من يقرأ نصوص الاتفاقية الأمنية المزمع توقيعها بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة الأمريكية سيتوقف بالضرورة أمام ثلاث ملاحظات تتصل بموضوع النفط الذي يعتبره كثيرون سببا رئيسيا للغزو الأمريكي للعراق.
الملاحظة الأولى: تفرضها لغة الأرقام، فمن بين حوالي ستة آلاف كلمة تحتويها الاتفاقية، لم ترد كلمة النفط (البترول) سوى ثلاث مرات فقط، جاءت ضمن البنود الخاصة بالتعاون في المجالات الاقتصادية، والتي تؤكد على ضرورة "تشجيع تنمية قطاع الكهرباء والنفط والغاز العراقي بما في ذلك تأهيل المنشآت والمؤسسات الحيوية وتعزيز القدرات العراقية وتأهيلها".
والملاحظة الثانية: تثيرها بنية الاتفاقية التي خلت بشكل غير متوقع من قسم خاص بهذا الموضوع الإستراتيجي، رغم أنها خصصت أقساما عديدة لقضايا أقل أهمية مثل التعاون في مجال إنفاذ القانون والقضاء.
أما الملاحظة الثالثة: فمصدرها أن الطرف الأمريكي ألزم نفسه بدعم "جهود العراق من أجل استثمار موارده من أجل التنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة"، دون توضيح لمعنى الدعم ومجالاته وآلياته، وذلك خلافا لما جاء في أقسام أخرى ذكرت فيها تفاصيل كان يمكن الاستغناء عنها.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات سيجد المدقق في نصوص الاتفاقية أنها تحمل في ثناياها مرجعية تحدد مصير النفط العراقي، وتمنع في الوقت ذاته أية حكومة عراقية من التفكير في العودة إلى زمن التأميم.
وتتأسس هذه المرجعية على قاعدتين أساسيتين:
أولاهما: ما ورد في الاتفاقية عن التزامات عراقية تجاه النظام العالمي، وبالخصوص الشريك الأمريكي.
وثانيتهما: ما جاء فيها من نصوص بشأن صلاحيات الحكومة العراقية في مجال تنفيذ الاتفاقية نفسها على أرض الواقع.
بهذا المعنى تتيح الاتفاقية- والتي يخرج العراق بمقتضاها من تحت الوصاية المفترضة للأمم المتحدة- الفرصة للحكومة العراقية كي تبسط شرعية قانونية أولا بأثر رجعي على الإجراءات التي اتخذتها خلال السنوات الماضية لترجمة الرؤية الأمريكية المعلنة في الجانب النفطي، وثانيا على القوانين والقرارات والاتفاقات التي تتجه لإصدارها أو إبرامها في الفترة المقبلة.
ففي ظل الاتفاقية سيكون ضخ إنتاج العراق النفطي في شرايين الاقتصاد العالمي "جزءا من عملية اندماج ثنائية المنافع"، وستصبح خصخصة القطاع النفطي "ضرورة تفرضها عملية التنمية"، في حين ستتم مشاركة الشركات الأجنبية العملاقة في عمليات استخراج النفط وتصديره من باب "الشراكة مع القطاع الخاص العراقي" في النهوض بالاقتصاد الوطني. وتتضح طبيعة المحددات التي ستحكم مستقبل النفط العراقي في ظل الاتفاقية الأمنية من خلال ثلاث معادلات أساسية يمكن إيجازها في الآتي:
أولا: انفتاح اقتصادي برؤية أمريكية
لن يجد قارئ الاتفاقية الأمنية، كما سبق التنويه، سوى إشارة خاطفة إلى موضوع النفط، لكن تلك الإشارة لا تنفصل عن الإطار العام الذي قدمته الاتفاقية لتنظيم العلاقات الاقتصادية بين بغداد وواشنطن من جهة، ولتحديد الضوابط التي تحكم عمل الاقتصاد العراقي من الجهة الثانية.
ويركز هذا الإطار على عدة مسارات متصلة أبرزها: "بناء اقتصاد عراقي مزدهر ومتنوع ومتنام ومندمج في النظام الاقتصادي العالمي"، و"دعم جهود العراق لاستثمار موارده من أجل التنمية الاقتصادية المستدامة والاستثمار في مشروعات تحسين الخدمات الأساسية للشعب العراقي"، و"إدامة حوار ثنائي نشط حول الإجراءات الكفيلة بزيادة تنمية العراق"، و"تشجيع توسيع التجارة الثنائية من خلال حوار الأعمال التجارية الأمريكي العراقي وبرامج التبادل الثنائية مثل أنشطة الترويج التجاري، و"الوصول إلى برامج مصرف التصدير والاستيراد".
