|
| فريديريكو لومباردي |
الفاتيكان (روما)– لا يتنقل "البابا بنديكت السادس عشر" أو يسافر من مكان إلى آخر داخل أوروبا أو خارجها، إلا ويكون معه ومن بين مرافقيه رجل معروف في أروقة الفاتيكان وهو الأب "فريديريكو لومباردي"، الذي كلفه البابا نفسه، من خلال مرسوم أصدره بمجرد انتخابه، برئاسة الإدارة العامة لكل من راديو وتلفزيون الفاتيكان، كما يشغل الأب "لومباردي" الذي التقته شبكة "إسلام أون لاين. نت"، منصب "ناطق رسمي باسم الفاتيكان".
ويتحدث الأب فريدريكو لومباردي، في هذا الحوار الخاص، عن دور الفاتيكان في المحافظة على هوية أوروبا المسيحية، كما يبين التحديات التي تواجه الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا، ولا يخفي خشية الفاتيكان على الهوية الثقافية المسيحية لأوروبا من طغيان الثقافة المادية من جانب، ومن أشكال معينة لفهم الإسلام، خاصة مع تزايد أعداد المسلمين في أوروبا في السنوات الأخيرة.
وفيما يلي الحوار كاملا:
*هناك حديث كثير عن قلة اهتمام حجاج الفاتيكان بما هو تعبدي حتى إن البعض يقول إن الناس الذين يزورون الفاتيكان هذه الأيام من أجل التقاط الصور في المعالم الجميلة التي يحويها الفاتيكان وليس من أجل الصلاة، فماذا تقولون في هذا الأمر؟
أنتم تعلمون أن روما هي مدينة لها تاريخ كبير وتحتوي على الكثير من الآثار والكنوز ذات الطابع الفني والثقافي والتي لا تنتمي كلها إلى الحضارة المسيحية، وطبعا هناك العديد من الآثار المسيحية ولكن هناك أيضا آثار تنتمي إلى الإمبراطورية الرومانية التي وجدت قبل ظهور يسوع المسيح، وبالتالي فهناك فائدة لزيارة روما من الناحية الثقافية العامة.
ولكن، وبدون أدنى شك، فإن الهوية الثقافية للتاريخ المسيحي للمدينة مهمة جدا، وهي أساسية، ونستطيع القول إن معظم الذين يزورون الفاتيكان وروما يأتون من أجل هذا الأمر، ونعتقد أن الأبعاد المسيحية الدينية تطغى على الأهداف الأخرى لزوار الفاتيكان.
فروما من الناحية الدينية تضم أهم معالم المسيحية؛ فهناك قبر القديس بطرس، وهناك ذاكرة العشرات من الشهداء الذين ماتوا من أجل المسيحية والذين ينتمون إلى عصور مختلفة من الحضارة الرومانية التي عرفت فترات كبيرة اضطهد فيها المسيحيون.
كما تحتوي المدينة على العديد من الكنائس المهمة في تاريخ المسيحية التي تحتفظ بتاريخ ديننا وبذاكرة شهدائنا؛ حيث بنيت كنيسة القديس "بطرس" على سبيل المثال على قبره، وهو أمر أكدته كل الأبحاث الأثرية والتاريخية، مع ما يمثله القديس بطرس باعتباره القائد لأول طائفة مسيحية وجدت في روما بمجيئه من فلسطين.
فكانت كنيسة القديس بطرس وساحته التي تواجه الكنيسة هي بمثابة ذاكرة للشهداء المسيحيين الذين اضطهدتهم الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت، ومنذ ذلك الوقت أصبح القبر كما الكنيسة مزارا للحجاج المسيحيين عبر العالم.
والبابا، القائد الروحي للمسيحيين، اتخذ مقر إقامته منذ العصور القديمة قرب قبر القديس بطرس، مجسما بذلك تواصل المسيحية وتقاليدها، وبالتالي فإن الحجيج الذين يأتون من أجل الصلاة في كنيسة القديس بطرس وفي كنيسة "السكستين" وغيرهما من الكنائس، يأتون أيضا من أجل رؤية البابا، والذي هو بالنسبة إلينا خليفة القديس بطرس في قيادة المسيحيين.
ويأتي المسيحيون اليوم من أجل الصلاة، ومن أجل الاستماع إلى البابا والأخذ بنصائحه، وإقامة الاحتفالات بالأعياد المسيحية التي تحتضنها ساحة القديس بطرس والتي أصبحت تتسع لعشرات الآلاف، وفي أحيان كثيرة فإن أعداد الحجيج تفوق اتساع الساحة فنفتح لهم شارع "ألكنسيالزيونا" الذي يمتد أمام الكنيسة، وهو ما يثبت اتساع وعالمية المسيحية.
* تشير إلى عالمية المسيحية وهذا أمر صحيح من حيث أعداد المنضوين تحت لوائها من الأشخاص، ولكن يتحدث البعض عن أن الطابع الأوروبي للمسيحية يغلب على ما دونه، فعندما نزور كنيسة "السكستين" أو حتى كنيسة القديس بطرس نلاحظ أن الطابع الفني والثقافي الأوروبي، وخاصة الذي يعود إلى عصر النهضة الأوروبية، طاغٍ على ما دونه، فماذا تقولون في ذلك؟
من الطبيعي أن يكون التأثير التاريخي للمسيحية مرتبطا بالمكان الذي ازدهرت فيه، وبالتالي فإن الفن الذي يجسد الديانة المسيحية في أوروبا هو بالفعل فن أوروبي، ولكن إذا ما ذهبتم إلى كنائس في الشرق الأوسط أو في آسيا، فإنكم ستجدون فنا مختلفا؛ ففي أرمينيا على سبيل المثال يمكننا أن نجد فنا ذا لمحات شرقية، ومن الطبيعي إذن أن يكون الفنانون الذين رسموا في كنائس روما أو الذين طبعوا بصماتهم في كنيسة "السكستين" الشهيرة تأثروا بالفن الأوروبي آنذاك، وهذا لا يعني أن الأمر يتعلق بالتأويل الفني الوحيد للعقيدة المسيحية الذي يتبناه كل المسيحيين في العالم.
والفن المسيحي يتجلى بالنسبة إلينا في أشكال مختلفة، ففي إفريقيا يرسم يسوع المسيح بوجوه ذات طابع إفريقي وفي غيرها من بلدان العالم فإن تصوير المظاهر المسيحية يتم بوجوه مختلفة، ولكن ما تعتبره "هيمنة أوروبية ثقافية" و"قراءة معينة للمسيحية تنبع من الهوية الأوروبية" جاء انطلاقا من أن مقر البابوية كان دائما في روما باستثناء بعض السنوات التي انتقلت فيها البابوية لفترة محدودة من الزمن إلى مدينة "أفنيون" في وسط فرنسا، وهي فترة قصيرة وعابرة.
وبالتالي، فإن المسيحية تأثرت بأجوائها وثقافتها الأوروبية ولكن بدون هيمنة كاملة؛ حيث نجد في العراق اليوم تقاليد دينية مسيحية قديمة، والأمر نفسه ينطبق على جوريزاليم (القدس)؛ حيث نجد طوائف مسيحية تختلف كثيرا عن تقاليد الطائفة المسيحية الأوروبية.
* ولكن هناك القراءة الأوروبية للكاثوليكية مهيمنة على غيرها؟
نستطيع أن نقول إن هناك انتشارا للكاثوليكية في أوروبا كبير وبالتالي تاريخيا انتشرت نفس الثقافة في بعض المناطق الأخرى من العالم، ولكني أبقى مقتنعا أن العقيدة المسيحية ليست ظاهرة أوروبية فقط وهي لم تولد أصلا في أوروبا وإن شهدت ازدهارها هنا، وبالتالي لا يجب أن يقع ربطها بأوروبا فحسب.
* كيف ترون مكانة المسيحية الكاثوليكية في أوروبا الآن، وخاصة في ظل علمنة الكثير من النظم، ورفض كثير من النخب الأوروبية المعلمنة للمعطى الديني؟
من المعلوم أن البابا وحكومة الفاتيكان لهم سلطة روحية دينية وهذه الحقيقة في المسار الأوروبي الحالي والقديم تعيش انتعاشة انطلاقا من الإقبال على الروحانيات، ولكننا نشهد أيضا مشاكل وخاصة فيما يتعلق بعلمنة المجتمعات الحالية؛ ما يطرح تحديا أمام الحياة الدينية وأمام العقائد بشكل عام؛ لأن هناك اتجاها كبيرا نحو المادية والبحث عن رفاهية العيش.
وفي هذا الاتجاه يمكن اعتبار الأمر مشكلة نواجهها كل يوم أمام المتطلبات الدينية للإنسان بشكل عام، ولا يتعلق الأمر فقط بأوروبا، ولا يرتبط فحسب بالكاثوليك بل أيضا يرتبط ببقية أتباع الديانات الأخرى، فأمام تطور المجتمعات تتزعزع مكانة القيم الدينية وهو برأي مشكل نشترك فيه مع أتباع كل الديانات، ونحن من جهتنا نشجع على الإقبال على العقيدة من أجل تفادي فقدان الهوية المسيحية في أوروبا، وهو ما يحملنا المسئولية من أجل القيام بشهادتنا وعملنا الديني.
