|
كشف استطلاع رأي أجرته شبكة "إسلام أون لاين" قبول زوار الموقع بالزواج من أرملة بدون أي تحفظات أو شروط ، مما يعكس تفهما وتعاطفا واضحا من الجمهور لوضع الأرملة وظروفها، خصوصا الفئة الشابة منها، وعدم الانسياق وراء مجموعة من المعتقدات والتقاليد المجتمعية التي تحكم على الأرملة بالبقاء بقية عمرها أسيرة لذكرى زواجها الأول، وتتهمها بالخيانة وعدم الوفاء إن هي قررت الدخول في تجربة ارتباط جديد.
نقبل ولكن..
وكانت "شبكة إسلام أون لاين" قد فتحت ملف الأرامل لترصد من خلاله مشكلاتهن المسكوت عنها؛ وفي هذا الإطار جاء الاستطلاع الذي بدأ في 2-12-2008 ليعلن من خلاله أكثر من55.63% من جملة 2993 مشاركا قبولهم للزواج من أرملة بدون إبداء أية تحفظات.
في حين أبدى 31.57% موافقتهم، ولكن باشتراطات معينه سبق وحددها الاستطلاع، حيث اختار 54.41% أن تكون الأرملة صغيرة السن، في حين اختار 37.57% منهم شرط ألا يكون لها أولاد من زوجها الراحل، بينما اشترطت النسبة المتبقية 8.02% أن يتم إعفاؤهم من كافة حقوقها المادية.
وفي مقابل هذه التحفظات لم يرفض الزواج من الأرملة سوى 12.8% فقط لأسباب حددها الاستطلاع في نظرة المجتمع الذي يرفض زواج الأرملة للمرة الثانية، ورفض الرجل أن يكون الثاني في حياة امرأته، وأخيرا التشاؤم، ومن بين هذه الاختيارات الثلاثة كان على الزائر أن يختار من بينها سبب رفضه، وقد جاء الاختيار الثاني في المقدمة حيث أبدى 77.47% من المشاركين رفضهم أن يكونوا الرجل الثاني في حياة المرأة التي يرغبون في الاقتران بها، بينما رفض الفكرة نسبة 14.68% بسبب نظرة المجتمع، أما التشاؤم فلم يتطرق إليه إلا عدد محدود لم تتجاوز نسبتهم 7.85%.
مفارقة عجيبة
وقد جاءت هذه النتائج مبشرة لواقع الأرامل الذي رصدته صفحة حواء وآدم في التعليقات التي وردت على المداخلة التي بدأت بها الملف تحت عنوان " الأرامل.. وإنكار الحقوق الإنسانية " للوقوف على طبيعة مشكلاتهن؛ لتحكي فيها 10 أرامل من بين 22 تعليقا عن تجاربهن الحية التي أظهرت بوضوح إشفاق المجتمع على الرجل من الوحدة، فيتم السماح له بالزواج مرة ثانية، بينما يحرمه على المرأة، وربما تحرمه المرأة على نفسها، باسم الوفاء للزوج الراحل.
تؤيد "مسلمة" هذا الرأي فتعلق على ما جاء في التعليقات من اقتراحات بقولها: "أعتقد أن كل امرأة في الدنيا يجب أن ترضى بقضاء الله وقدره؛ فإن قدر الله أن يتوفى زوجها، فلا تخون عشرة زوجها الراحل بالزواج".
وتحت عنوان مفارقة عجيبة ترصد "أم سلمى" مناقضة المجتمع لنفسه وتحريمه على الأرملة ما أحل الله في تعليقها:
قالوا:
توفي زوجها
إنها مسكينة
ما زالت شابة صغيرة
ترك لها عيالا
وتركها وحيدة
يالحسرتها
لا معين ولا معيل لها
ولكنها قوية أمينة
ستضحي بكل شيء
لتوفر لعيالها عيشة كريمة
فأولادها هم حياتها
والمرأة تستغني بأمومتها
عن الزوج وعن دور الحبيبة
وقالوا:
توفيت زوجته
وتركته في حيرة
كيف يربي عياله
بدون زوجة ورفيقة
إن هذا لفوق طاقة البشر
وليس له في الأمر حيلة
إنه يعود إلى البيت منهكا من عمله
فكيف يهتم بالأبناء
إنها معادلة مستحيلة
عليه أن يتزوج في أقرب وقت
إنها سنة الحياة
والزواج معين على الفضيلة
أما "أم النورين" فتصرخ قائلة: "أكره نظرات الشفقة من الناس.. أكرههااااااااااااااا.. أتمنى أن أنعزل"، وتعلن خلاصة تجربتها بأن الأرملة التي يتوفى عنها زوجها لا مكان لها في البلدان العربية.
