English

 

السبت. ديسمبر. 13, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الأزمة الاقتصادية.. تحدد رئيس إيران المقبل

محمود عبده علي

Image
الاقتصاد.. عقبة نجاد الرئيسية

على نقيض ما هو شائع، لا تحظى قضية الملف النووي بالأهمية القصوى لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الإيراني، إذ تبدو الأوضاع الاقتصادية هي الشغل الشاغل لغالبية المواطنين الإيرانيين، لاسيما وأنهم قد اختاروا أحمدي نجاد رئيسا في انتخابات عام 2005، والذي ارتكز برنامجه بالأساس على وعود بتحسين أحوال الإيرانيين المعيشية.

ومنذ ذاك الوقت تحول الاقتصاد إلى موضوع للسجال السياسي في الداخل الإيراني، بل كان أحد العوامل الرئيسية التي دفعت تجاه تشكيل اصطفاف جديد داخل النخبة السياسية الإيرانية، بجناحيها الإصلاحي والمحافظ، وربما يكون الاقتصاد أيضا هو القضية التي ستحسم نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة في يونيو 2009.

وعود تبددت

طالع أيضا:

ومعلوم أن الوعود التي ساقها نجاد في برنامجه الانتخابي عام 2005 بحماية الفقراء وإيصال عوائد النفط إلى مائدة كل إيراني وإعادة توزيع الثروة ورفع الأجور ومكافحة الفساد، هي التي دفعت بالطبقات الفقيرة والوسطى في إيران إلى التصويت لصالحه، على حساب هاشمي رفسنجاني، رئيس كل من مجلس الخبراء ومجمع تشخيص مصلحة النظام وأحد أبرز رموز الثورة الإسلامية.

وعلى العكس من هذه الوعود الانتخابية، فقد شهدت الأوضاع الاقتصادية تراجعا ملموسا نتيجة السياسيات الاقتصادية التي اتبعها نجاد، ويسود شعور لدى كثير من الإيرانيين بأن الرئيس نجاد قد فشل في تحقيق أي إنجاز اقتصادي.

ويستند هذا الشعور إلى عدة مؤشرات، أبرزها: معدل التضخم العالي الذي تشهده البلاد، حيث بلغت نسبة التضخم في عام 2006 حوالي 11.7%، طبقا للتقديرات الرسمية، وارتفعت هذه النسبة إلى 17.2% في عام 2007، طبقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، ووصلت في العام الحالي إلى 27.6%، حسب تقديرات البنك المركزي الإيراني، وهى أعلى نسبة تضخم في تاريخ إيران.

وإضافة لذلك، بلغت نسبة البطالة وفق التقديرات الرسمية نحو 11.5% في عامي 2005 و2006، كما عرفت أسعار السلع والخدمات ارتفاعا ملحوظا بلغت نسبته 13.6% في عامي 2006 و2007.

ووفقا لما أعلنه وزير العمل الإيراني "محمد جهرومي"، فإن واحدا من كل 10 أشخاص ممن يشكلون قوة العمل لا يجد وظيفة، وأشار أيضا إلى ارتفاع نسبة البطالة من 9.6% في ربيع هذا العام 2008 إلى 10.2% في صيف نفس العام.

ويزيد من خطورة البطالة أنها تنتشر بين الشباب، حيث إن 15.6% ممن لا يجدون وظائف هم من خريجي الجامعات، بالإضافة إلى أن أكثر من ربع الشباب الإيراني عاطل، حسبما أعلن محمد مداد رئيس المركز الإحصائي الإيراني.

وتتضح دلالة هذه الأرقام إذا أخذ في الاعتبار أن نصف سكان إيران البالغ حوالي 70 مليون نسمة من الشباب تحت سن 30 سنة، ولا يمكن حل هذه المشكلة، أو ستبقى معدلات البطالة على ما هي عليه إذا لم توفر الحكومة الإيرانية مليون فرصة عمل سنويا، وهو أمر يبدو صعبا، خصوصا مع توقع تزايد القوة العاملة في السنوات الست القادمة من 14 مليونا إلى 39 مليونا.

