|
| أمريكا تستلهم خبرة بريطانيا وتجربة اليابان وألمانيا |
حتى مع تأكيد الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة العراقية في مقدمة اتفاقهما الأمني المثير للجدل على أنهما تهدفان من ورائه إلى "إقامة علاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد استنادا إلى مبدأ المساواة في السيادة والحقوق والمبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة"، تظل الحقيقة، والتي تعكسها نصوص الاتفاقية نفسها، عكس ذلك تماما.
الاتفاقية التي تتكون من جزأين أساسيين (أولهما: يتضمن الإطار الإستراتيجي لعلاقة صداقة بين العراق والولايات المتحدة. وثانيهما: يتناول تنظيم الوجود المؤقت للقوات الأمريكية في العراق) - تكتظ بعبارات إنشائية من نوعية الاحترام المتبادل بين الجانبين، واستقلال الدولتين والتكافؤ بينهما، في حين تعكس البنود ذات الطابع الإجرائي النقيض.
فالولايات المتحدة دائما هي الطرف "الداعم والمساند"، وهي أيضا القوة التي "ستطارد وستلاحق وستواجه"، في حين أن الطرف الثاني لا يقوم إلا بتقديم الاستثناءات وطلب الدعم والاشتراك في أعمال اللجان.
سيناريوهات ثلاثة
وتقدم الاتفاقية تصورا كاملا لمستقبل العراق "في عهد الاستقلال الثاني"، وفيه ستكون بغداد عاصمة مهادنة لجيرانها والعالم، وسيصبح العراقيون جزءا من العالم الديمقراطي، بعد تعزيز العملية السياسية والقضاء على الصداميين والإرهابيين، ووفق ما جاء بالاتفاقية فإن العراق لن يفكر في الحروب، إلا للدفاع عن نفسه، أو إذا طلب منه ذلك لحماية الاستقرار الإقليمي.
والقارئ للاتفاقية التي ستنهي الوصاية الافتراضية للأمم المتحدة على العراق سيجد أن الولايات المتحدة تسعى للمزج بين ثلاثة سيناريوهات قديمة، أولها: طبقته بريطانيا مع مستعمراتها بين الحربين العالميتين، وثانيهما: طبقه الحلفاء مع ألمانيا بعد سقوط النازية، والثالث: نفذته أمريكا نفسها ولكن في اليابان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
وبقراءة الخطاب الأمريكي تجاه العراق منذ بدء الحرب عليه وحتى اللحظة يمكن القول إن واشنطن تهدف من وراء هذا المزج إلى تحقيق 3 أهداف إستراتيجية تتمثل في:
- توظيف العراق كقاعدة أمنية لمواجهة التهديدات الحالية والمحتملة للأمن الأمريكي، سواء كانت من جانب جماعات مسلحة كتنظيم القاعدة أو حزب الله أو دول معادية كسوريا وإيران.
- الاستفادة بما حققته القوات الأمريكية خلال السنوات الخمس الماضية لضمان تدفق النفط من المنطقة، وأمن إسرائيل.
- تأميم مستقبل العراق، لضمان عدم خروجه على قواعد اللعبة الإقليمية والدولية.
والحق أن الولايات المتحدة قد قطعت، وعلى ما سيتضح حالا، شوطا طويلا باتجاه تحقيق كل من هذه الأهداف، ما يعني أن الاتفاقية الأمنية لا تؤسس لوضع جديد، ولكنها تمنح كل هدف مما سبق غطاء قانونيا، وذلك على النحو التالي:
الخبرة البريطانية
أولا: العراق كقاعدة أمنية على الطريقة البريطانية: تدخل الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة ضمن ما يطلق عليه "الاتفاقيات الثنائية"، باعتبار أنها تتسع لمجالات تعاون غير عسكرية، لكن المدقق في بنودها، وبالذات في الجزء الخاص بتنظيم الوجود العسكري الأمريكي، سيجد أنها ترسخ علاقة أمنية في اتجاه واحد.
