English

 

الأربعاء. ديسمبر. 3, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أفريقيا وأمريكا اللاتينية » إفريقيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الكونغو.. شركات النهب تؤجج الصراعات

بدر حسن شافعي

Image
مصالح الشركات متعددة الجنسية حاضرة في أزمة الكونغو
إلى أين يذهب الكونغو الديمقراطي ذلك البلد ذو المساحة الوفيرة والخيرات الكثيرة الذي لا يكاد يضاهيه إلا بعض الدول التي تعد على أصابع اليد الواحدة، فالكونغو ثالث أكبر بلد أفريقي من حيث المساحة، حيث تبلغ مساحته نحو مليوني وثلاثمائة ألف كيلو متر، ويذخر بثروات هائلة في مقدمتها الماس، والذهب، واليورانيوم، والكوبالت، والكولتان الذي يستخدم في تصنيع الهواتف المحمولة (70 % من الاحتياطي العالمي).

لكن يبدو أن هذه النعم تحولت إلى نقم في ظل طمع الداخل والخارج في آن واحد، مما أدى إلى أن تنشب خمسة صراعات ممتدة في مداها الزمني والجغرافي منذ استقلال البلاد عن بلجيكا عام 1960، الصراع الأول كان في مطلع الستينيات والذي راح ضحيته المناضل الأسود باتريس لومومبا بعد رغبته في تأميم الشركات العاملة في مجال الماس والذهب، والثاني أزمة إقليم شابا الذي سعى للانفصال عام 1977، وكان الثالث أزمة الإطاحة بالديكتاتور السابق موبوتو سيسيسكو عام 1996-مايو1997، ثم كانت أزمة الإطاحة بخلفه الرئيس لوران كابيلا أغسطس 1998-2003 هي الصراع الرابع، حتى بلغنا الأزمة الأخيرة الممتدة حتى الآن.
 
ويلاحظ أن صراعات الكونغو بالرغم من أنها تبدو داخلية، فإنها واقعيا تعد صراعات إقليمية يغذيها المجتمع الدولي، وهو ما كان واضحا في أزمة عام 1998، حيث تدخلت كل من أوغندا ورواندا وبوروندى عسكريا لصالح المتمردين في مواجهة الرئيس كابيلا الذي استعان بكل من زيمبابوي وأنجولا وناميبيا، لذا كان من أهم بنود اتفاق المصالحة عام 2003 انسحاب هذه القوات المتدخلة.

كما أن الصراع في الكونغو لا يقتصر على الفاعلين الإقليميين والدوليين، وإنما يزداد تعقيده بدخول الشركات متعددة الجنسية العاملة في مجال التعدين فيه من أجل الحصول على عقود امتياز طويلة الأجل بالاتفاق مع الأنظمة الحاكمة المتعاقبة في البلاد، والتي كانت تحصل على عمولات كبيرة من هذه الشركات، فضلا عن قيامها هي ذاتها بأعمال السلب والنهب (قدرت ثروة موبوتو بثلاثين مليار دولار مما جعله من أغنى أغنياء العالم، في حين قام خلفه كابيلا الأب بتحويل حصيلة البنك المركزي الوطني إلى منزله).

وتمارس هذه الشركات سياسة قذرة في البلاد، وذلك من خلال عقود استغلال غير عادلة، أو من خلال التحالف مع قوى التمرد في مواجهة النظم الحاكمة كما حصل ضد لومومبا ويحصل الآن مع نكوندا، أو الاستعانة بشركات أمن خاصة "المرتزقة" ليس فقط لتأمين أعمال التعدين والتنقيب، وإنما أيضا للمشاركة في الحرب مع أو ضد النظام مقابل الحصول على عقود إذعان.

فضلا عن ذلك، فإن هذه الشركات لها علاقات وثيقة مع الدول الأم التابعة لها، سواء أكانت شركات أمريكية أو أوربية أو حتى إقليمية، مثل الشركات الزيمبابوية والرواندية وغيرها، وهو ما يحكم تدخل هذه الدول من عدمه في عملية الصراع.

ومن ثم فإنه من الصعوبة تصور وجود أي حل لهذه الأزمة بمنأى عن هذه الشركات التي يجب أن تؤخذ مصالحها في الاعتبار، ولعل هذا ما يفسر عدة أمور منها:

أولها: لماذا الصراع دائما في الشرق وليس في الجنوب الغربي، حيث العاصمة كينشاسا، ولماذا الضحايا من المدنيين الأبرياء.

