English

 

الأحد. نوفمبر. 30, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

العراق.. اتفاقية تمديد الاحتلال باطلة قانونا

نبيل شبيب

Image
البرلمان العراقي أقر الاتفاقية الأمنية
أطلق على "النصوص" التي قيل إن "المجلس النيابي" العراقي صادق عليها يوم 27/11/2008م، عدة أوصاف منها "اتفاقية أمنية" أو "اتفاقية انسحاب القوات الأمريكية" أو "اتفاقية تثبيت أقدام الاحتلال".. سيان فالأمر الجوهري ليس في التسمية ولا حتى في المحتوى، بل في أصل وضع تلك النصوص فاقدة المشروعية، والتي لا يمكن أن يكتسب سريان مفعولها أو العمل بمقتضى بنودها مشروعية ما، وهو ما يعني بالمقابل مشروعية رفضها ومقاومة تطبيقها ومقاومة من يعمل لفرض تطبيقها بالإكراه.

والجدير بالتنويه أن استخدام تعبير "الاتفاقية" فيما يلي هو استخدام مجازي، فللاتفاقية بمدلولها القانوني الدولي شروط غير متوافرة في محتوى النصوص ولا في الطريقة التي اتبعت لوضعها.

ويوجد ما لا يكاد يمكن حصره للتدليل على بطلان هذه النصوص وافتقارها للمشروعية من حيث الأساس، إنما لا يمكن استعراض جميع الجوانب ذات العلاقة، ويبدو الحديث الموجز التالي رغم ذلك مطولا نسبيا، وإن ركز على عناصر معدودة لبطلان هذه الاتفاقية:

(1)  الوضع السياسي.. اتفاقية التبعية

(2) حالة الاحتلال.. اتفاقية باطلة تخدم احتلالا باطلا

(3) عنصر الابتزاز.. ليس على مستكره "اتفاق"

(4) سيادة منقوصة.. سجل السوابق "الإجرامية"

(5) الإرادة الشعبية.. التمثيل الاعتباطي لمصدر السلطات

اتفاقية التبعية

كتب الكثير عن هذه الاتفاقية بأقلام المخلصين من مختلف المنطلقات الوطنية والقومية والإسلامية، بل ومن المنظور الإنساني وبلسان الواقعية، ويغني هذا عن الخوض في جوانب سياسية، سواء من حيث الطريق المتبعة، حتى صياغة النصوص، أو من حيث مضامينها، فالفقرات التالية تتناول جانب المشروعية تخصيصا، إنما ينبغي التنويه بأمرين من المعالم السياسية أو الإطار العام للحدث، مما يرتبط بجانب المشروعية:

1- على الصعيد السياسي: أراد الرئيس الأمريكي "الراحل" (عن البيت الأبيض) بوش الابن أن يتم عقد هذه الاتفاقية في الشهر السابع من عام 2008م، أي قبل أن تأخذ انتخابات الرئاسة الأمريكية مجراها، وكان يقدّر -منذ اتفاقه المبدئي عبر الأثير مع المالكي بهذا الصدد (أثناء مؤتمر أنابوليس)- أن الانتخابات ستسفر عن غير ما يريد، وتأخر وضع النصوص النهائية، وظهر بوضوح أن الرئيس الأمريكي المنتخب يريد الانسحاب من العراق في موعد أقصاه 18 شهرا، أي في منتصف عام 2010م، ولكن حكومة الاحتلال في العراق وضعت نصا يقول بانسحاب القوات الأمريكية آخر عام 2011م، واعتبرت ذلك إنجازا كبيرا.

هل يوجد مثال تاريخي قديم أو معاصر فيه ما يشابه هذا التشبث بقوات الاحتلال من جانب من يزعم تمثيل شعب تحت الاحتلال، مع محاولة دفع تلك القوات إلى البقاء فترة زمنية أطول؟ أم أن في هذا ما يكفي من التدليل على أن طرفي التفاوض طرف واحد، احتلال وجهة تابعة للاحتلال؟

2- على الصعيد الواقعي: لم تعرف الولايات المتحدة الأمريكية من قبل وضعا دوليا أضعف مما هي عليه الآن، عسكريا وسياسيا واقتصاديا وأخلاقيا، نتيجة حروب عسكرة الهيمنة في عهد بوش الابن، ومع ترنحها الظاهر للعيان أصبحت دول الأرض تسعى -كل من زاوية مصلحته الخاصة- أن ينتزع لنفسه قدرا ما من المشاركة في صناعة القرار الدولي والتأثير فيه، وأن ينتزع بعض ما سبق اغتصابه من حقوق وصلاحيات وثروات اعتمادا على القوة العسكرية.

ما الذي يجعل دولة كالعراق، كانت في مقدمة الدول التي نالها النصيب الأكبر من إجرام الحروب الأمريكية بمختلف وجوهه، تسعى بدلا من ذلك إلى اتفاق مع دولة الاحتلال قبل رحيل قواته، لتستبقي له ذرائع البقاء والمشاركة في فرض القرار داخل الحدود، لولا أن الطرف الذي يتحدث باسم دولة العراق، لا يمثل العراق بل دولة الاحتلال نفسها؟.

اتفاقية باطلة تخدم احتلالا باطلا

في حالة الاحتلال تسري قوانين "حالة الحرب" بديلا عن قوانين "حالة السلم"، ومن ذلك بإيجاز شديد:

1- مقاومة الاحتلال بالقوة مشروعة بنص القوانين الدولية (وتسري المشروعية على دعم المقاومة أيضا).

2- لا يحق لدولة الاحتلال إحداث تغيير على البنية الهيكلية للدولة وللشعب تحت الاحتلال.

3- لا يحق لدولة الاحتلال انتقاص ثروات دولة تحت الاحتلال وكل تضييع لها يوجب تعويضها.

4- سيادة الدولة تحت الاحتلال معطلة حتى زوال الاحتلال زوالا كاملا.

5- كل ما يعقد بمفعول سيطرة الاحتلال من اتفاقات وصفقات باطل من الأصل.

6- إعادة بناء الدولة تخضع للمعايير المقررة في نصوص القوانين الدولية.

7- لا يسري على بنية هيكلية قانونية جديدة للدولة وصف المشروعية إذا صنعها الاحتلال ما لم تجد التثبيت عبر آليات حيادية بصورة معبرة عن إرادة الشعب ومضمونة من التزييف والتزوير والإكراه.

إن مجرد السؤال عن مشروعية ما سمي اتفاقية مع دولة الاحتلال على النحو الذي تم تمريرها به سؤال اعتباطي، إذ لا يوجد أصلا مجال للشبهة ليطرح على بساط البحث والنقاش.

ويعلم من عقدوا الاتفاقية بذلك، ولهذا يحاولون تعميم وصف "اتفاقية انسحاب القوات" تزييفا للمضمون، لأن الانسحاب هو وحده ما يمكن أن يكون هدفا في اتفاق، ولكن لا يتحقق ذلك دون شروط، منها مَن يفاوض، وعدم التناقض بين النصوص وما تقرره وبين الثوابت في القانون الدولي مثل سيادة الدولة ومرجعية الإرادة الشعبية، وعدم المساس بملكية الشعب لثرواته، ثم تتحدد كيفية وصول حصيلة التفاوض إلى مستوى "المقبول" بمفهوم القانون الدولي.

وبدلا من الإطالة في التفاصيل يمكن أن نقارن ما بين أيدينا تحت عنوان "اتفاقية انسحاب القوات"، وبين مفاوضات جنيف لسحب قوات الاحتلال الأمريكي من فيتنام آنذاك، ثم كيف بقيت العلاقات الثنائية مقطوعة زهاء ثلاثين عاما، قبل أن تبدأ اتصالات مباشرة على مستوى "الأنداد" بين دولتين لكل منهما سيادتها بمفهوم القانون الدولي.

إن الفارق الجوهري، علاوة على فوارق عديدة أخرى، هو أن الذين أجروا المفاوضات من الفيتناميين، مع قوة الاحتلال على انسحابها العسكري آنذاك في مطلع سبعينيات القرن الميلادي العشرين، لم يكونوا من الحكومة التي نصبها الاحتلال ظلما وعدوانا بل كانوا من الثائرين عليها وعلى الاحتلال.

ليس على مستكره.. "اتفاق"

أثناء المسرحية المأساوية للتصديق على الاتفاقية في مجلس نيابي مشبوه نشأ عبر انتخابات لا تستوفي شروط الحرية والنزاهة المقررة في مواثيق دولية بوضوح (فقراراته غير شرعية جملة وتفصيلا) وبغض النظر عن طبيعة النصوص الملغمة وطريقة وضعها الباطلة، كان من أغرب ما أعلن رسميا عن مواقف بعض "الكتل" أنها لن توافق على الاتفاقية إلا إذا وافقت الحكومة على مطالب معينة لا علاقة لها بالاتفاقية، وقد حصل. ولا علاقة لجانب المشروعية بأن من هذه المطالب ما يرتبط بإنصاف هذه الطائفة أو تلك في وضع الصراع الطائفي الذي رسخه الاحتلال.

وليس سهلا العثور على أمثلة يكون فيها الابتزاز السياسي "العلني" وسيلة للتصويت الذي يفترض أن يصدر في كل قضية، لا سيما القضايا الكبرى حسبما يمليه ضمير النائب الفرد!

ولكن هذا "الابتزاز" في عملية التصويت يهون شأنه عند مقارنته مع أسلوب الابتزاز المزدوج المعلن رسميا أيضا، على لسان المالكي والطالباني، في الترويج للاتفاقية داخليا.

حكومة دولة الاحتلال تمارس الابتزاز بأنها ستفتح أبواب المطالبة بتعويضات (لا أساس لها قطعا، بل يفرض القانون الدولي تعويضات معاكسة) بألوف المليارات من العراق ما لم تنعقد تلك الاتفاقية، والحكومة تحت الاحتلال في العراق تحول هذا الابتزاز إلى الداخل العراقي فتنذر وتحذر من مغبة عدم الموافقة، بأنه سيضع ألوف المليارات على كاهل العراق.

هذه صورة لا يمكن وضع عنوان قويم لها ولا أن يوجد لها مكان ما في نطاق تعامل سياسي أو تعامل قانوني دولي على الإطلاق؛ إنما هي معروفة في تعامل العصابات المنظمة مع بعضها بعضا، أو مع بعض من تشتري ذممهم من مسئولين في السلطة، والأنكى من ذلك أن ما جرى علنا بشأن هذه الاتفاقية لا تصنع مثله تلك العصابات المنظمة إلا سرا، لأنه باطل قانونا، وإذا انكشف أمر الابتزاز صار وبالا على المشاركين فيه أمام القضاء!

إن وصف اتفاقية تعقد تحت الابتزاز، ويجري تمريرها تحت الابتزاز، بالمشروعة، أمر لا يحتاج إلى تعليق، بل قد لا يخطر حتى على خيال كاتب قصة "بوليسية"!

الابتزاز صورة بشعة من صور الإكراه، وإن القاعدة الفقهية المعروفة في الإسلام؛ (لا إكراه في الدين) و(ليس على مستكره طلاق) والتي قيل قياسا عليها (وليس على مستكره بيعة)، يسري مفعولها في القانون الدولي بصور مشابهة، فلا توصف في القانون الدولي العام، أي انتخابات أو استفتاءات ولا ممارسات ما من جانب جهة من الجهات، بالمشروعية، إذا قامت على أساس الإكراه، وحالة الإكراه قائمة بمجرد غياب آليات كافية لضمان عدم وقوعه، أي حتى دون الحاجة إلى إثبات ممارسته بالدليل القاطع، ناهيك أن يكون علنيا على هذه الصورة.

سجل السوابق "الإجرامية"

لا يعرف علم القانون الدولي ولا قانون الدول (الداخلي) مشروعية ما لما يمكن أن يصنع أثناء ما يسمى إعلاميا "فراغا قانونيا أو دستوريا"، وعلى فرض الاضطرار إلى ذلك لدواع عملية، أي في فترة تمتد ما بين سقوط وضع دستوري أو غير دستوري، وقيام وضع دستوري جديد، تبقى مشروعية ما يصنع مرتبطة بإعطائه هذه المشروعية لاحقا أو إلغائها.

ولأن حالة العراق حاليا هي حالة دولة دون سيادة بسبب وجود الاحتلال، وأن ما يعقد باسمه من اتفاقات، حتى في إطار صفقات بيع التمر العراقي مثلا، يفتقر إلى المشروعية لهذا السبب أيضا، وتجب المحاسبة عليه عند استرجاع السيادة، فإن كثيرا ممن يناصرون الاتفاقية من منطلقات سياسية عقيمة، داخليا أو خارجيا، يتعرضون للموضوع من جانب آخر لا علاقة له بمشروعية الاتفاقية في الأصل، بل يخلطون بين ما يقتضيه القانون الدولي العام بمبادئه الثابتة (مثل سيادة الدولة) وبين ما تفرضه ضرورات التعامل الواقعي على المستوى الدولي وهو ما يوصف مجازا بالقانون الدولي التطبيقي، ولا بد هنا من مقدمة توضيحية.

كثير من الأوضاع والحكومات والاتفاقات الفاقدة للمشروعية يجري التعامل معها لعدم وجود بديل، أو تحت ضغوط الإكراه، وبتأثير موازين القوة، أو لتخفيف معاناة إنسانية، أو كيلا تنقطع المعاملات، ولهذا يجري التمييز بين "اعتراف واقعي" أي بأمر واقع قائم و"اعتراف قانوني دولي" أي اعتراف بمشروعية وضع أو حكومة أو اتفاقية ما.

المعاملات الجارية على هذا الأساس الواقعي وإن لم تكن على أرضية المشروعية، هي ما بات يطلق عليه وصف قانون دولي تطبيقي، وفي لفظة "قانون" نفسها ما يثير الالتباس، إنما يجري تعميمها عمدا، فمصدر التعميم هو المعاهد الغربية ومراكز القوى الغربية، أي الجهة التي تملك حاليا إمكانات الهيمنة بالقوة، فهي تسعى تحقيقا لمصالحها ومطامعها وتمريرا لكثير من حالات العدوان والاستغلال غير المشروعة، التي تنطوي الهيمنة عليها.. تسعى لإعطاء ما تصنع صفة القانونية ولو مجازا، ثم تستخدم هذا الوصف في التعامل مع الدول الأضعف عالميا، ولكن لا تستخدم ما يقتضيه على الإطلاق في تعاملها مع بعضها بعضا، وهو ما يكشف عن "الاستغلال الواعي" لهذا الخلل المصنوع عمدا.

(شبيه ذلك ما يجري مع كلمة الشرعية الدولية وتعميم وصفها المزيف بأنها تتحقق عبر قرارات مجلس الأمن الدولي مثلا)، ومما يؤسف له أن هذه المصطلحات أصبحت موضع استخدام عشوائي منحرف وضار عبر التقليد الأعمى من جانب جهات تعاني من عواقب الهيمنة، ولا مصلحة لبلادها وقضاياها في تعميم مثل تلك المفاهيم بمضامين خاطئة.

على صعيد سيادة الدولة، العنصر الأساسي بين ثوابت القانون الدولي العام، صدر في الآونة الأخيرة عن بعض القوى الدولية جهد ملحوظ في اتجاه تغيير المفهوم الأصلي في القانون الدولي. هذا المفهوم لا يبيح التدخل في شئون دولة ذات سيادة بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان والأقليات فيها مثلا، أو إسقاط نظام مستبد يحكمها مثلا آخر، وقد يكون التغيير على هذا الصعيد مطلوبا، ولكن لا بد أن يتم بطرق مشروعة (وفق ما يسري حاليا من قوانين دولية) أما عندما يكون عشوائيا وانتقائيا وقائما على مفعول هيمنة القوة، فلا يمكن أن يوصل إلى حصيلة مستقرة.

هذا الطريق العشوائي الانتقائي القائم على هيمنة القوة هو ما سلكته "القوى المهيمنة"، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي.

الأمثلة معروفة كحرب البلقان الأطلسية دون الرجوع إلى مجلس الأمن الدولي، وقد أرادت دولة الاحتلال الأمريكية أن تجعل من حرب احتلال العراق خطوة تالية على الطريق نفسه، واختلفت مصالحها ومطامعها في ذلك مع مصالح قوى غربية أخرى ومطامعها، ثم كانت التسوية عبر حلول وسطية، فصدر قرار عن مجلس الأمن الدولي يعتبر الاحتلال احتلالا مؤقتا (حتى نهاية 2008م).

يراد أن تكون تلك الحالات المتمردة على القانون الدولي بانتهاك سيادة الدولة (سوابق) ليمكن أن يسري مفعولها على حالات تالية، وبدعوى أن هذا يكفي لتكتسب عمليات التدخل تدريجيا صفة القانونية الدولية، وهي في واقعها حالات باطلة، وتبقى كذلك مستقبلا ما لم تتبدل صيغ الفقرات المعنية بسيادة الدولة في المواثيق الدولية بطريقة مشروعة، ولأنها انتهاكات وجب وصفها بسوابق إجرامية وليس بسوابق قانونية دولية.

ومن أراد المقارنة فليقارن مثلا بين إقدام محكمة في دولة من الدول المعتبرة (القضاء فيها مستقل) على إصدار حكم بالإعدام على شخص ارتكب جريمة سرقة يقول نص القانون إن عقوبتها هي السجن لفترة زمنية محددة. رغم استقلال القضاء لا يمكن أن يكون لحكم تلك المحكمة مشروعية قانونية، ولا أن يعتبر "سابقة قانونية" يبني عليها القضاة في حالات مشابهة تالية.

إن الطريق الوحيد لتغيير مستوى العقوبة هو تغيير نص القانون الملزم لأجهزة القضاء بالطرق المشروعة، أي وفق الأحكام السارية المفعول آنيا. هذا ما يسري على انتقاص سيادة الدولة، في حرب احتلال كحالة العراق، وفي فرض دستور وما ينبثق عنه من تشكيل سلطات ما تحت الاحتلال، وما يصنع تبعا لذلك من اتفاقات أو يجري من ممارسات.

العراق حاليا دولة تحت الاحتلال، وبالتالي منقوصة السيادة، وليس لأي سلطة فيها صنعها الاحتلال صلاحية أن تعقد اتفاقية مشروعة في القانون الدولي، فكل اتفاقية، كهذه الاتفاقية، لاغية ابتداء وباطلة مع كل ما ينبثق عنها من تطبيقات.

التمثيل الاعتباطي لمصدر السلطات

مسألة سيادة الدولة ليست مسألة اعتباطية، وإرادة الشعب التي تقوم عليها سيادة الدولة ليست مسألة اعتباطية أيضا، ويتطلب التفصيل في هذا وذاك ما لا يتسع له المجال في مقال أو بحث قصير، ويهم من ذلك هنا بإيجاز شديد:

1- سيادة الدولة يمثلها الشعب مباشرة.

2- تطبيق تمثيل سيادة الدولة يأتي عن طريق التعبير الحر النزيه والمضمون عن إرادة الشعب (استفتاءات وانتخابات بشروط وآليات ثابتة).

3- حالة الاحتلال تعني غياب سيادة الشعب على أرضه كليا أو جزئيا.

4- التعبير عن إرادة الشعب في ظل الاحتلال غير قابل للتحقيق لتناقض وجوده وممارساته مع تأمين الشروط المقررة (في مواثيق دولية) والمطلوبة لسريان مشروعية الاستفتاءات والانتخابات.

5- الجهات التي تتحدث باسم إرادة الشعب والمتشكلة بحكم الواقع لا تلزم بما يصدر عنها الشعبَ صاحب السيادة ومصدر السلطات.

إن سيادة شعب العراق على دولته عبر حكومة شرعية سيادة معطلة، منذ اليوم الأول للاحتلال (ولا ينفي هذا أن الوضع الاستبدادي السابق مرفوض) ويسري على العراق عدم مشروعية ما يصنع في فترة الاحتلال، إلى أن يزول الاحتلال زوالا تاما، باستثناء ما يصنع من أجل زواله، وهذا ما تصنعه المقاومة، ولا تصنعه اتفاقية تقرر بقاءه مدة أطول حتى مما ينتظر أن يبقى بعد تبدل الوضع في دولة الاحتلال.

هذا كلام بدهي بالمفهوم القانوني الدولي، ورغم ذلك فإن كبت التوعية السياسية في كثير من بلادنا العربية والإسلامية يجعل الحديث عن الجانب النظري للقانون الدولي العام في مثل حالة الاتفاقية موضوع الحديث، موضع استغراب في كثير من الأحيان، لماذا؟

المطلوب هو التعويد على أوضاع باطلة جملة وتفصيلا، بوجودها وممارساتها، استبدادية محليا، واستبدادية دوليا، ومن ذلك مثلا التعويد على الأخذ بمقولات من قبيل: "إن الاحتلال يفعل ما يريد على كل حال"، إذن فلا فائدة في بيان عدم مشروعيته أو رفضه ولا حتى في مقاومته، ومن قبيل "الأنظمة تصنع ما يريد الاحتلال على كل حال"، أي أن ما يصدر عنها يجب القبول به خضوعا مثل الخضوع لما يريد الاحتلال!.

هذا ما لا يكاد يجد تطبيقا في الوقت الحاضر إلا في البلدان العربية والإسلامية، وبعض البلدان ذات الأوضاع الشبيهة بها مما يسمى العالم الثالث، ويجري ما يشابهه بوسائل أخرى وصيغ أخرى وبدرجات متفاوتة في بلدان ديمقراطية غربية، وليس هذا موضع الحديث هنا.

مثال: من أغرب التصريحات الرسمية عن الاتفاقية ما ورد في مجلة "الأهرام العربي" يوم 22/11/2008م، ونصه: "ما سيجمع عليه الشعب العراقي لن نجادل حوله ولا يجب أن نتصور أننا في وضع ولي الأمر على العراق"، وهذه مقولة تصور حكومة المالكي وكأنها ليست حكومة احتلال أو تحت الاحتلال، وينطلق القائل ببساطة استبدادية محضة، من أن أي نظام قائم دون تفويض شعبي بالمفهوم القانوني الدولي للكلمة، إذا قرر أمرا، فهو الأمر الذي أجمع الشعب عليه، وهذا "هراء محض" بمنظور القانون الدولي وقانون الدول (الداخلي).

بالمقابل نجد أن "الجانب النظري" من القانون الدولي العام موضع التطبيق في تعامل الدول المعتبرة مع بعضها بعضا، وهو ما يسري على ما سبق تأكيده بشأن استمرار سريان مفعول (القانون الآني) حتى يوضع بصورة مشروعة منسجمة معه (قانون بديل) يحل مكانه.

مثال ذلك المعاهدة الأوروبية التي تنظم المشروعية القانونية المشتركة في الاتحاد الأوروبي حاليا، إذ تبقى سارية المفعول حتى يتم وضع بديل عنها، ومن ذلك نظام اتخاذ القرارات بالإجماع حاليا، بالتالي لا بد من الإجماع الآن لاستصدار نظام جديد يقوم في المستقبل جزئيا على غالبية الأصوات. ولهذا أسقط الاستفتاء الشعبي في فرنسا وهولندا مشروع الدستور، وعندما وضعت معاهدة بديلة أقل شأنا من الدستور لتسهيل التصديق بالإجماع عليها، تعطلت أيضا بسبب استفتاء شعبي في أيرلندا فقط، وهي من الدول الصغيرة نسبيا في الاتحاد.

الشاهد أن الحكومات الساعية لتوحيد أوروبا لم تستطع تجاوز النظام القائم في وضع نظام جديد، وأن الحكومة الأيرلندية لم تستطع تجاوز ما يفرضه دستورها (دون سواها بشأن الاستفتاء) للتصديق على الاتفاقية التي تؤيدها هي والغالبية النيابية التي تقوم عليها.

ليس صحيحا أن العلاقات الدولية قائمة على عشوائية شرعة الغاب، ولكن علاقات القوى الدولية قائمة مع معظم بلادنا العربية والإسلامية على عشوائية شرعة الغاب، لأنها تسري على المستوى الداخلي أيضا. وليس تمرير ما سمى اتفاقية بين العراق تحت الاحتلال، والولايات المتحدة الأمريكية دولة الاحتلال إلا شاهدا صارخا على ذلك، من بين شواهد أخرى عديدة.

سيادة العراق معرضة للانتهاك عبر الاحتلال، وما صنعه الاحتلال انتهاك للقانون الدولي، وما يعقده من اتفاقات مع "تشكيلات سلطة" يفرضها بمختلف السبل، وتسقط بزواله ولهذا تتشبث ببقائه، وكذلك ما تصنعه تلك "التشكيلات" جميعه باطل بميزان القانون الدولي، ويمثل استمرارية انتهاك سيادة الدولة العراقية.

وكما أن أي قانون في دولة معتبرة لا تسري مشروعيته إلا عند استصداره بالطرق القانونية المشروعة، كذلك فإن أي بند من بنود أي اتفاق حول العراق وأهله وحاضره ومستقبله، لا يكتسب صفة المشروعية ما دام يعقد بصورة غير مشروعة، كما هو الحال مع هذه الاتفاقية.

إنها اتفاقية لخدمة الاحتلال، وخدمة إطالة فترة تسلط من يخدم الاحتلال، وهي بهذا المنظور، ليست مجرد اتفاقية باطلة، بل اتفاقية تطعن في المصلحة الوطنية العليا للعراق وشعبه، وتطعن في المصالح العليا للعرب والمسلمين، وهي إلى زوال مع الاحتلال وسدنة الاحتلال، خلال فترة أقصر بقصير مما يرجوه المخلصون ويخشاه سواهم.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات