|
| أي مصير ينتظر مسلمي الهند؟ |
تطرح التفجيرات التي شهدتها الهند مساء أمس الأربعاء 26 نوفمبر 2008، العديد من التساؤلات حول الدوافع التي تقف وراء القيام بمثل هذه العمليات، وهل ما إذا كانت دوافع داخلية ترتبط بالتوترات بين المسلمين والهندوس في الهند، أم أن الأمر يتعلق بسياق إقليمي أوسع من ناحية انخراط الهند في الحرب الأمريكية على الإرهاب والدور الذي تلعبه في أفغانستان.
كما يطرح التساؤل بقوة حول التداعيات التي من الممكن أن تتركها هذه التفجيرات على أوضاع المسلمين داخل الهند من ناحية، خاصة وأن العلاقات متوترة بالفعل بين المسلمين والهندوس، وانخراط الهند في الحرب على الإرهاب من ناحية أخرى.
وللإجابة عن هذه التساؤلات، توجهت شبكة إسلام أون لاين لثلاثة من المحللين المتخصصين في الشأن الباكستاني لاستطلاع آرائهم حول دوافع وتداعيات هذه الأحداث.
وقد اتفق معظم هؤلاء المحللين على أن تفجيرات مومباي ستترك تداعياتها السلبية على أوضاع المسلمين داخل الهند، في ظل حالة الاحتقان الموجودة بالفعل بين المسلمين والهندوس داخل الهند.
واستبعد كثير منهم أن تؤثر مثل هذه الهجمات على موقف الهند من الحرب الأمريكية على الإرهاب، بشكل يؤدي إلى تخليها عن دعم واشنطن، باعتبار أن التحالف بين الهند والولايات المتحدة تحالف إستراتيجي لا يتأثر بمثل هذه الحوادث.
وقد عرض كل منهم رؤيته كالتالي:
طارق محيي، نائب رئيس تحرير صحيفة باكستان نيوز
يرى طارق محيي، نائب رئيس تحرير صحيفة باكستان نيوز، أن الدوافع وراء قيام بعض المنظمات المسلحة بمثل هذه التفجيرات عبارة عن خليط من البعد الداخلي المتعلق بأوضاع داخل الهند والبعد الإقليمي المتعلق بدور الهند في الحرب على الإرهاب.
"فالمنتظمات المتهمة بالوقوف وراء الحادث، هي جزء من المنظمات المسلحة التي تعمل في القسم الكشميري للهند، وهو الذي شهد عمليات عنف كبيرة بين القوات الهندية وهذه المنظمات، بما فيها وضع قادة أحزاب سياسية تحت الإقامة الجبرية".
"ويؤيد هذا الارتباط أن منظمة داكان، التي أعلنت مسئوليتها عن التفجيرات، تتخذ من إقليم حيدر آباد ذو الأغلبية المسلمة مقرا لها"، كما تشير المطالب التي تقدم بها الخاطفون إلى السلطات الهندية، حسبما ذكرت وكالات الأنباء، إلى هذا الارتباط بين أوضاع المسلمون الداخلية والتفجيرات التي حدثت.
فقد طالب الخاطفون بوقف التفرقة بين المسلمين والهندوس، ووقف أو سحب القوات الهندية من الشطر الهندي في كشمير، بالإضافة إلى قطع العلاقات مع إسرائيل.
ويعزو طارق محيي اتهام بعض وسائل الإعلام الهندية باكستان بالتورط في الحادث إلى الخلاف التاريخي بين الجارتين النوويتين، حيث كثيرا ما يتبادلان الاتهامات فيما بينها.
ويربط "محيي" بين التفجيرات التي شهدتها الهند والأوضاع في منطقة وزيرستان، "فمعظم الجماعات المسلحة العاملة في الشق الهندي من كشمير، والتي تتهم بالوقوف وراء التفجيرات، مثل جيش محمد وجيش الصحابة وغيرها، تنطوي تحت ما يسمى بطالبان باكستان".
فضلا عن أن هناك استياء داخل هذه الجماعات من التواجد الهندي المفرط في أفغانستان، حيث توجد أكثر من 20 قنصلية هندية في أفغانستان موزعة على الحدود مع باكستان، وبالتالي تدرك هذه التنظيمات مدى التغلغل الإستخباراتي الهندي في أفغانستان.
وحول التداعيات المحتملة لهذه التفجيرات يرى "محيي" أن مثل هذه العمليات سيكون لها صدى كبير على أوضاع المسلمين في الهند، حيث "ستتسع فجوة الصراع الديني بين المسلمين وغير المسلمين، وخاصة الهنود، وذلك على خلفية المجازر التي تعرض لها المسلمون، مثل المذابح التي تعرضوا لها في إقليم "بوجراد" منذ نحو عامين".
ويؤكد "محيي" أن التفجيرات لن تؤدي إلى تغير في سياسة الهند المتبعة فيما يسمى بالحرب على الإرهاب، ويستدل على ذلك برد الفعل الهندي عقب التفجيرات، حيث بادرت الهند نشر قوات من الجيش ومن الوحدات الخاصة.
د. جاسم تقي الدين، المحلل السياسي الباكستاني
يرى د. جاسم تقي الدين، المحلل السياسي الباكستاني، أن المبررات وراء مثل هذه العمليات عبارة عن مزيج من الأبعاد الداخلية والخارجية، "فهذه العمليات بشكلها الحالي تعطي انطباعا واضحا أنها تستهدف الأجانب، كما أن اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الأخيرة بين الهند والولايات المتحدة الأمريكية قد تكون دافعا آخر، حيث تفسرها تلك المنظمات بأنها ضد المسلمين".
ويشير "تقي الدين" إلى احتمال وجود علاقة بين التفجيرات التي شهدتها الهند، وأوضاع المسلمون الهنود، فهم يشكلون أكبر أقلية في الهند، أكثر من 200 مليون، ومن ثم قد تعتبر الأحداث "نوع من الاحتجاج على أعمال الأغلبية الهندوكية في القرى والأرياف حيث تهاجم وتحرق لأتفه الأسباب، بل وتجبر بعض المسلمين على ترك ديانتهم مقابل التخفيف من القمع"، مؤكدا على أن العلمانية الهندية قد فشلت في ضمان مصالح الأقلية المسلمة.
ويلفت تقي الدين إلى أن مدينة مومباي التي شهدت التفجيرات لها تاريخ من الاستقطاب الكبير بين المسلمون والهنود، فضلا عن انتشار الجريمة والمخدرات، إلا أنه يرى أن مثل هذه العمليات هي إرهابية من الدرجة الأولى، ولا تخدم مصالح المسلمين، فضلا عن أن المنظمة التي أعلنت مسئوليتها هي منظمة وهمية لا وجود لها قبل تلك العملية.
وتدل طريقة تنفيذ العملية، في أكثر من 9 مناطق وبصورة متزامنة، وكبر حجمها، من وجهة نظره، على أن هناك أكثر من منظمة شاركت في العملية.
وقد ترتبط التفجيرات بما يحدث في منطقة وزيرستان فقط، إن صحت اتهامات الحكومة الهندية لحركة لاشكر طيبة، وهي حركة لها تواجد في وزيرستان، وتعلن بشكل واضح، أن الهدف هو تحرير كشمير عن طريق الجهاد المسلح.
ويتمثل الدافع الرئيسي، طبقا لتقي الدين، وراء القيام بهذه العملية في محاولة "تخريب العلاقات الهندية الباكستانية باتهام باكستان بالوقوف وراء الحادث، فالعملية تزامنت مع زيارة وزير الخارجية الباكستاني إلى الهند والتي يتناول فيها القضايا العالقة بين الجانبين ومن بينها كشمير".
ولن تترك هذه الأحداث أي تأثير على توجهات الهند الخارجية، "فالهند اختارت طريق التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في ظل اتفاق الشراكة الإستراتيجية الذي صادق عليه كل من الكونجرس الأمريكي والبرلمان الهندي".
صادق بلال، صحفي مقيم في باكستان
يرى الأستاذ صادق بلال، الصحفي المقيم في باكستان، أن "مثل هذه العمليات لها خلفيات تتعلق بشعور المسلمين الهنود بالظلم، وأن حقوقهم انتهكت، إلى جانب الاضطهاد والمجازر التي يتعرضون لها من قبل الهندوس، وخاصة مجازر أحمد آباد، قبل أربع أو خمس سنوات"، وبالتالي من الممكن أن تكون هذه العمليات بمثابة ردة فعل على هذه الأوضاع.
غير أن بلال يشدد على أنه من السابق لأوانه تحديد من المتورط في هذه العمليات، "فالسلطات الهندية ما زالت تجري تحقيقات لها حول الحادث، فالبعض يشبهه بـ 11 سبتمبر الهند، وهناك شك في قدرة هذه المنظمات على القيام بمثل هذه العمليات".
ويلفت إلى وجود أيادي خارجية وأجندات داخلية، خاصة وأن الهند تشهد حاليا انتخابات محلية.
ويستبعد بلال أن يكون للتفجيرات علاقة بما يحدث في وزيرستان، فما وقع في مومباي هو قضية داخلية بحتة، "ويدل على ذلك طريقة الهجوم التي تمت والدوافع وراء مثل هذه العملية، ولكن قد يوظف مثل هذا الحادث من قبل المنظمات الجهادية كتنظيم القاعدة، تحت شعار ظلم المسلمين والاضطهاد الذي يتعرضون له".
ورغم أن البعض يذهب إلى أن هناك أطرافا باكستانية تقف وراء هذه الحادثة العمليات، فإن بلال يستبعد ذلك أيضا، فمثل هذا الأمر قد يؤدي إلى نشوب حرب بين البلدين، "فالأمر ليس مجرد حادثة قتل أو سرقة، بل حدث ضخم يهز الهند بأكملها".
وستلقي هذه الحادثة بظلالها، طبقا لـ "بلال"، على أوضاع المسلمون، "فكما اتُهم المسلمون بعد أحداث 11 سبتمبر بأنهم هم من وراءها، سوف يتهموا أيضا بأنهم من وراء هذه الأحداث دون أي دليل".
ويتوقع أن يزداد التوتر بين المسلمون والهندوس، خاصة وأن هناك بالفعل توترا قائما بين الطرفين، إلا أنه ليس من مصلحة الحكومة الهندية مثل هذه التوترات، والتي تؤدي إلى عدم الاستقرار والفوضى، فضلا عن تداعياتها الاقتصادية الكبيرة، فالاقتصاد غير منفصل عن السياسة.
ولن تؤثر هذه التفجيرات على موقف الهند من الحرب ضد الإرهاب، فالعلاقة بين الولايات المتحدة والهند علاقة إستراتيجية، خاصة في ظل توقيع الاتفاقية النووية الأخيرة، التي لم يكن يتخيل أحد توقيعها قبل ذلك.
وبالتالي فإن عمليات التنسيق والتعاون بين الجانبين مستمرة لا سيما فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، ومن ثم لا يرى "بلال" أن مثل هذه الأحداث ستؤثر على التعاون بين الطرفين، بل على العكس قد تزيد منه، خاصة وأن الولايات المتحدة قد عرضت تعاونها مع الهند بعد وقوع الحادث.
|