وثانيها: لماذا لم نسمع عن تعرض حقل واحد من حقول التعدين للسلب والنهب.

وثالثها: لماذا الدول الخارجية أو المجتمع الدولي غير راغب في التدخل بقوة في الأزمة بالرغم من الضعف الواضح لقوات حفظ السلام الموجودة هناك، في مقابل تدخل رواندا تلك الدولة القزمية في الصراع.

ورابعها: لماذا يشترط زعيم المتمردين لوران نكوندا أثناء لقائه مؤخرا بمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الرئيس النيجيري السابق أوليسجون أوباسنجو ضرورة مراجعة عقود الشركات الصينية؟... أليس من الأفضل أن يشترط قبل المفاوضات وقف إطلاق النار من قبل الجيش الحكومي، أو حتى ترحيل قوات الهوتو صاحبة المشكلة من شرق البلاد، أو حتى اشتراط حصوله على نصيب من كعكعة السلطة؟!

إن هذا الشرط يكشف إلى حد كبير أن أسباب الصراع، وإن بدت إثنية (مواجهة بين التوتسي المطحونين بزعامة نكوندا، والهوتو المستبدين المدعومين من قبل الرئيس جوزيف كابيلا)، إلا أن الأبعاد الاقتصادية هي الأكثر أهمية، خاصة أن الصراع يدور في الشرق البعيد جدا عن العاصمة حيث مؤسسات الحكم.

كما أن ضعف القدرة التسليحية لكل من الطرفين، أي المتمردين والجيش الحكومي، تشير إلى أن هؤلاء المتمردين لا يرغبون في تحقيق مكاسب سياسية بالأساس بقدر كون المطلوب هو المصالح الاقتصادية لهم وللقوى التي تقف خلفهم –ونقصد رواندا وأوغندا مقابل كل من أنجولا وزيمبابوي اللذين تدخلا -ولا يزالان – لصالح النظام الحاكم.

تحالف حتى مع الشيطان

ويلاحظ أن هذه الشركات على اختلاف جنسياتها تتحالف مع الشيطان دون مبرر أو سند أخلاقي، فيمكن أن تتحالف مع المتمردين أو حتى لوردات الحرب أو النظام الحاكم، فالذي يهمها هو معيار المصلحة فقط، وأسلوبها في ذلك تقديم دفعة مالية كبيرة للنظام أو القوى المسلحة من أجل الحصول على عقود التنقيب طويلة الأجل أولا، ثم يتم دفع نسبة من عوائد التنقيب والتي تذهب إما إلى النظام، أو القوى العسكرية المسلحة الداعمة أو المعارضة له.

والأمثلة على ذلك عديدة، ولعل أبرزها قيام المالك الرئيسي لشركة التعدين الأمريكية (مسجلة في كندا ومقرها في ولاية أركنساس الأمريكية) بإعارة طائرته الخاصة للرئيس الراحل كابيلا لتفقد المناطق التي يسيطر عليها الجيش في مواجهة قوى التمرد، وكذلك في زياراته الخارجية للقاء نظرائه الأفارقة مقابل الحصول على عقود تنقيب عن الثروات المعدنية.

وفي المقابل أيضا فإن قوات التحالف الديمقراطية لتحرير الكونغو المدعومة من رواندا والمؤيدة للوران كابيلا حصلت على دفعة أولى تقدر بنحو 50 مليون دولار من إجمالي 200 مليون دولار خلال أربع سنوات من شركة لاندين جروب الكندية للاستثمار في النحاس والكوبالت والتي يبلغ حجم استثماراتها 1.5بليون دولار.

هذا التدخل، أو بالأحرى التورط، كشفه تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة المشكلة بقرار من مجلس الأمن (يونيو 2000) بشأن الحرب في الكونغو وتدخل القوى الإقليمية بها، حيث أشار التقرير إلى أنه خلال فترة الحرب الرابعة (1998-2003)، تجاوزت 85 شركة دولية لمعايير العمل الدولية المتعارف عليها، ومن بين هذه الشركات 21 شركة بلجيكية، و10 شركات بريطانية، و8 شركات أمريكية، و5 شركات كندية، و12 شركة من جنوب أفريقيا، و4 شركات من زيمبابوي، و4 شركات ألمانية.

وبالرغم من أن التقرير طالب بتوقيع عقوبات مالية على 29 شركة من هذه الشركات و54 شخصا لهم علاقات وطيدة برؤساء رواندا وأوغندا وزيمبابوي والكونغو ذاتها، إلا أن هذا التقرير لم يتم العمل به بسبب الضغوط التي مارستها الدول الغربية ومن بينها بريطانيا لمنع تفعيله حتى لا تتضرر هذه الشركات، كما ذكرت صحيفة الجارديان في تقرير نشرته يوم 6 نوفمبر الماصي تحت عنوان: "دور بريطانيا في أزمة الكونغو".

ويلاحظ على هذا التقرير أن التجاوزات ليست قاصرة فقط على الشركات الأوربية بالرغم من أنها صاحبة النصيب الأكبر، وإنما تضمن أيضا شركات تابعة لدول الجوار الأفريقي، وهذا ما يفسر أسباب تدخل دولها الوطنية في المراحل المختلفة للصراع وفق مقتضيات المصلحة، كما يفسر مدى ارتباط هؤلاء الأشخاص أو القائمين عليها برؤساء هذه الدول بما فيهم الرئيس الكونغولي الحالي جوزيف كابيلا.

الشركات الإسرائيلية على الخط

ولا يقتصر دور هذه الشركات على الشركات الغربية أو الأفريقية، بل إن الشركات الإسرائيلية تدخل على الخط أيضًا، وخاصة شركات السلاح التي تستهدف استمرار الصراع وعدم حسمه من أجل بيع السلاح لكلا الطرفين، الحكومة والمتمردين على حد سواء.

ويتبع بعض هذه الشركات مباشرة للموساد الإسرائيلي، مثل شركة إيردفينيس كونسلت، والتي كان لها دور كبير في الإطاحة بالرئيس موبوتو سيسيسكو عام 1997 من خلال تزويد جيشي رواندا وبوروندي الخاضعين للتوتسي بالسلاح، وكذلك قوى التمرد الداعمة للوران كابيلا آنذاك، بل إن إسرائيل تسعى لإيجاد حالة من الفوضى والحرب المستمرة، فوفقا لتقرير أذاعه راديو فرنسا الدولي رقم 1 الموجه لأفريقيا بناء على معلومات المخابرات الفرنسية بشأن الدور الإسرائيلي في تحريك الأزمة في زائير سابقا "الكونغو الديمقراطية حاليا"، فإن هذه الشركة قامت أيضا بدعم متمردي الهوتو في شرق الكونغو لشن هجماتهم ضد نظامي رواندا وبوروندي.

ومعنى هذا أن هذه الشركات الإسرائيلية تستهدف إيجاد حالة من الفوضى في هذه المنطقة الحيوية لعدة أسباب بعضها اقتصادي مثل بيع السلاح، وبعضها يخدم أجندة السياسة الخارجية الإسرائيلية كون الكونغو بها أحد منابع النيل من ناحية، ومن ثم يمكن تهديد الأمن القومي السوداني والمصري في وقت واحد خاصة في ظل وجود حدود مشتركة بين الكونغو وجنوب السودان الذي يسعى إلى الاستقلال عام 2011، ولضمان التغلغل في قلب القارة السمراء في ظل الموقع الجيوإستيراتيجي الهائل للكونغو من ناحية أخرى.

ولعل ما سبق ذكره، يشير إلى أن أزمة الكونغو هي أزمة بالغة التعقيد، يتشابك فيها الداخل مع الخارج الإقليمي والدولي، كما أن الفاعلين الأساسيين بها ليست دول فقط، وإنما شركات نهب ضخمة صارت تتحكم في عملية صنع القرار في دولها، وهو ما يفسر أسباب الفتور الراهن في الموقف الدولي بل والإقليمي بشأن عملية التدخل، سواء من خلال مجلس الأمن أو الاتحاد الأوربي أو حتى منظمة السادك (مجموعة التنمية للجنوب الأفريقي)، بالرغم من أن المأساة الإنسانية للمواطنين الأبرياء واضحة للعيان.

إن هذا يعني في الحاصل الأخير أن أي محاولات لتسوية الصراع الحالي لا يمكن حلها فقط من خلال جمع رئيسي رواندا والكونغو، كما حدث في المفاوضات الأخيرة التي رعتها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، فأصحاب الشركات المتعددة الجنسية ربما هم من يقررون كيف ومتى يحل هذا الصراع، وهذا هو مكمن الصعوبة والخطورة في أن يستمر الصراع لأجل غير معلوم دون عزاء للقتلى والمشردين من البشر!!


باحث دكتوراه بمعهد البحوث الأفريقية -جامعة القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات