English

 

السبت. ديسمبر. 6, 2008

الإسلاميون » تنظيمات وأحزاب

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

شهادتي حول الحركة الإسلامية وحكومة الانقاذ في السودان (1)

الحركة الإسلامية السودانية. .مرونة البدايات

د. مصطفى ادريس البشير

د.مصطفى إدريس
د.مصطفى إدريس

بداية لست كاتبا محترفا أو متخصصا في علوم السياسة ولا الفقه الحركي أو اللغة العربية، وقد ظل موقعي في الحركة الإسلامية كجندي في الميدان اجتهدت في تنفيذ ما يوكل لي. وما دفعني للكتابة في مثل هذا الظرف هو أنني ظللت منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي أتابع مسيرة الحركة الإسلامية المباركة عن كثب، وأشارك في اجتهاداتها ومجاهداتها وتوجهاتها سلما وحربا، وسرا وعلنا، ولم أتردد في يوم من الأيام أن أدفع بنفسي مع إخواني في أي توجه تجمع عليه الجماعة دون التفات لما ينتج عنه، وتملؤنا الثقة والطمأنينة بأن النصر حليفنا مهما طال العناء ووعر الطريق وامتد السفر، وكان ذلك هو ديدن السواد الأعظم من ذلك الجيل الفريد.

 طالع:
- الحركة الإسلامية السودانية وامتحان السلطة 
-الحركة الإسلامية السودانية ..التمكين ومظاهر التفكك
-إسلاميو السودان ..المخرج المنتظر 

وإليهم -خصوصا والآخرين عامة- أكتب هذا المقال،وربما تتاح لنا الفرصة فيما بعد لبسط التفاصيل في كتاب نوثقه بالمراجع والصور. ويشغلني سؤال: ماذا جرى لنا يا ترى لنصل إلى ما وصلنا إليه اليوم من الهوان والذل والاسترخاء والعجز والسلبية، وصار أمرنا للرويبضة، وتكالبت علينا الأمم، وتراجعت شعاراتنا بعد أن كنا في عز ومنعة داخل السلطة وخارجها؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي دفعتني للكتابة في مثل هذا الظرف العصيب و"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

عودة للجهاد الأكاديمي

ثلاثة عقود كرست جل الوقت فيها لبرنامج الحركة الإسلامية حيث أخذت على نفسي عهدا في عام 1974 بعد دخولي الجامعة ومعايشتي للتحديات التي تخوضها الحركة الإسلامية، وقتها عاهدت ربي أن أجعل وقتي وعمري كله للعمل الإسلامي وكل ما عداه يصبح هامشي وأضرب به عرض الحائط إذا تعارض مع برنامج الحركة الإسلامية بما في ذلك دراسة الطب نفسها، بل وشهادة الدكتوراه التي ابتعثت لها فيما بعد، وأحسب أني قد اجتهدت ما وسعني الاجتهاد في ذلك الدرب حتى تاريخ الانشقاق المرير الذي ابتعدت بعده وجمدت كل نشاطي التنظيمي إلى حين إشعار آخر، وفتحت قناة جديدة للجهاد الأكاديمي عبر خدمة العلم وطلابه، وقد يسر الله لي خلال السنوات الثمانية الماضية أن أسهم إسهامات مقدرة في مجالي العلمي، ولكن برغم ذلك فإن التحديات التي تواجه حركتنا ودولتنا وأمتنا الإسلامية عامة وأمتنا السودانية على وجه الخصوص ما تزال تلاحقني وتقض مضجعي، فاستغرق في التأمل أحيانا كثيرة فيما آلت إليه حركتنا الإسلامية ودولتها التي أقامتها فيتملكني الهم والغم والضيق، هذه السطور مساهمة مع جهود آخرين ينشطون هذه الأيام لبذل النصح واستنهاض الهمم لجمع الصف الإسلامي لمواجهة التحديات الماثلة وما نحن مقبلون عليه.

نحتاج لثورة من القواعد بعد معايشة لصيقة لكل لجان رأب الصدع التي تكونت عبر سنوات الأزمة بين قائد الحركة الدكتور حسن الترابي ومناصريه ورئيس الدولة ومؤيديه الفائتة؛ أستطيع أن أقول الآن إن جمع الصف الإسلامي لا يمكن أن يتم عبر لجان الوساطات الفوقية التي تستجدي القيادات هنا وهناك، بل يحتاج إلى ثورة من قواعد الحركة الإسلامية والتمرد على المتسلطين في محور السلطة، الذين يخافون على مستقبلهم الشخصي إذا التأم الصف، والتمرد أيضا على الموتورين خارج السلطة والذين يعملون بسياسة (علي وعلى أعدائي) ويتحالفون مع كل مخرب يعمل على إسقاط السلطة وتدمير البلاد وإيقاف نهضتها.

ما هي الحركة الإسلامية؟

روح جديدة ونسمة عطرة ونعمة سابغة دخلت إلى أرض السودان من شمال الوادي في أواخر أربعينيات القرن الماضي بعد أن خرجت الأمة الإسلامية من الحربين العالميتين كسيرة الخاطر ممزقة الأشلاء، وصارت أرضها ساحة مفتوحة لكل غازي ونهبا لقطاع الطرق وشذاذ الآفاق، فهدت قواها وقطعت أوصالها بفعل الهجمة الاستعمارية الشرسة، وتسللت إلى جسدها المعلول الشيوعية المتمردة على كل تاريخ البشرية، وكانت تتمدد بشتى الوسائل المتاحة -الفكر والقهر- في أرض الإسلام الهمل.

 في مثل هذا الظرف نشأت الحركة الإسلامية في السودان بمنهجها الوسطي المعتدل المرن، فاستطاعت أن تقتحم معاقل العلم وتجتذب إلى صفوفها الصفوة المتعطشة للحق في معظم شرائح المجتمع السوداني خاصة القطاعات الحديثة من طلاب وعاملين في الدولة، وتميزت الحركة الإسلامية عن غيرها في الساحة الإسلامية السودانية بالانفتاح والمرونة الفقهية والحنكة السياسية والدقة في التنظيم؛ مما يسر لها التعامل مع الواقع السوداني شديد التغير والتعقيد بفعل التركيبة السكانية غير المتجانسة والمساحات الواسعة، وغياب التنمية المتوازنة، إن وجدت.

مسميات شتى ومسيرة واحدة

لقد استطاعت الحركة الإسلامية أن تواكب التطورات السياسية في الحقب المختلفة في السودان منذ الاستقلال، وأفلحت في توظيف الظروف الماثلة مهما كانت قسوتها وشدتها وتعقيداتها لمصلحتها كما كان الحال في السنين السبعة الأولى من حكم النميري، وتمددت الحركة أفقيا ورأسيا حتى تاريخ وصولها للسلطة 1989م، وخلال الأعوام السبعة الأولى من عمر الإنقاذ. تم كل ذلك تحت مسميات شتى تصب كلها في إطار تنفيذ النهج الذي اختارته الحركة للإصلاح والتغيير الاجتماعي الذي تنشد، فتسمت باسم التحرير الإسلامي في البداية، ثم الإخوان المسلمين، ثم جبهة الميثاق الإسلامي في ديمقراطية ما بعد أكتوبر 1964، ودفعت ببعض كوادرها للمشاركة في السلطة التنفيذية والبرلمان بل ودخول الاتحاد الاشتراكي إبان الحكم المايوي ثم أطلقت على نفسها اسم الجبهة الإسلامية بعد سقوط الحكم المايوي وأنشأت أخيرا المؤتمر الوطني بعد قيام الإنقاذ ببضع سنين وتسترت بداخله لتقود الدولة وتوجه الشارع العريض. من خلال هذه المرونة في الحركة واستيعاب الظرف الماثل والفقه المتجدد كتب الله للحركة نجاحات كثيرة ومتنوعة في كافة المجالات خلال الحقب الماضية من عمرها، فعندما كان المسمى إخوانيا صرفا استطاعت الحركة أن تبني كادرا قياديا على قدر عال من الوعي والتربية والتدريب والترابط استطاع أن يتحمل تبعات القيادة في الظروف الصعبة التي مرت بها الحركة فيما بعد من تشريد وسجون وابتلاءات متنوعة في الشدة والرخاء.

جبهة الميثاق الإسلامي

 وعندما سقط حكم العسكر في أكتوبر 1964 اختارت الحركة أن تنفتح على الساحة الإسلامية العريضة فسمت نفسها جبهة الميثاق الإسلامي، وخاضت الانتخابات تحت شعار الدستور الإسلامي، فاستطاعت الحركة أن تقدم نفسها كواجهة لجمع الصف الإسلامي العريض وتحريك المشاعر الإسلامية لدى الأمة، وأن تطرح الحل الإسلامي كخيار جاد لقضايا الأمة الكبرى بما في ذلك مشكلة الجنوب، واستطاعت الحركة أن تحرج الأحزاب التقليدية التي كانت تستعطف الجماهير بإرثها الإسلامي دون اتخاذ خطوات جادة نحو تطبيق مبادئ الإسلام في الحياة العامة بطرح الدستور الإسلامي أساسا للحكم الراشد، فدفعت الحركة ببعض رموزها وكوادرها إلى البرلمان، وأنشأت علاقات مع الأحزاب الكبرى في الساحة السودانية.

 ورغم هشاشة هذه العلاقة مع الأحزاب التقليدية في فترة الديمقراطية التي أعقبت ثورة أكتوبر إلا أن الحركة أفلحت في استثمارها بخلق رؤية مشتركة، والتعاون في بعض القضايا ومنها على سبيل المثال تحجيم دور الحزب الشيوعي وطرده من البرلمان في عام 1965م، ومهدت هذه العلاقة مع الأحزاب التقليدية لعلاقات أخرى امتدت في فترة المعارضة الخارجية لحكم النميري من خلال الجبهة الوطنية التي كانت سكرتاريتها للحركة الإسلامية في بعض الفترات، واستطاعت الحركة في تلك الحقبة وتحت مظلة ذلك التحالف المؤقت مع الأحزاب التقليدية أن تحقق مكاسب كثيرة منها إنشاء علاقات خارجية مع دول عدة ومع حركات إسلامية في مختلف الأطوار، وتتبادل معها الخبرات والتجارب، واستطاعت أن تفتح الأبواب لعدد مقدر من كوادرها للهجرة خارج السودان والالتحاق بمعسكرات التدريب العسكري في ليبيا وإثيوبيا.. والسفر إلى أوروبا وأمريكا للدراسات العليا في شتى التخصصات، والاستفادة من تجارب الأمم الأخرى في مجالات متعددة، فمعظم الوجوه القيادية البارزة التي قادت التغيير عند قيام الإنقاذ ونراها في الساحة الآن هم نتاج تلك الحقبة التي انخرطت فيها الحركة الإسلامية في تحالف مع الأحزاب المعارضة لحكم نميري رغم تباين الرؤى وتباعد الغايات.

 بعد الانقلاب الفاشل ضد النميري الذي قاده حسن حسين في سبتمبر 1975، وبعد فشل الانتفاضة المسلحة في يوليو 1976 فطنت الحركة الإسلامية لضمور نشاطها في الداخل، ووجدت أن معظم كوادرها القيادية وسط الطلاب والنقابات في السجون بعد حملة الاعتقالات الواسعة التي قامت بها أجهزة أمن النظام بعد المحاولتين الانقلابيتين الفاشلتين، فتوقف العمل الدعوي تقريبا وكان كل هم الإخوة الذين بقوا خارج السجون هو تخفيف المعاناة ومواساة أسر المعتقلين في ظل إمكانات شحيحة ومتابعة أمنية خانقة، هذا بالإضافة لضعف الجبهة الوطنية وظهور بوادر التصدع داخلها وعدم الثقة بين المتحالفين.