* هل نستطيع القول تبعا لما تقول ومن وجهة نظر معينة إن الكنيسة الكاثوليكية تعيش أزمة في أوروبا؟
لا نختلف كثيرا في هذا الأمر عن بقية الديانات والاتجاهات الروحية في أوروبا وغيرها، وأعتقد أن الكنيسة البروتستانتية على سبيل المثال ربما لها مشاكل أكثر خطورة من الكنيسة الكاثوليكية، ولا أقلل بذلك من المشكلات التي تعيشها الكنيسة الكاثوليكية، ولا أعتقد أن المسلمين لا يعانون من مشاكل في هذا المجال، ونحن أمام مشاكل المجتمعات المعاصرة التي نشترك فيها مع كل المعتقدات الأخرى.
* هل هناك خشية من الفاتيكان تجاه معطى آخر غير تحديات الحياة المعاصرة، أقصد تزايد أعداد المسلمين في أوروبا؟ بعبارة أخرى: هل هناك خشية داخل الكنيسة الكاثوليكية الأوروبية على الهوية المسيحية لأوروبا؟
نحن نعرف حقيقة وجودنا على الأرض جيدا، ونعرف تاريخنا جيدا الذي يقول إن تاريخ المسيحية في أوروبا كان دائما ذا قيمة مهيمنة بشكل كبير، ويكفي أن تمشي في شوارع أوروبا في كل مكان لتعترضك الكاتدرائيات والكنائس المسيحية، والفن والثقافة الأوروبية في جزء كبير منها مستلهمة من الهوية الثقافية الدينية المسيحية لأوروبا، فالمسيحية كان لها دور أساسي في تكوين القيم والثقافة الأوروبية.
و لكن للرد على سؤالك، أقول: إن لنا بعض الخشية بالنسبة للذين يأتون إلى أوروبا وينسون كل هذه القيم المسيحية التي تشكل هوية أوروبا، وإذا كانت أوروبا اليوم تسعى أن تكون قوة جغرافية وسياسية موحدة فإنها يجب أن تحافظ على هذه الهوية.
من الطبيعي أن نحافظ على هوية أوروبا المسيحية من القيم المادية الطاغية والزاحفة، ولكن الحفاظ على هوية أوروبا المسيحية يأتي أيضا عبر المحافظة على تقاليدها، وفي هذا الاتجاه بالذات فإن لنا خشية أن ننسى هذا الأمر.
وإذا كان هناك فعلا من خشية بالنسبة لنا، فهي ليست أساسا في ثنائية التواجد بين المسيحية والإسلام داخل القارة، ولكن خشيتنا الحقيقة هي في المحافظة على الإنسان وأبعاده الروحية أمام الحياة المادية.
*بصيغة أخرى: هل من خطر يمثله الوجود الإسلامي في أوروبا على هويتها وخاصة أن أعداد المسلمين في القارة وصلت حاليا إلى حوالي عشرين مليونا؟
نعم، هذا من الطبيعي، بالنسبة لي فإن السؤال الأساسي في هذا الأمر هو بأية وسيلة يأتي الناس إلى أوروبا؟ وما هو موقفهم من الحوار؟ وما مدى قبولهم للاندماج أو رفضهم له، واحترامهم لتاريخ وقيم البلاد التي يحلون فيها؟ وهذه هي برأيي المشكلات الأكثر عمقا.
وفي هذا الإطار لا يمكننا أن نتحدث عن المسلمين في أوروبا بصفة عامة أليس كذلك؟! فهناك سلوكيات ورؤى مختلفة، وأمام هذا الواقع المتعدد فإن لنا خطابات متعددة فيمكن أن يكون لنا تخوف كبير من الإسلاميين الذين يميلون إلى العنف ولا يملكون رؤية للسلام، وفي المقابل هناك إمكانية العيش المشترك مع البعض الآخر بدون إشكالات.
* هل لديكم الثقة في مستقبل هوية أوروبا المسيحية؟
لكل عقائده وقيمه التي يقترحها على الأوروبيين والتي يريد نشرها، وأنا كمسيحي ومن ورائي كل المسيحيين في أوروبا أتعهد بأن أقوم بدوري الذي يهدف إلى أن تعيش العقيدة المسيحية وتتواصل في أوروبا، ولكنني لا أستطيع التنبؤ بمستقبل أوروبا بعد ألف عام؛ لأني بطبيعة الحال لست بنبي، بل أفعل ما ينبغي فعله لكي يتواصل هذا الثراء الروحي الكبير، الذي هو الثراء المسيحي في أوروبا وفي العالم، وينتج ثماره المتمثلة في السلام والحضارة.
|