الأزمة المالية تزيد الأمر سوءا

وجاءت الأزمة المالية العالمية لتزيد من المأزق الاقتصادي لحكومة أحمدي نجاد، فأسعار النفط قد انخفضت بنسبة تفوق النصف في أقل من ثلاثة أشهر، فانخفض سعر البرميل من نحو 147 دولارا في يوليو الماضي إلى أقل من 50 دولار.

وسوف يترك ذلك العديد من التداعيات على الداخل الإيراني؛ نظرا لاعتماد إيران الشديد على الإيرادات النفطية بوصفها مصدرا رئيسيا لإيرادات الموازنة، ومحركا هاما من محركات الاقتصاد القومي.

وليس أدل على ذلك من أن عائدات النفط قد شكلت نحو 85% من جملة الصادرات الإيرانية عام 2006، كما ساهمت الصادرات النفطية بحوالي 70% من إيرادات الموازنة العامة للعام 2007، ووصلت عائدات الحكومة الإيرانية من النفط في السنة المالية الإيرانية مارس 2007 - مارس 2008 حوالي 80 مليار دولار أمريكي.

وتشير هذه الأرقام بوضوح إلى الاعتماد الكبير للاقتصاد الإيراني على النفط، وهو أمر يزداد وضوحا عند تحليل العلاقة الإحصائية بين إنتاج النفط والناتج المحلى الإجمالي، حيث إن التغير في إنتاج النفط بالزيادة أو النقصان بنسبة 10%، طبقا لبعض الدراسات، يؤدي إلى تغير في الناتج المحلي الإجمالي في نفس الاتجاه بنسبة 2.06%.

وتؤكد الخبرة التاريخية بدورها فرضية الارتباط الشديد بين الاقتصاد الإيراني والنفط، ومن ثم حساسيته الشديدة للتغير في أسعار النفط، فقد ارتبط الصعود والهبوط في أداء الاقتصاد الإيراني بصورة أساسية بالتقلبات في إنتاج النفط وأسعاره العالمية.

وعلى سبيل المثال يرجع التحسن في أداء الاقتصاد في السبعينيات إلى زيادة أسعار النفط، والعكس طيلة حقبة الثمانينيات، حيث تدهور أداؤه نظرا لتراجع أسعار النفط، كما أن الطفرة الكبيرة التي يشهدها الاقتصاد الإيراني منذ نهاية الألفية الماضية تعود في جزء كبير منها إلى الارتفاع الكبير في أسعار النفط.

ونظرا لهذا الاعتماد الكبير على أسعار النفط، فإن الأزمة الحالية قد تترك تداعيات كبيرة على الداخل الإيراني، تتجاوز الأوضاع الاقتصادية إلى التأثير على الواقع السياسي، فانخفاض أسعار النفط يعني التقليل من حجم العائدات النفطية، ومن ثم حجم الإيرادات التي تحصل عليها الحكومة، الأمر الذي يؤثر على قدرة حكومة أحمدي نجاد على تعبئة النفقات، مما قد يؤدي إلى لجوئها إما إلى فرض المزيد من الضرائب على المواطنين أو تقليل الدعم الذي تقدمه لهم، وهما أمران أحلاهما مر.

فمجرد اتخاذ الحكومة الإيرانية قرارا ببدء تطبيق خطة لتقنين استهلاك البنزين في نهاية يونيو 2007 أدى إلى اندلاع مظاهرات وأعمال عنف وشغب، جرح فيها العديد من الأفراد، وكانت بمثابة الاحتجاجات الأعنف التي شهدتها إيران منذ تولي الرئيس نجاد السلطة؛ مما استدعى تدخل المرشد الأعلى علي خامنئي شخصيا للدفاع عن قرار الحكومة الإيرانية.