لا بد من التغيير
وتوجه "سها أحمد" الدعوة للمجتمعات العربية بضرورة تغيير هذه النظرة قائلة: يجب أن تتكاتف كل الجهود لمساندة الأرملة، فالإنسان الذي يفقد شطره له حقوق مثلما عليه واجبات، ويجب ألا ننسى حقوقه ونضع أمام عينيه الواجبات فقط، والتي لا يمكنه في كثير من الأحيان أن يقوم بها بمفرده، كيف وقد كان يقوم بها وشريك عمره معه.
وترى أن تعدد الزوجات هو الحل الأمثل، حيث تقول: يجب أن تضع كل امرأة نفسها مكان التي مات عنها زوجها لتجد أنها تحتاج لزوج يربي معها أبناءها ويسأل عنها حين ينساها الناس ويحل مشاكلها التي لا تفتأ أن تزداد بعد وفاة الزوج، وأن يلبي احتياجاتها كإنسانة لها غريزة يجب أن تشبعها حتى تقوم بأداء واجباتها على أتم وجه، وهذا لن يتحقق إلا بتغيير نظرة المجتمع لمفهوم الزواج الثاني والثالث وتغيير النظرة لمن تتزوج بعد زوجها ولمن تزوج عليها زوجها، فهذه بالأخص قد تبدو أمام أعين الناس كمقصرة أو كأن بها عيبا فاحتاج زوجها أن يتزوج عليها، وهو مفهوم خاطئ لا بد أن يتغير.
أما "مؤمنة " فهي ابنة لأم عظيمة توفي زوجها بعد زواج دام 5 سنوات فقط أنجبا خلالها ثلاثة أطفال عمر أكبرهم كان 4 سنوات وأصغرهم 10 أشهر.
تحكي الابنة معاناة أمها على مدار ثلاثين عاما رفضت خلالها أن تتزوج من أجل أبنائها، لتنهي مؤمنة تعليقها قائلة: مع خالص حبي وتقديري واحترامي لأمي الحبيبة الحنون المخلصة الوفية، إلا أني كنت ومازلت أتمنى أن تتزوج بعد وفاة والدي من يرعاها ويعينها ويحتويها، ولا أقصد بذلك الرعاية المادية بل النفسية، أنا أشعر نحو زوجي بأنه السند والستر والعديد من المشاعر الجميلة التي أود لو تنعم بها أمي الحبيبة التي أحبها أكثر من كل شيء وأي شيء، ولا يعزيني في حزني عليها إلا ما سمعته من الدكتور عمر عبد الكافي أن من مات عنها زوجها وبقيت على أبنائها ترعاهم كانت تسابق النبي إلى الجنة بإذن الله كتفها بكتفه (يا رب تقبلها قبولا حسنا وأحسن خاتمتها).
لنجعلها انطلاقة
ولم تقتصر تعليقات المداخلة على رأي النساء فقط، ولكن شملت أيضا رأي عدد من الرجال، وإن بدا قليلا لم يتجاوز ثلاثة معلقين، والذين لم يكتفوا فقط بتأييد فكرة زواج، وإنما أبدوا رغبتهم الحقيقية في الزواج من أرملة؛ حتى أن أحدهم يعلق باسم طالب بقوله: "إذا عندكم أرملة ذات خلق ودين، وترغب في الزواج فأعلموني...".
ويختم أبو عبد الله المصري - الذي وصف نظرة المجتمع للأرملة بأنها غير منصفة - التعليقات بلمحة دينية جميلة فيقول: لو راجعنا هدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه لما وجدنا هذه المشاكل، فكل امرأة بلا زوج طلقت أو مات عنها زوجها كانت تجد لها زوجا يعينها على مواصلة حياتها بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، وما قصة أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ببعيدة، عندما توفي زوجها الأول فعرض أبوها عمر أمر زواجها على أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعا، فسكتا ثم تزوجها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والأمثلة مثلها على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم كثيرة.
فعلينا جميعا في مجتمعنا العربي والإسلامي رجالا ونساء أن نعيد النظر في نظرتنا لمسألة زواج الأرملة بما يتوافق مع قرآننا وهدي رسولنا صلى الله عليه وسلم.
الزواج هو الأصل
وعن إشكالية زواج الأرملة الذي يرحب به البعض ويرفضه آخرون يعلق مسعود صبري – عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ومستشار النطاقات الاجتماعية بالموقع - بقوله: تختلف نظرة الأرامل فيما يخص الزواج بعد وفاة الزوج حسب حالة كل أرملة وفكرها، ففيما تفضل الأرملة التي لم تنجب الزواج، وربما ساعدها أهلها في ذلك، نجد أن الأرملة ذات الولد يميل غالبهن إلى عدم الزواج واعتبار الأولاد هم حصنها من نظرات المجتمع، كما أن إقبال الخاطبين عليها يقل معدله، وتختلف نظرة الأسرة إليها، فهناك من الأسر من تشجع الأرملة على الزواج، وهناك من الناس من يرى زواج الأرملة عيبا وعارا، وخدشا في أمومتها، واتهاما لها عن القيام بحق أولادها.
وعن ترحيب زوار "إسلام أون لاين" بالزواج من أرملة يقول: إن هذا مرده أن الشعوب العربية متدينة بطبعها، فالناظر إلى المجتمع المسلم الأول يجد زواج الأرملة أمرا اعتياديا، ولم يكن الناس يفرقون في الزواج بين الأرملة وغيرها، فكان غالب من تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه أرامل، ولم يتزوج بكرا غير عائشة – رضي الله عنها - بل كانوا يتسابقون إلى الزواج بالأرملة.
ويتابع: لست ممن يدعو إلى أن يتزوج الأرملة رجل متزوج، فهذا اختيار اجتماعي، فربما تزوجها من لم يسبق له الزواج، ولكن يجب أن يعود للمرأة حقها في الزواج بأي شكل كان، ما دام الله تعالى قد أحله، مع اعتبار أن الزواج، سواء أكان أول مرة أو كان تعددا، في أصله مستحب وراجع إلى اختيار الناس، ولكن ما أحب أن أؤكده هو أن تكسر الأرملة الحصار المفروض عليها، وأن تنظر حاجتها، فإن كانت من أهل العزائم وقد كبرت سنها، واختارت أن تعيش لأولادها، فتلك امرأة صابرة محتسبة، أو أن تشعر بحقها في الحياة مع رجل آخر، فليس موت الزوج نهاية المطاف، ولا تبالي بنظرة الناس وكلامهم، فإن رأيهم لا نصيب له في شرع الله، ولن يزيل الخوف والقلق، ولن يشبع الكلام عنها رغبتها كإنسان له احتياجاته البشرية، وعليها أن توازن إما أن تصلى نار كلام الناس، أو أن تسير وفق شرع الله تعالى، وأن ترى شريك حياتها، حتى يعينها على الطريق، فيكون لها نعم الزوج والرفيق.
ويختم حديثه بقوله: كثير من مشكلاتنا عائقها نحن لا غيرنا، فالحياة الخاصة لا يتدخل فيها العامة، إلا ما كان من باب الاستشارة، ولم نجد في نصوص الشريعة تفريقا بين تزويج البكر وتزويج الأرملة، بل ربما أعطت الشريعة الحق للأرملة أكثر من البكر في تزويج نفسها؛ لما لهن من خبرة في الحياة ودروبها.
محررة في النطاقات الاجتماعية بشبكة اسلام أون لاين.نت
|