لقد أعطت الاتفاقية الجديدة الولايات المتحدة الحق في القيام بكل ما يضمن أمنها، وفي ذلك استخدام الأراضي العراقية لتتبع العناصر والتنظيمات المعادية لها، والسيطرة على حركة الأشخاص ورءوس الأموال، دون أن يحصل العراقيون في المقابل على حقوق مماثلة، وهو وضع يعيد للأذهان الطريقة التي كانت تتبعها الإمبراطورية البريطانية في صياغة علاقاتها بمستعمراتها، حيث كانت تمنح تلك المستعمرات استقلالا شكليا، في حين تحتفظ لنفسها بالسلطات العليا (انظر مثلا معاهدة 1936 مع مصر، ومعاهدتي 1930 و1948 مع العراق).
وتشدد الاتفاقية الأمريكية العراقية في معظم أقسامها على استقلال العراق، وحق حكومته في ممارسة سيادتها على كامل التراب الوطني، لكنها -كحال الاتفاقيات البريطانية- فرغت تلك المفردات من مضامينها الحقيقية، سواء بالاستثناءات التي حصل عليها الشريك الأمريكي، أو بالشروط الصعبة التي وضعت على أي محاولة عراقية لإلغائها أو تعديلها.
ويبدو للمتابع أن واشنطن، التي تفضل منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التحرك المنفرد لحماية أمنها، تنظر لهذا الاتفاق كجزء أساسي من مساعيها لتوفير شبكة من الاتفاقيات الأمنية المشابهة مع الدول الحليفة والتابعة، بعيدا عن الترتيبات الأمنية العالمية التي تفرض شروطا ومعايير ترى أنها تعطل قدرتها على مواجهة التهديدات المحيطة بها.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى اتفاقين هامين وقعتهما الولايات المتحدة مؤخرا، الأول مع بولندا في أكتوبر الماضي لإقامة قواعد صواريخ ضمن مشروع الدرع الصاروخية، والثاني في 13 نوفمبر 2008 مع جمهورية التشيك بهدف تعزيز التعاون الثنائي في مجال مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب.
واتساقًا مع هذا التوجه يرجح محللون أمريكيون أن تتجه واشنطن خلال الفترة المقبلة للبحث عن آلية للتوفيق بين اتفاقها مع الحكومة العراقية من جهة واتفاقيات التعاون الدفاعي التي وقعتها خلال السنوات الماضية مع دول الخليج العربية.
ويعني ذلك أن الوجود العسكري الأمريكي في العراق، والذي يقدر بـ140 ألف جندي سيشكل القاعدة الأهم في المنطقة، فيما ستكون القوات الموجودة في الكويت والإمارات وقطر والبحرين وعمان والسعودية مجرد أذرع معاونة، دون أن يؤدي ذلك لتراجع الأهمية الإستراتيجية لتلك الدول، خصوصا مع استمرار التهديد الإيراني من جهة وتحقيق فرنسا اختراقا إستراتيجيا للمنطقة بتوقيعها قي منتصف يناير الماضي اتفاقا مع الإمارات العربية تقيم بمقتضاه أول قاعدة عسكرية دائمة لها في الخليج.
ومن غير المستبعد أن تتجه الولايات المتحدة في مرحلة لاحقة لجمع العراق ودول الخليج العربية في إطار حلف أمني يعيد للأذهان ذكرى "حلف بغداد"، ولكن بصيغة جديدة سيتوقف اكتمالها بالتأكيد على علاقة الحكومة العراقية بإيران من جهة، وقدرة الإدارة الأمريكية الجديدة على إقناع دول الخليج بالانخراط في إطار أمني إقليمي يتحرك وفق أجندة جديدة عليها نسبيا من الجهة الثانية.
التجربة اليابانية
ثانيا: تأميم المستقبل على الطريقة اليابانية: بنود الاتفاقية تركز بشكل لافت على المستقبل، ولو بصيغ مختلفة، ففي الديباجة يبرز التركيز على رغبة البلدين في "إقامة علاقة طويلة الأمد والحاجة لدعم إنجاح العملية السياسية وتعزيز المصالحة الوطنية في إطار العراق الموحد الفيدرالي وبناء اقتصاد متنوع ومتطور يضمن اندماج العراق في المجتمع الدولي"، ثم الحديث عن"علاقة طويلة الأمد في المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية والأمنية تساهم في تعزيز وتنمية الديمقراطية في العراق وتأمين قيام العراق بتحمل كامل المسئولية عن أمنه وعن سلامة شعبه والمحافظة على السلام داخل العراق وبين بلدان المنطقة".
أما في المتن فقد منحت الاتفاقية الولايات المتحدة والحكومة العراقية حق إبرام اتفاقات أو ترتيبات إضافية حسبما جاء في القسم العاشر، علما بأن القسم الأخير، والذي حمل مسمى أحكام ختامية، منح كلا من طرفي الاتفاقية حق الانسحاب منها شرط إبلاغ الطرف الآخر قبلها بعام كامل، وكذلك حق تعديلها ولكن إذا وافق الطرفان على ذلك.
وتشير تلك النصوص بوضوح إلى معنيين:
أولهما: أن الاتفاقية المفتوحة من الناحية الزمنية تعطي الولايات المتحدة حق الوصاية على السياسة العراقية داخليا وخارجيا بدعاوى التأمين والدعم والتعزيز، مع ملاحظة أن سريان الاتفاقية لا يرتبط بمسألة وجود القوات الأمريكية في العراق باعتبار أن تنظيم هذه المسألة قد خُصص له جزء منفصل في الاتفاق.
وثانيهما: أن السلطة العراقية، وهي في الأصل أحد مخرجات الاحتلال الأمريكي، ستظل مدينة للطرف الآخر بوجودها، كونه المسئول عن "تعميق الديمقراطية ونجاح العملية السياسية"، وهو ما يؤدي في التحليل الموضوعي إلى استبعاد أي محاولة من جانب السلطة العراقية بتشكيلاتها الحالية لإلغاء أو تعديل الاتفاقية، اللهم إلا إذا وافق ذلك الهوى الأمريكي.
السؤال هنا: ما أوجه التشابه بين ما سبق من جهة وما حدث في الحالة اليابانية؟
والإجابة تقول إنه ليس تشابها فحسب، وإنما تطابق يكاد أن يكون كربونيا مع الاعتراف باختلافات يفرضها الزمان والمكان.
في الحالة اليابانية قضت العسكرية الأمريكية من خلال استخدامها للقنبلة النووية على ما سمته النزوع التوسعي الياباني، ثم وظفت هذا الإنجاز عمليا بأن رسمت لليابانيين مستقبلهم، عبر إعادة صياغة مختلف نظم الحياة اليابانية، بدءا من النظام السياسي الذي بات برلمانيا لا يتمتع فيه الإمبراطور إلا بحضور رمزي، مرورا بالنظام التعليمي الذي نزعت منه كل المواد التي تعمق الروح القومية اليابانية، وصولا إلى نظم الدفاع والأمن التي أوكل الإشراف عليها إلى الأمريكيين بشكل مباشر.
كما قامت الولايات المتحدة بمحاكمة من وصفوا بمجرمي الحرب اليابانيين، وكان لقائدها العسكري الشهير "ماك أرثر" الدور الرئيسي في صياغة الدستور الياباني الصادر عام 1947، والذي حرم -في مادته التاسعة- على أحفاد الساموراي امتلاك جيش نظامي.
كان الهدف المعلن وقتها هو تحرير الشعب الياباني وإلحاقه بقيم العصر، بينما أظهرت التطورات اللاحقة أن الولايات المتحدة ليس لديها مانع من التضحية بتلك القيم لتحقيق هدفها الأهم، وهو التصدي للتغلغل الشيوعي في دول جنوب شرق آسيا.
وفي هذا الإطار سمحت واشنطن لمجرمي الحرب بالعودة إلى الحياة السياسية، للاستفادة بخبراتهم لتحقيق النهضة الرأسمالية التي يعيشها اليابانيون منذ مطلع السبعينيات.
وقد منحت الولايات المتحدة نفسها، ومن خلال اتفاق أمني مع الحكومة اليابانية التي شكلتها، حق حماية اليابان من أي هجوم خارجي، كما أبقت لنفسها قاعدة كبيرة في جزيرة "أوكيناوا"، وأعطت جنودها حصانة جنائية تسببت في العديد من المشاكل نتيجة ما اقترفه هؤلاء الجنود من جرائم، أبرزها اغتصاب قاصرات والتعدي على المواطنين.
مثل ذلك بالضبط حدث ويحدث في العراق، فقد أطيح بصدام حسين في أبريل 2003، وتمت محاكمته ومعظم رموز حكمه كمجرمي حرب، كما تم التأسيس لنظام سياسي جديد يقوم على التعددية الحزبية والتمثيل النسبي والقبول بالفيدرالية.
وبمنطق التحرير نفسه قامت القوات الأمريكية بإنشاء العديد من القواعد العسكرية، كما شنت آلاف العمليات والحملات على القرى والمدن التي تنتشر فيها أعمال المقاومة، وحسب الاتفاقية الجديدة (تحديدا المادة 12 من اتفاق انسحاب القوات الأمريكية)، فإن الجنود الأمريكيين سيتمتعون طوال فترة وجودهم في العراق بحصانة كاملة في مواجهة القضاء العراقي، الذي لا يملك ولاية إلا على المتعاقدين مع القوات الأمريكية.
وعلى ما يتوقع الخبراء، ومنهم الدكتورة نادية مصطفى أستاذة العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، فإن صياغة مستقبل العراق بهذا الشكل هدفه "تكريس دور العراق لخدمة الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة الإسلامية، وليس المنطقة العربية فحسب".
كما أن "العراق سوف يصبح حلقة من حلقات ارتكاز الإستراتيجية في مرحلة الهيمنة الأمريكية التي تواجه قوتين في اتجاهين متفاوتين: الأول اتجاه القوى المتنافسة مع الولايات المتحدة مثل روسيا الاتحادية، والاتجاه الثاني هو القوى الإسلامية".
لكن نجاح الخطة الأمريكية في إعادة صياغة الحياة اليابانية، ثم في توظيف هذا البلد ضد الشيوعية، لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستحقق هدفها في العراق نظرا للفارق الشاسع بين الحالتين؛ العراق يمتلك -خلافا لليابان- قوى ممانعة سياسية وعسكرية قادرة على التأثير في المستقبل إن لم يكن بإعادة صياغته، فعلى الأقل بإعاقة ما هو مطروح حاليا.
كذلك يختلف العراق عن اليابان بتداخله الديني والقومي مع جيرانه، ما يعني أن ثمة تأثيرات إقليمية مؤكدة ستفرض نفسها على المحاولة الأمريكية لتأميم مستقبله.
الحل النازي
ثالثا: القضاء على الاحتمال الصدامي بالحل النازي: المدقق في نصوص الاتفاقية الأمريكية العراقية يلاحظ أن هناك خيطا دقيقا يجمع كل أقسامها، وهو الرغبة في القضاء على احتمال عودة العراق إلى نظام حكم على شاكلة ما أقامه الرئيس الراحل صدام حسين، والذي يتفق طرفا الاتفاقية على أنه كان تسلطيا ودمويا ومعاديا لحقوق الإنسان، مع العمل في الوقت ذاته على استئصال التنظيمات الإسلامية المسلحة التي تشبه صدام حسين في عدائها للديمقراطية، وفق التعبير الأمريكي.
وفي هذا السياق يلاحظ أن الاتفاقية تكرس الخطوات العديدة التي تم اتخاذها منذ عام 2003، وكان أبرزها حل الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية الأخرى، وتسريح موظفي الدولة وحظر حزب البعث في إطار ما عرف بقانون الاجتثاث، والتصدي لمحاولات بعض المنتسبين للنظام السابق للعودة إلى أعمالهم.
وتشدد الاتفاقية في مبادئها العامة على أن الولايات المتحدة "لا تمانع في وجود قدرة عراقية قوية، ولكن للدفاع عن النفس ولتحقيق الاستقرار في المنطقة"، كما أنها "ستدعم تعزيز الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية التي تم تحديدها وتأسيسها في الدستور العراقي".
فضلا عن أنها "ستدعم جهود حكومة العراق لإقامة علاقات إيجابية مع دول المنطقة تقوم على أساس الاحترام المتبادل ومبادئ عدم التدخل، والحوار الإيجابي بين الدول، والحل السلمي للخلافات، بدون استخدام القوة أو العنف، بما يعزز أمن واستقرار المنطقة ورفاهية شعوبها".
مثل هذه النصوص توحي بأن عراق ما بعد الاتفاقية سيكون مناقضا تماما لعراق البعث الذي استخدم قوته، في رأي طرفي الاتفاقية وآخرين، لمهاجمة جيرانه (إيران والكويت)، وتهديد استقرار المنطقة (ضرب إسرائيل خلال حرب الخليج الثانية والتلويح المتكرر بمهاجمتها)، وتعريض السوق العالمية لأخطار متكررة جراء تهديداته بضرب منابع النفط بالخليج.
وبالمثل يشدد الجزء العسكري في الاتفاقية على أهمية التعاون بين طرفيها "لإلحاق الهزيمة بتنظيم القاعدة في العراق وبالمجموعات الأخرى الخارجة عن القانون"، وهو نص يحمل رسالتين، الأولى للقوى الشيعية بالعراق، والتي تخشى من احتمال حدوث فراغ أمني يوفر للقاعدة الفرصة لإقامة دولة حقيقية في المناطق السنية.
والثانية للرأي العام الأمريكي كي يدرك أن الوجود الأمريكي في العراق يرتبط بالأمن الأمريكي المباشر، ويشكل جزءا من الحرب على ما يسمى "الإرهاب".
وعلى الرغم من التباين المعروف بين البعث والقاعدة سواء من ناحية الأيدولوجيا أو الطموح، إلا أن طرفي الاتفاقية الأمنية يبرران الجمع بينهما في خانة واحدة من منطلق أن أيا منهما سيصل للحكم سيعيد العراق إلى الديكتاتورية.
فالبعث - وفق هذا التصور - حزب فاشي لا يقيم وزنا لقيمة الإنسان، في حين أن القاعدة تنظيم دموي يحركه فكر تكفيري يبيح القتل والتفجير، وكلاهما بالضرورة خطر على الديمقراطية التي يجب أن تحافظ على نفسها، ولو بأساليب غير ديمقراطية على نحو ما حدث في ألمانيا بعد هزيمة النازية.
ومعلوم أن مكافحة النازية شكلت محور الحياة الألمانية خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، فبعد أن قام الحلفاء المنتصرون بحظر الحزب النازي، وحل جميع الأجهزة الأمنية والسياسية المرتبطة به، أحالوا قادة الحزب الكبار (700 قيادي) إلى محكمة "نورينبرج" الخاصة، التي قضت بإعدام معظم هؤلاء القادة.
أما قيادات الصف الثاني فحكم على 9 آلاف منهم بالسجن وحرم 29 ألف عضو من العمل في الدولة، فيما فرضت غرامات على 500 ألف عضو آخر.
وفي السياق ذاته أقدم الحلفاء على إغلاق جميع المدارس في ألمانيا وعلى معاودة فتحها ببرامج تربوية جديدة وموجهة، وصرف جميع المدرسين المشتبه بولائهم النازي من مراكز عملهم، كذلك نالت عمليات التطهير جميع المرافق الثقافية والفنية والصحافية ومختلف أوجه الحياة من النازية.
السؤال: هل أدت هذه السياسة إلى تحقيق الهدف منها؟
الإجابة: بالطبع لا، فقد عادت النازية للظهور بدءا من منتصف الستينيات بتجليات حزبية واجتماعية تمثل اليوم تحديا متزايدا للنموذج الديمقراطي.
صحفي وباحث.
|