 في مثل هذا الظرف لاحت بوادر المصالحة مع نميري بعد أن تعب الطرفان من المنازلة العسكرية، وكان لقاء السيد الصادق المهدي والرئيس النميري الشهير في بورتسودان في يوليو 1977، عندها بادرت قيادة الحركة الإسلامية بالتوجه إلى قواعدها وأدارت حوارا وتواصلا واسعا- داخلي وخارجي- حتى من داخل السجون، وأقر مجلس شورى الحركة بما يشبه الإجماع التصالح مع حكم نميري برغم مرارته في ذلك الظرف على قواعد الحركة التي ما زالت ترى دماء شهدائها في انتفاضة الثاني من يوليو 1976من أمثال حسن سليمان وعبد الفضيل إبراهيم وعبد الإله خوجلي وعبد الله ميرغني وحسن عوض الله على الأرض لم تجف بعد، ولكن قبلت قواعد الحركة المصالحة بعد سجال فكري بين القيادة والقواعد دام لعدة أشهر خاصة مع قواعد الحركة في جامعة الخرطوم، وما زلت أذكر تماما تفاصيل تلك اللقاءات الجامعة والاجتماعات المطولة والنقاش الجريء الذي كان يدور فيها حيث كانت تمتد من بعد صلاة العشاء وحتى صلاة الفجر وبصورة شبه يومية.

 وعندما ترسخت القناعة لدى القواعد انطلق الجميع إلى ساحات الجهاد وطويت صفحة المعارضة بغرض هدم النظام إلى صفحة جديدة هي العمل في كل الميادين لإصلاح النظام من داخله، والعمل على تبديل توجهاته وتغيير مواثيقه التي ما زالت مصبوغة بلمسات اليسار رغم المفاصلة التي تمت مع الشيوعيين منذ عام 1971، ولم يشذ عن ذلك التوجه الجديد للحركة إلا النفر القليل الذين التحق بعضهم بالركب في مرحلة لاحقة، وظل بعضهم على الرصيف، وآثر آخرون البقاء في دول المهجر القريبة منها والبعيدة، بينما اختار أشخاص معدودون الخروج النهائي من الحركة وما زالوا يسلقون تجاربها الماضية بألسنة حداد ويتهمون قيادتها بالزندقة.

المصالحة مع النظام المايوي

 لقد كانت فترة المصالحة والمشاركة مع النظام المايوي واحدة من أغنى الفترات في تاريخ الحركة الإسلامية في السودان وإيجابياتها ترجح سيئاتها بقدر كبير في نظري؛ فقد وضعت الحركة خطة تفصيلية لعملها خلال عشر سنوات استطاعت أن تنفذ معظم بنودها بنسبة تفوق 100% في أقل من سبع سنين، وكان ذلك من الأسباب الرئيسية التي أججت الضغوط الغربية والإقليمية على نميري وزاد تخوفه من الإسلاميين رغم التزامهم التام بما تصالحوا عليه مع النظام وأهم بنوده تتلخص في حرية العمل الدعوي الواسع دون لافتة تنظيمية سياسية محددة فلم يصبر النميري والغرب والنظام المصري آنذاك على تمدد الإسلاميين في كل الساحات، فسارع النميري إلى المفاصلة مع الحركة الإسلامية وزج ببعض قادتها في السجن مما عجل برحيل نظامه في انتفاضة أبريل 1985 الشهيرة والتي كان لكوادر الحركة الإسلامية في الجيش والأمن ومنظمات المجتمع المدني دور كبير في نجاحها، هذا بالطبع دون الاستهانة بالدور الكبير لقائد الجيش وشخصيته المتفردة في تلك الظروف المشير سوار الدهب- أمد الله في أيامه- وكذلك دور النقابات البارزة في تلك الظروف ومنها نقابة الأطباء التي كان وراءها الإسلاميون منذ مولدها. فمن بركات المصالحة الوطنية مع نميري أن الحركة انفتحت على المجتمع السوداني بمؤسسات الدعوة الكبرى ومؤسسات النفع العام فكانت جمعية الهدي القرآني ومنظمة الدعوة الإسلامية والوكالة الإسلامية الإفريقية للإغاثة والجمعية الطبية الإسلامية ومنظمة شباب البناء، وبنك فيصل الإسلامي وبنك التضامن الإسلامي وشركة التأمينات الإسلامية، وكانت الحركة الإسلامية هي صاحبة المبادرة في كل هذه الهيئات والمؤسسات وإن أعطتها بعض الصبغة العامة وشيء من الحيادية والحرية في العمل.

 وفرت هذه المؤسسات والهيئات غطاء واسعا لنشاط الحركة الدعوي والاجتماعي والاقتصادي كما وفرت فرص العمل لعدد كبير من كوادر الحركة وقياداتها، وكانت حلقات للتواصل مع الحركات الإسلامية في العالم ومع الشعوب المسلمة في كل القارات خاصة في إفريقيا والمنطقة العربية، وبجانب العمل المفتوح عبر هذه المؤسسات والهيئات أفلحت الحركة الإسلامية في التصدر لقيادة النقابات والاتحادات المهنية واتحادات الطلاب في الجامعات والمدارس الثانوية، فكانت كلها روافد تمد الحركة بالمزيد من القيادات المدربة التي تحملت المسئولية بعد قيام الإنقاذ فيما بعد، وتجدر الإشارة أن تلك المؤسسات الاقتصادية والدعوية التي قامت في فترة المصالحة مع مايو كانت هي السند الحقيقي للإنقاذ منذ يومها الأول في كافة الأصعدة، بل إن البيان الأول للثورة تم تسجيله في داخل أحد هذه المؤسسات.

 لم تقتصر النجاحات التي حققتها الحركة الإسلامية من تصالحها مع مايو على الدعوة المفتوحة وتوسيع مؤسسات الحركة الدعوية والاقتصادية فحسب، بل التفتت الحركة إلى جوانب أخرى رغم حساسيتها وخطورتها على العلاقة مع نظام الحكم المايوي، وتمثلت هذه الجوانب في التغلغل في أجهزة الدولة الحساسة كالجيش وجهاز الأمن والشرطة، وأقامت أجهزة في غاية من السرية والحذر تتبع مباشرة للأمين العام لمتابعة استيعاب شباب الحركة في الكلية الحربية وكلية الشرطة والانخراط في الأجهزة الأمنية ويتم ذلك برغم التزامها الصارم بالحفاظ على العهد الذي أبرمته مع النميري على عدم الغدر به، وقد التزمت بذلك العهد حتى غدر بها هو من جانبه في عام 1985 بعد زيارة بوش الأب للسودان.

  بجانب ذلك آثرت قيادة الحركة الاستمرار في إعداد الكوادر العسكرية المدربة من داخل السودان بعد أن تمت تصفية المعسكرات الخارجية وفتحت الحركة عددا من المعسكرات السرية داخل السودان؛ من باب إعداد العدة للجهاد والتحوط لما قد يطرأ بالبلاد من أي جهة كانت. ولكي تحافظ الحركة على سرية العمل العسكري قامت القيادة بتغييرات كبيرة في صفوف القيادات التي كانت تتولى قيادة العمل العسكري إبان فترة الجبهة الوطنية المعارضة للنميري خارج السودان من أمثال الشيخ السنوسي وعثمان خالد مضوي ومهدي إبراهيم وجاءت بقيادات شابة ووجوه جديدة؛ لتتولي تنسيق العمل العسكري من داخل السودان، وتم تغييب شبه كامل للقيادات الظاهرة عن تفاصيل ما يجري من باب التحوط الأمني؛ إذ إنهم كانوا تحت رقابة أجهزة النظام الأمنية، وأذكر أن ذلك العزل والتغييب للقيادات السابقة أثر سلبا على بعضهم فابتعد وانزوى وكاد أن يخرج على الحركة كلية، وقد كانت تلك أيضا تجربة ناجحة استطاعت الحركة أن تعد بها قوة ضاربة قوامها بالآلاف تعرف معظم فنون القتال، وتتعامل مع أنواع كثيرة من الأسلحة السائدة في ذلك الزمان ومعظم منسوبيها من طلاب الجامعات وحملة الشهادات الجامعية وفوق الجامعية، ورغم حساسية الظرف وخطورته فقد كان الشيخ الترابي يقضي نهاره ما بين ديوان النائب العام والقصر أو الاتحاد الاشتراكي ويقضي ليله بين المجاهدين في مواقع التدريب دون خوف أو مبالاة، ودون أن ترصده أجهزة أمن النظام رغم حرصها الشديد على متابعة تحركاته. وأستطيع أن أقول بأن الحركة الإسلامية كان بمقدورها أن تدبر انقلابا ناجحا أبيض على حكم النميري منذ عام 1983 ولكنها لم تفعل، بل كانت على العكس تماما تنبه أمن النظام بصورة غير مباشرة على كثير من النشاطات الانقلابية ويتم إخمادها في مهدها، وقد تم ذلك أكثر من مرة.

الجبهة الإسلامية القومية

أما الحقبة التي تلت الانتفاضة في أبريل1985 وحتى قيام الإنقاذ في الثلاثين من يونيو 1989 فلم أكن شاهدا لها عن قرب بسبب السفر للدراسة خارج السودان، ولكن الحركة استطاعت بحنكتها وتجاربها المتراكمة في العمل العام أن تتجاوز الحصار الذي أرادت القوى الأخرى فرضه عليها وتحميلها أوزار مايو (ووصفه بالسدنة) فبادرت بتكوين الجبهة الإسلامية القومية، وخاضت مع الأحزاب الأخرى التجربة الديمقراطية مستهدية بتجاربها في المشاركة في الحكم مع نميري، واستطاعت أن تكون القوة الثالثة في البرلمان من حيث العدد، ولكن في حقيقة الأمر كانت القوة الأكثر نظاما وقدرة على الحركة والمبادرة في الساحة السياسية ولو قدر لتلك التجربة الديمقراطية أن تستمر لاستطاعت الحركة الإسلامية في السودان أن تحقق النموذج التركي القائم حاليا (حزب العدالة والتنمية) ولكن الحرب في الجنوب والتي بدأت تزحف شمالا حتى وصلت تخوم كوستي (404 كيلومتر جنوب الخرطوم) وضعف الأحزاب التقليدية وعدم جديتها في مواجهة قضايا الجمهور الأساسية من مأكل ومشرب ووقود عجل بوأد تلك التجربة الديمقراطية كما جاء في النعي الشهير لزعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي الراحل زين العابدين الهندي من داخل البرلمان، ولو لم يعجل الإسلاميون بالانقضاض على السلطة لسبقهم عليها آخرون كانوا على أهبة الاستعداد، كما تفيد التقارير الرسمية الموثقة في تلك الفترة.

 وكما أوردت سابقا كان في مقدور الحركة الإسلامية أن تنفذ انقلابا ناجحا منذ مطلع الثمانينيات في القرن الماضي إن أرادت الوصول إلى السلطة بأقصر الطرق فحسب، ولكنها كانت تحسب حساباتها للعوامل الخارجية والداخلية التي يمكن أن تعيق مسيرتها إذا استفردت بالحكم، وأستطيع أن أؤكد أن قرار الانقلاب في الثلاثين من يونيو 1989 جاء بعد حوار طويل وعسير وكان من أبرز معارضيه في البداية شيخ حسن الترابي، ولكنه سلَّم بوجهة نظر معاونيه المقربين في قيادة وإدارة الأجهزة التنظيمية الخاصة التي كانت بعيدة عن أنظار معظم الشخصيات القيادية الظاهرة في الحركة، حيث إن بعضا من هذه القيادات التاريخية فوجئوا بالانقلاب واتخذوا مواقف معارضة له عند قيامه!


عميد كلية الطب جامعة الخرطوم

 

ابحث

بحث متقدم