة مع الواقع.
* بخصوص هيلاري كلينتون ولاسيما مواقفها من الصراع العربي الإسرائيلي، هل نستطيع القول بأن مواقفها ستكون نسخة مطابقة لمواقف زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون؟ أي ما هي حدود التماس بين الرؤية الكلينتونية والرؤية "الأوبامية" في سياسة الولايات المتحدة المستقبلية تجاه هذا الملف؟.
لا يمكن التفكير كثيرًا في الخطوط العامة لرؤى هيلاري كلينتون، بينما يخص ملف الصراع العربي الإسرائيلي؛ إذ إن تاريخها في مجلس الشيوخ، وبوصفها ممثلة لنيويورك، حيث توجد أقلية يهودية مؤثرة، يشير بشكل عام إلى دعم كامل للموقف الإسرائيلي بمعزل عن اتجاهاته.
ولئن كان ذلك غير كاف لفهم تأثيرها المحتمل على سياسات الإدارة الجديدة في هذا الخصوص، فإنه يجب أن نضع في الاعتبار مجموعة من النقاط، أولها أن هناك ما يكفي من المؤشرات التي تحيلنا إلى أن هذا الملف تحديدا سيكون بالضرورة في أسفل أولويات الإدارة الجديدة بمعزل عن هوية وزيرة الخارجية الجديدة، وأهم هذه الإشارات هي الرؤية العامة لأوباما للمنطقة وأولوياته.
ومثلما أشار بعض المحللين البريطانيين في مقارنة بين الرؤية البريطانية الراهنة ورؤية الإدارة الأمريكية الجديدة، فإن الأولى ترى تشابكا بين مختلف الملفات، ولا ترى ضرورة في ترتيب الأولويات، حيث ترى أهمية الملف الإيراني بنفس أهمية ملف الصراع العربي الإسرائيلي، غير أن الإدارة الجديدة لديها نوعا ما رؤية مجزأة للمنطقة، ومن ثمة لا ترى ضرورة في ربط أي ملف بالآخر.
وهكذا توجد لديها أولويات وفصل نسبي للمسارات، وأول الأولويات طبعا ملف الانسحاب من العراق الذي سيتم التركيز عليه بوصفه جزءا من الملفات الداخلية (وعود أوباما إلى عائلات الجنود وتداعيات الأزمة الاقتصادية على الميزانية العسكرية)، وليس جزءا من ملف السياسة الخارجية فحسب.
الملف الثاني: هو الملف الإيراني، وذلك لارتباطه المباشر بالملفين العسكريين الأساسيين أي العراق بدرجة أولى وأفغانستان بدرجة ثانية، وبالطبع ستكون المفاوضات الشاملة المرتقبة بين الطرفين (والتي هناك مؤشرات على أنها ستنطلق بشكل سري بداية من شهر فبراير المقبل) ستكون متمحورة حول المدى الذي ستقبل به الإدارة الجديدة بدور إيراني في المنطقة بشكل عام.
والسلاح النووي خط أحمر أمريكي ليس بسبب اختلال التوازن مع الطرف الإسرائيلي فحسب، بينما ستكون بقية الملفات مفتوحة.
ومن المرجح أن تحتوي الورقة التي قدمها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي (أي الشخص الرئيس المشرف على السياسة الخارجية الإيرانية بمعزل عن هوية الرئيس) في نهاية شهر أبريل 2003، ولم تظهر إعلاميا إلا من عامين فقط، على الحدود العامة للمطالب الإيرانية وخطوط التراجع الإيراني.
هنا تحديدا يمكن أن يطل ملف الصراع العربي الإسرائيلي على سلم أولويات الإدارة الجديدة، إذ سيتم طرح الدور الإيراني بالنسبة للتنظيمات الفلسطينية واللبنانية المسلحة.
وحسب ورقة خامنئي، فإن الإيرانيين يمكن أن يكونوا مستعدين لطرح هذه الورقة على طاولة المفاوضات مقابل مسائل أكثر أهمية بالنسبة إليهم خاصة دورهم في المحيط الإيراني المباشر وبعض القضايا الاقتصادية المتعلقة باتفاقيات تجارية دولية.
ويمكن استقراء ثانوية ملف الصراع العربي الإسرائيلي بالنسبة للإدارة الجديدة أيضا من خلال مؤشر آخر لا يقل أهمية، وهو الاتجاهات العامة لمراكز الأبحاث التي يأتي منها معظم المستشارين والخبراء في السياسة الخارجية والذين سيعملون ضمن الإدارة الجديدة.
وأذكر هنا بشكل خاص بـ "مركز الأمن الأمريكي الجديد The Center for New American Security) من خلال حضور أسماء بارزة ضمن الفرق التي عينها الرئيس المنتخب في إدارته الانتقالية بالنسبة لملفات الشئون الخارجية، ومن أبرزهم: ميشال فلورني التي أسست بمعية كورت كامبال "مركز الأمن الأمريكي الجديد" منذ حوالي سنة.
وهناك أيضا ويندي شيرمان، المكلفة من قبل أوباما بمراجعة وضع وزارة الخارجية، وهي عضوة في مجلس إدارة المركز، وسوزان رايس المذكورة أعلاه وهي عضوة في مجلس إدارة المركز.
ونفس الشيء بالنسبة لجيمس ستاينبرغ المكلف مع رايس بالإشراف على ملف "الأمن القومي" في "مجموعات العمل على السياسات" في الإدارة الانتقالية لأوباما، والذي من المرتقب أن يشغل موقع نائب وزير الخارجية.
وبالإضافة إلى ذلك برزت أسماء أخرى من بين الذين قدموا مشورة للرئيس المنتخب أو من بين المرشحين إلى مناصب متقدمة من الناشطين في المركز، مثلا ريتشارد دانزيغ، عضو مجلس الإدارة، برز كأحد المرشحين لمنصب متقدم في وزارة الدفاع، وهناك كذلك جون ناغل الذي برز كأحد أهم مستشاري أوباما في ملف أفغانستان، خاصة موضوع "حرب العصابات".
وبشكل عام، وبالنظر إلى الدراسات التي أنجزها المركز، لا يوجد أي بحث أو ورقة من إنجاز هذا المركز في علاقة الإدارة الجديدة بملف الصراع العربي الإسرائيلي، ونفس الشيء ينطبق على بقية المراكز المؤثرة في الإدارة الجديدة.
* إذن هذا يعني أن ملف الصراع العربي الإسرائيلي لن يتم التطرق إليه؟
لا بالطبع سيتم التطرق إليه، بداية يمكن النظر إلى الجنرال جيمس جونز ليس كمستشار أمن قومي فحسب، بل بوصفه أكثر الأشخاص الموجودين في مواقع تنفيذية في الإدارة الجديدة الذين لديهم خبرة ميدانية بتفاصيل الصراع بوصفه كان خلال الفترة الماضية مبعوثا خاصا للرئيس بوش إلى المنطقة خاصة في مهام تتعلق باستكشاف الوضع الأمني ومدى تطبيق الطرفين للتفاهمات التي تم التوصل إليها إثر مؤتمر أنا بوليس.
وهنا يجب التوقف عند مسألتين:
الأولى: علاقة جونز بهيلاري ومدى تأثيرها على السياسة العامة للإدارة وتوازن القوى بين المنصبين، ويجب أن نتذكر هنا أن مستشار الأمن القومي يلعب تقليديا دور حارس بوابة الرئيس في خصوص تبادل الآراء فيما يخص تفاصيل السياسة الخارجية.
وقد كتب بعض المحللين الأمريكيين حول مدى إمكانية التفاهم والصدام بين كلينتون والجنرال جونز، فاختيار الأخير يأتي ضمن معطيات من بينها أمثلة سابقة نجح فيها قادة عسكريون في لعب دور مدني بهذا المستوى في سياق الوساطة وتسويق مواقف الرئيس في اتجاهات مختلفة؛ بهذا المعنى يبدو الجنرال جونز أقرب أعمدة السياسة الخارجية إلى الرئيس.
وهنا يجب الإشارة إلى بعض الاختلافات بين موقفي جونز وهيلاري بخصوص الصراع العربي الإسرائيلي بناء على مواقف سابقة، فمثلا من المهم الإشارة إلى التقرير الذي قدمه الجنرال جونز في أغسطس الماضي بناء على جولاته في المنطقة كمبعوث خاص، والتي توصل فيها إلى خلاصات تنتقد الدور الإسرائيلي في تصعيد الصراع والاستفزاز، وتعقيد دور القوى الأمنية الفلسطينية، وهو التقرير الذي تم تقديمه إلى الكونجرس ولم يحظ آنذاك بالتغطية اللازمة، لكنه بالتأكيد لا يبدو من نوع المواقف التي تنحاز على أسس سياسية أو غيرها للموقف الإسرائيلي، والتي يمكن أن تتخذها السيدة كلينتون.
وربما دفع هذا البعض (مثلا في مقال في مجلة "نيو ريببليك" 26 نوفمبر الماضي) إلى توقع بعض الاحتكاك بين مواقف جونز ومواقف كلينتون في خصوص الصراع العربي الإسرائيلي.
من جهة أخرى هناك الآن بعض الأخبار شبه المؤكدة بأن أوباما سيعين أحد أقرب مستشاريه في السياسة الخارجية دانيال كورتزر في موقع "مبعوث خاص" مكلف تحديدا بهذا الملف، والمثير في هذه الأخبار، أنها تؤكد أن مهمة كورتزر ستكون مرتبطة مباشرة بالرئيس وليس بوزيرة الخارجية (تم التأكيد على عبارة "مبعوث الرئيس").
وهنا يحتاج كورتزر وقفة خاصة؛ إذ من اللافت أن مواقفه قريبة جدا من مواقف الجنرال جونز، وليس مواقف وزيرة الخارجية المرتقبة هيلاري كلينتون، بما يشير أنه حتى في حالة كون هذا الملف في أسفل سلم الأولويات، فإن أقرب مستشاري الرئيس في هذا الملف لا يحملون مواقف متعارضة؛ مما يوحي برغبة الرئيس المنتخب بتقريب موقف منسجم محدد منه.
وكان كورتزر التحق بفريق مستشاري أوباما في شهر أبريل 2008، وهو ما أدى إلى حملة من قبل بعض الأوساط الجمهورية، وكذلك الإسرائيلية على فريق مستشاري أوباما آنذاك في استمرار لحملة بدأت منذ خريف 2007 عندما تم اتهام غالبية أعضاء هذا الفريق بأنهم "معادون لإسرائيل"، فكون دانيال كورتزر يهودي أرثوذكسي وسفير للولايات المتحدة في إسرائيل بين أعوام 2001 و2005، لم يمنع البعض من اعتباره "معاديا" لإسرائيل.
والسبب الأساسي لهذه الحملة هي المواقف التي درج كورتزر على التعبير عنها منذ كان مساعدا لوزير الخارجية جيمس بيكر في بداية التسعينيات، إذ كان إسحاق شامير رئيس وزراء إسرائيل آنذاك، يسمي كورتزر مع مساعدين يهود آخرين لبيكر بأنهم "اليهود الصغار لبيكر" تعبيرا عن رفضه لمساهمتهم في تركيز الموقف الأمريكي على مقولة "الأرض مقابل السلام"، والعمل على الاعتراف الأمريكي بمنظمة التحرير الفلسطينية وإقحامها في مفاوضات مدريد، وهو ما تم اعتباره "محاباة" للفلسطينيين.
لكن أغلب الانتقادات تركز على مؤلف شارك في كتابته كورتزر عام 2008 تحت عنوان "مفاوضات السلام العربي الإسرائيلي"، حيث هناك مقاطع تحمل المسئولية للطرف الإسرائيلي، وكذلك انحياز الراعي الأمريكي في انهيار "مسار السلام" بما في ذلك مفاوضات كامب ديفيد التي أشرف عليها الرئيس كلينتون بنفسه.
* وماذا يعني الإبقاء على وزير الدفاع الأمريكي الحالي في إدارة بوش في منصبه؟ هل هي رسالة يريد من خلالها أوباما طمأنة جزء من الجمهوريين والمحافظين الجدد؟.
هناك عدد من الاحتمالات فيما يخص تعيين جيتس، أكثرها بداهة وتبسيطا حاجة أوباما لتعيين جمهوري في إدارته وفقا لما أعلنه في حملته الانتخابية؛ ولأن جيتس محسوب على "الجمهوريين المعتدلين"، ومقرب من الرئيس بوش الأب، فإنه يستجيب إلى عدد من المعايير التي اعتمدها الرئيس المنتخب في اختيار العضو "الجمهوري" في إدارته مثل خاصية "الاعتدال" والاحترام الخاص الذي يكنه أوباما للرئيس بوش الأب.
ومن هذه الزاوية فقط لا يمكن أن يكون تعيين جيتس إرضاء للمحافظين الجدد، لكن الأمر أكثر تعقيدا، وقد طرح الكثير من اللغط والانتقادات، حتى بين مناصري أوباما، خاصة من بين الأطراف اليسارية من داخل الحزب الديمقراطي.
وقد طرحت بعض الاحتمالات الأخرى في إطار فكرة "الحكم يسارا باليمين"، ويجب أن نتذكر هنا أن جيتس أتى لوزارة الدفاع بالتحديد في فترة كثر حديث الإدارة فيها عن بدء انسحاب متدرج والإسراع في نقل السلطات للحكومة العراقية، وجيتس أتى أيضا في خضم تصريحات قالها هو ينتقد فيها أي نوايا لضربة عسكرية لإيران أو ما أسماه بـ"عسكرة" السياسة الخارجية الأمريكية.
وعموما يتميز وزير الدفاع الحالي بأنه بيروقراطي ناجع، وليس صانع سياسات، ومن ثمة فهو "يميني" شكلا لكنه مطيع رئيسه في العمل قبل كل شيء.
وهناك وظيفة أخرى يمكن أن يقوم بها جيتس أيضا، وهي تهيؤه للعب دور مخفف الصدمات مع الأوساط العسكرية التي لا ترتاح للرؤساء الديمقراطيين عادة، والتي لا ترغب في الظهور بمظهر المنهزمة في الصراع العسكري في العراق، ومن ثمة ستقاوم أي انسحاب "سريع"، وهو الأمر الذي عبر عنه رئيس هيئة الأركان "مايكل مولن" الذي قلل من أهمية مقولة الانسحاب مع نهاية عام 2011 في "الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية" على أساس أن أي "انسحاب يجب أن يبقى مشروطا بالظروف الميدانية".
وهذا مؤشر على صدام مرتقب مع هذه الأوساط حول خطط الانسحاب التي تعهد بها أوباما خاصة أن الأخير بدا متمسكا بتاريخ "16 شهرا" كمدى زمني للانسحاب.
وهكذا أعتقد أن اختيار جيتس، وكذلك الجنرال جونز، وحتى هيلاري كلينتون يأتي جزئيا في سياق تخفيف الصدام المرتقب مع هذه الأوساط العسكرية.
|