وتعني هذه النصوص أن الحكومة العراقية ملتزمة بشروط المنظمات الاقتصادية الدولية، وخصوصا صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، سواء على صعيد تحرير التجارة والخدمات، أو فتح الحدود أمام الاستثمارات الأجنبية للعمل داخل العراق، كما تعني أيضا أن الولايات المتحدة ستحظى بمعاملة اقتصادية خاصة ستتعزز ببرامج تعاون ثنائية ومشروعات استثمارية وتجارية مشتركة.
وبطبيعة الحال، فإن القطاع النفطي الذي يمثل المورد الأهم في العراق سيكون مجالا أساسيا للتعاون بين البلدين، مثلما سيكون ساحة لاستثمارات الشركات النفطية الأمريكية التي حرمت طوال العقود الماضية من الاقتراب منه بحكم سياسة التأميم التي اتبعها النظام البعثي منذ مطلع السبعينيات.
ويلاحظ أن الاتفاقية قد وفرت للطرفين العراقي والأمريكي آلية ثنائية لضمان ومراقبة تنفيذ ما جاء فيها، بما في ذلك ملف التعاون الاقتصادي، وتتمثل هذه الآلية في وجود لجنة تنسيق عليا تجتمع بصفة دورية، هذا فضلا عن لجان مشتركة إضافية ستتشكل حسبما تستدعي الظروف.
وكجزء من تطبيق الرؤية الأمريكية للانفتاح الاقتصادي العراقي، سيكون ضخ النفط من العراق إلى مصافي التكرير في مدينة حيفا في فلسطين المحتلة جزءا من المشاريع المتوقع تنفيذها في ظل الاتفاقية.
وحسب ما ذكرته صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية، فإن مسئولا في وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" وجه قبل فترة رسالة إلى مسئول رفيع المستوى في وزارة الخارجية الإسرائيلية، ذكر فيها أنه سيتم نقل النفط من كركوك، حيث ينتج نحو 40% من النفط العراقي، عبر الموصل والأردن ليصل بعدها إلى إسرائيل.
ثانيا: خصخصة باسم التنمية
سيكون العراق المندمج في الاقتصاد الدولي ملزما باستقبال الاستثمارات الأجنبية الراغبة بالعمل في مجال النفط، لكنه سيعطي أفضلية للشركات الأمريكية؛ تنفيذا لما ورد في الاتفاقية من جهة، واستمرارا للسياسة التي تتبناها الحكومات العراقية منذ بداية الاحتلال من جهة أخرى.
ومعلوم بداية أن الاتفاقية التي ستدخل حيز التنفيذ في أول يناير 2009، ستحرر السلطة العراقية من القيود التي فرضها مجلس الأمن على بلدها طوال العقدين الماضيين، ومن ثم فهي ستكون (من الناحية النظرية) طليقة اليدين في إدارة شئون البلاد، وستمارس سلطانها الكامل على قطاع النفط.
أما على المستوى الواقعي، فتشكل الاتفاقية تتويجا لمجموعة الإجراءات والقرارات التي اتخذها الطرفان الأمريكي والعراقي على الصعيد النفطي خلال السنوات الخمس الماضية، والتي تأسست على خلفية رؤية وضعتها سلطة الائتلاف المؤقت التي حكمت العراق لحوالي 14 شهرا بعد احتلال بغداد.
وتقوم هذه الرؤية التي تبنتها مختلف التشكيلات الحكومية العراقية على ضرورة خصخصة العمل في مجال النفط، وأهمية عقد اتفاقيات لتقاسم الإنتاج لتطوير القطاع النفطي (أي استخراج النفط الخام)، وإعطاء الأولوية إلى شركات النفط الأمريكية.
كما أن الاتفاقية تتوافق مع ما جاء في الدستور العراقي، والذي ينص على أن "الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط سترسمان السياسات الإستراتيجية الضرورية لتطوير الثروة النفطية والغاز الطبيعي لجلب المنفعة الأكبر للشعب العراقي، اعتمادا على أكثر التقنيات تطورا فيما يخص مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار".
ويعكس الحديث عن "مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار" الاتجاه المباشر نحو الانفتاح على الشركات الخاصة، في حين أن النص على تمتع الأقاليم بسلطات نفطية يفتح الباب للشركات الخاصة لدخول مناطق جديدة عبر اتفاقيات بعيدة عن الحكومة المركزية، وذلك على نحو ما حدث بين حكومة إقليم كردستان وشركة DNO النرويجية (في يونيو 2004)، وبين نفس الحكومة وشركة K للنفط المملوكة بصورة مشتركة من قبل شركة Heritage Oil التي تقع في كندا وشركة Eagle الكردية.
وبالمثل ستكون الاتفاقية الأمنية، وكما تشير الأجواء التي أحاطت بإقرارها في مجلس النواب العراقي، مقدمة لإقرار قانون النفط المتعثر منذ أكثر من عام ونصف، والذي ينهي سيطرة الدولة على هذا القطاع، وينص بشكل صريح على فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية.