كما أن قرار حكومة أحمدي نجاد بفرض ضريبة جديدة للقيمة المضافة تبلغ 3% قد دفع تجار البازار، ذوي النفوذ الواسع في النظام السياسي الإيراني، إلى إغلاق محالهم التجارية، وتنفيذ أول إضراب لهم منذ قيام الثورة الإسلامية، وانتهى الأمر بتعليق الحكومة الإيرانية تطبيق الضريبة حتى إشعار آخر.

انقلاب الداخل ضد نجاد

وقد انعكست الأزمة الاقتصادية التي تمر بها إيران في عدة مظاهر، من أهمها التغييرات المتكررة التي أجراها الرئيس أحمدي نجاد على حكومته، ففي الفترة من يوليو 2005 حتى مايو 2008، استبدل نجاد تسعة من أعضاء حكومته، سبعة منهم في مناصب اقتصادية، حيث بدأ التغيير بكاظمي وزير الرخاء في أكتوبر 2006، ثم ناظمي أردكاني وزير التعاون، وفرهاد رهبر رئيس هيئة التخطيط والميزانية في نوفمبر 2006، ثم وزيري هامانه وزير النفط، ووزير الصناعة طهماسبي، ورئيس البنك المركزي شيباني في أغسطس 2007، ثم فرشيدي وزير التربية والتعليم في ديسمبر 2007، ثم داود دنش جعفري وزير الاقتصاد في أبريل 2008، ومصطفى بور محمدي وزير الداخلية في مايو 2008.

ومثلت الانتقادات الحادة التي وجهت للرئيس الإيراني مظهرا آخر من مظاهر الأزمة الاقتصادية، والملفت في هذه الانتقادات أنها لم تقتصر فقط على الإصلاحيين، فقد جاء أغلبها من قبل رموز التيار المحافظ، ومنهم قريبون من المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي.

فقد تعرض نجاد لانتقادات من كل علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإسلامي، وغلام علي حداد عادل رئيس مجلس الشورى السابق، ومحسن رضائي القائد السابق للحرس الثوري وأمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومحمد باقر قاليباف عمدة طهران، ومحمد خاتمي رئيس الجمهورية السابق، وحسن روحاني المسئول السابق عن الملف النووي، فضلا عن رجال دين كبار مثل آية الله محمد رضا مهدفيكاني عضو مجلس الخبراء ورئيس الوزراء في عام 1981، ورئيس المؤسسة القضائية السابق آية الله عبد الكريم موسوي أردبيلي.

وجاءت أعنف الانتقادات من هاشمي رفسنجاني، الذي أعلن أن صبره قد نفد تجاه سياسات الرئيس نجاد الاقتصادية، قائلا: "عندما انتخب أحمدي نجاد، طلب منا القائد (خامنئي) أن نصبر إزاء سياساته الاقتصادية.. لكن بعد 3 أعوام من ولاية أحمدي نجاد، فإن الصبر إزاء سياساته للخصخصة قد انتهى"، محذرا الرئيس نجاد من أن "المجلس (مجمع تشخيص مصلحة النظام) لا نية لديه للتسامح أكثر من هذا مع السياسات الاقتصادية".

وجاءت الانتقادات أيضا من وزراء في حكومة أحمدي نجاد نفسه، مثل مصطفى بور محمدي وزير الداخلية المُقال والذي صرح بأنه "لا يستطيع أحد داخل الحكومة الحالية أن يتخذ قرارا مناقضا لقرار الرئيس"، ومن وزير الاقتصاد المقال جعفري الذي اعتبر أن "الحكومة فشلت في التحكم بالتضخم".

ولم تفلح المبررات التي ساقها نجاد لتبرير سوء الأوضاع الاقتصادية، فقد حاول في بعض الأحيان إلقاء اللوم على "المافيا الاقتصادية" بالتسبب في الأزمة الاقتصادية، وذلك في خطاب ألقاه في مدينة قم يوم 16 أبريل 2008، وفي أحيان أخرى أرجع نجاد الأزمة كلها إلى الإمام الغائب، بالقول إن "يد الإمام الغائب ترى بوضوح في إدارة شئون البلاد".