ثالثا: قطاع خاص يربح دائما
وتعطي الاتفاقية الأمنية الشركات الأجنبية، وخصوصا الأمريكية، الفرصة للحصول على النصيب الأكبر من كعكة نفط العراق التي ازدادت جاذبيتها مؤخرا مع تردد معلومات عن وصول حجم الاحتياطيات المتاحة في هذا البلد إلى 350 مليار برميل، وهو رقم يعادل ثلاثة أمثال الاحتياطيات المؤكدة حاليا، كما أنه يتجاوز الاحتياطيات السعودية المقدرة بنحو 264 مليارا، والإيرانية البالغة نحو 137 مليارا.
وفيما أبدت شركات النفط الأمريكية سعادتها بتوقيع الاتفاقية باعتبار أنها توفر إطارا لحركتها داخل السوق العراقي، رأى معارضو الحكومة أن فتح الباب للقطاع الخاص سيؤدي إلى عودة الهيمنة الخارجية على هذا القطاع الإستراتيجي.
وكانت وزارة النفط العراقية كشفت خلال الأيام الماضية عن وثائق تنتظرها 35 شركة نفط عالمية قبل الدخول في مناقصة للتنقيب واستخراج 38% من مجمل احتياطي النفط العراقي، علما بأن الوزارة تسعى إلى إتمام صفقات ضخمة مع هذه الشركات بنهاية يونيو 2009.
ويلاحظ في هذا الإطار أن وزارة النفط كلفت شركة "غافني، وكلاين أند أسوشييتس" لتأمين الخدمات الاستشارية لها، ومن بينها بيع معلومات حول حقول النفط العراقية للشركات الراغبة في الاستثمار بالعراق.
وحسب الاتجاه الذي تتبناه الحكومة العراقية، فإن العقود الاستثمارية مع شركات النفط ستتم وفق معادلة 49% للشركات مقابل 51% للحكومة، على أن تدفع الشركات 10 ملايين دولار مقابل التوقيع والضرائب والرسوم على الإنتاج.
كما يلاحظ أن موافقة البرلمان العراقي على نصوص الاتفاقية جاءت متزامنة مع عدة تطورات تتصل بتنافس الشركات الأجنبية على النفط العراقي، ومن ذلك:
ـ ما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز" عن دخول الشركات النفطية الأمريكية الكبرى "إيكسون" و"موبيل" و"شل" و"شيفرون"، بكل ثقلها لاستعادة هيمنتها على ثروة العراق النفطية من دون مناقصات.
ـ الخلاف بين لجنة النفط في البرلمان العراقي ووزارة النفط حول اتفاق مبادئ مع شركة شل الأمريكية لإقامة شركة ثنائية تقوم بالاستغلال الأمثل للغاز المنتج في حقول محافظة البصرة.
ـ إعلان 20 شركة يابانية متخصصة في المجال النفطي عن رغبتها للدخول والبدء بالاستثمار في العراق.
ـ توقيع العراق والصين العقد النهائي الخاص بتطوير حقل الأحدب النفطي بقيمة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار.
إشكاليات من خارج النص
ويتوقع خبراء النفط أن يؤدي توقيع الاتفاقية إلى تزايد أعداد الشركات الأجنبية الراغبة بالاستثمار في النفط العراقي، غير أن حدود هذا التزايد ستتضح مع اتخاذ مجلس النواب قراره الأخير بشأن قانون النفط المثير للجدل.
على أن تحقيق السيناريو الذي ترسمه الاتفاقية ويتمناه طرفاها ومعهما الشركات الأجنبية، يتوقف على مجموعة عوامل تتصل مباشرة بالوضعين الأمني والسياسي، فعدم الاستقرار الأمني وعجز الحكومة المركزية وقبلها قوات الاحتلال على حماية حقول النفط وأنابيب نقله تبقى مسألة مهمة في هذا السياق.
ومن الناحية السياسية، ستكون الخلافات بين السلطة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان حول شرعية قيام الأخيرة بتوقيع اتفاقيات منفصلة مع شركات أجنبية دون موافقة أو حتى إشعار وزارة النفط في بغداد، محددا رئيسيا في تحديد حجم الاستثمار الأجنبي في حقول الشمال.
ويرتبط هذا التحدي بإشكال آخر هو عدم وضوح أوجه إنفاق عوائد النفط العراقي؛ حيث يشك كثيرون في توجيه هذه العوائد لتمويل الوجود الأمريكي، فيما تصر الحكومة على أنها ستخصصها للنهوض بالبنية الأساسية للبلاد، ولتحسين الخدمات العامة، وتسديد الديون الموروثة عن عهد صدام حسين.
صحفي وباحث.
|