ولم تفلح كل هذه الحجج، بل على العكس زادت هذه المبررات من حدة الانتقادات ودفعت بأشخاص لا يعرف عنهم الانخراط في الأمور السياسية، مثل رئيس المؤسسة القضائية آية الله محمود شهرودي، أو حتى من المحسوبين على أنصار الرئيس نجاد، مثل حزب الله الإيراني، إلى الانضمام إلى زمرة المنتقدين لنجاد.

اصطفاف جديد عشية رئاسة 2009

ولعل الاصطفاف السياسي الجديد الذي شهده التيار المحافظ والانقسام الذي ظهر بصورة واضحة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة كان المظهر الأبرز لتردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

فقد حدا الخلاف على الأوضاع الاقتصادية بمجموعة من "المحافظين البرجماتيين" المدعومين من قبل رجال الدين في مدينة قم إلى تكوين ائتلاف منفصل عن الرئيس نجاد يحمل اسم "الائتلاف الموسع للأصوليين"، خاضوا من خلاله الانتخابات البرلمانية في مارس الماضي، وكان على رأسهم علي لاريجاني، المسئول السابق عن الملف النووي الإيراني، ومحسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، ومحمد باقر قاليباف عمدة طهران.

وحقق هؤلاء نجاحا كبيرا في الانتخابات، والتي كانت الأوضاع الاقتصادية الموضوع الرئيسي على أجندتهم الانتخابية، تكلل باختيار علي لاريجاني رئيسا لمجلس الشورى الإسلامي الجديد، خلافا للعرف المتبع بتعيين الفائز في دائرة طهران لهذا المنصب، وهو غلام علي حداد عادل الرئيس السابق للمجلس، وهو ما دفع بالكثيرين إلى القول إن البرلمان الحالي يعد بمثابة ساحة للصراع بين المتنافسين في الانتخابات الرئاسية المقبلة، خاصة أن المرشحين المحتملين لهذه الانتخابات، من محافظين أو إصلاحيين، يعتبرون شخصيات قيادية في هذا المجلس.

وتطرح هذه الأوضاع الاقتصادية المتردية التساؤل بقوة حول ما إذا كانت سياسات أحمدي نجاد الاقتصادية ستكون السبب الرئيسي في خسارته للانتخابات الرئاسية القادمة، كما كانت السبب في فوزه بالانتخابات السابقة، خاصة إذا استمرت أسعار النفط في الانخفاض.

يمكن القول إن الأمور تبقى مرهونة بيد مرشد الجمهورية "علي خامنئي"، صاحب السلطة الفعلية في إيران، وما إذا كان سيستمر في دعمه لنجاد كما فعل في مرات كثيرة سابقة، سواء فيما يتعلق بإدارة نجاد لأزمة البرنامج النووي الإيراني أو سياساته الاقتصادية، أم سيتخلى عن هذا الدعم مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتزايد حدة المنتقدين لنجاد، خاصة من التيار المحافظ؟

وتدل بعض المؤشرات الأولية على أن "خامنئي" ما زال مصرا على مساندة نجاد، من قبيل تصريحاته مؤخرا والتي خاطب فيها نجاد بالقول "تصرف وكأن أمامك 5 سنوات في الحكم لا سنة واحدة"، ما فسر على أنه دعم ضمني له في الانتخابات القادمة.

ومع ذلك يبقى من المبكر الحكم على موقف "خامنئي" من دعم نجاد أو عدمه، فالعديد من المنافسين المحتملين لنجاد، مثل "علي لاريجاني" و"محمد باقر قاليباف" هم أيضا قريبون من خامنئي؛ مما يعني أن خامنئي قد يدعم أحدهم في حالة تزايد السخط العام من نجاد؛ بسبب سياساته الاقتصادية.


باحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات