English

 

الاثنين. نوفمبر. 24, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الاتفاقية الأمنية والنخب العراقية.. تأثيرات متفاوتة

رجائي فايد

Image
هل تطيح الاتفاقية الأمنية بنوري المالكي؟
أخيرا وافقت الحكومة العراقية على الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المتوقع أن يوافق البرلمان عليها أيضا خلال الأيام القادمة، والسبب في ذلك يعود إلى تطابق التركيبة الطائفية بين الحكومة والبرلمان إلى حد كبير.

ولأن لكل طائفة مرجعيتها التي أعطت الضوء الأخضر من يمثلها في الحكومة للموافقة على تلك الاتفاقية، فإن الحال سينطبق هو الآخر على البرلمان العراقي، وبالتالي فإن هذه الاتفاقية ستحظى بموافقة البرلمان في النهاية بعد بعض المماحكات من هذا الطرف أو ذاك؛ لتسجيل موقف أو ركوب موجة.

طالع أيضا:
وفى مقال سابق ذكرنا أن أكراد العراق كانوا الطائفة الوحيدة الموافقة بحماس على تلك الاتفاقية، والتي حثت وما زالت تحث كافة الطوائف الأخرى على الموافقة عليها، محذرة الجميع من مغبة عدم الموافقة، بل إن الأمر وصل بمسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراق إلى تقديم الإقليم بديلا للولايات المتحدة عن الدولة العراقية بأسرها لإقامة قواعد فيه في حالة عدم توقيع تلك الاتفاقية.

في حين كان "النفاق السياسي" واضحا في مواقف كافة الأطراف الأخرى، فهي تعلن عدم موافقتها في العلن، وعلى خلاف لما وقر في صدرها، أو يكون موقفها مترددا بين الرفض والموافقة، فهي توافق حينا وترفض حينا آخر، بل إن نوري المالكي نفسه حاول في الشهور الماضية أن يسوف.

وصدر عن أحد المقربين منه تصريحا يقول: "إن التوقيع على هذه الاتفاقية بمثابة انتحار سياسي"، وكأنه في هذا يتذكر ما حدث لصالح جبر رئيس الحكومة العراقية عام 1948 عندما وقع اتفاقية مشابهة مع إنجلترا، وأسقط الشارع العراقي الاتفاقية وصالح جبر معا.

لكن الولايات المتحدة تعاملت مع المالكي بغلظة شديدة، وصلت إلى درجة اقتحام داره في محافظة "بابل"، وإهانة من فيها من ذويه، وقتل رئيس حراسة الدار أمام الجميع؛ ليكون ذلك أشبه برسالة أمريكية حازمة وصارمة له قطعت الطريق على مراهناته على سيد البيت الأمريكي القادم "باراك أوباما".

لقد كانت الإدارة الأمريكية حريصة على إتمام الاتفاق في عهد الرئيس الأمريكي بوش ربما لحسابات سياسية أمريكية داخلية؛ لذلك قامت بالضغط على الحكومة العراقية من خلال مبعوثيها، وفي مقدمتهم وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس.

انتقاص لسيادة العراق

ومن الواضح أنها خلال حملة الضغط تلك وجهت رسائل تهديد، ربما كان منها المساعدة في قيام انقلاب عسكري يقلب الطاولة على رءوس النخبة العراقية بالكامل، وهذا يفسر مسارعة الحكومة في الموافقة على الاتفاقية مروجة بأنها تصب في صالح الشعب العراقي وتحقق له السيادة الكاملة على أراضيه، كما أنها تنص على انسحاب كافة القوات الأجنبية من العراق في موعد أقصاه 2011 بالرغم من أن الاتفاقية في حقيقة الأمر تحمل الكثير مما ينتقص من السيادة العراقية.

فعلى سبيل المثال تحتوى على نصوص تنتقص من الولاية القضائية العراقية، إذ نصت على حق الولايات المتحدة الرئيسي لممارسة الولاية القضائية على أفراد القوات والعنصر المدني بشأن أمور تقع داخل المنشآت والمساحات المتفق عليها، وأثناء حالة الواجب خارج المنشآت والمساحات المتفق عليها.

كما نصت الاتفاقية أيضا على أنه "يجوز لسلطات أي من الطرفين أن تطلب من سلطات الطرف الآخر أن يتخلى عن حقه الرئيسي في الولاية القضائية في حالة معينة"، وبالنسبة لعدم تحول العراق إلى قاعدة انطلاق للقوات الأجنبية على دول الجوار، وهي التي أكدتها الحكومة العراقية لكافة دول الجوار، فقد ورد في الاتفاقية نص مبهم من الممكن أن يستخدم في عكس ما روجت له الحكومة العراقية، يقول النص: "لا يوجد في هذه الاتفاقية أي نص يحد من حق الطرفين في الدفاع عن النفس".

والمجال لا يتسع لعرض كافة النقاط التي تؤكد ما نقول، المهم.. وافقت الحكومة العراقية على الاتفاقية في شبه إجماع، إذ اعترض عليها عضو واحد فقط، ومن المتوقع أيضا أن تحصل على موافقة البرلمان؛ لتصبح حينئذ نافذة المفعول، وعندها حسب ما هو متوقع سيسارع الجميع للتأكيد لدى الجانب الأمريكي على موقفه المؤيد لتلك الاتفاقية؛ سعيا لكسب الرضا الأمريكي مهما كانت هوية سيد البيت الأبيض.

لكن الولايات المتحدة تدرك جيدا من كان من الأطراف العراقية مع تلك الاتفاقية ومن الذي كان يعارضها، ومع الممارسة الفعلية لتلك الاتفاقية مع بداية عام 2009 ومع الرئيس الجديد باراك أوباما ستتكشف نتائج هذه الاتفاقية وما بها من مثالب، واكتشافها سيؤثر بالفعل على المكانة السياسية لمن وافق عليها.

فالاتفاقية لم تضمن إخراج العراق من البند السابع للأمم المتحدة كدولة راعية للإرهاب، ومن الممكن أن يستخدم البند الذي ذكرناه عن حق الدفاع عن النفس في مهاجمة إحدى دول الجوار من خلال بعض الادعاءات والتفسيرات، وسنحاول في السطور التالية التعرض إلى ما يمكن أن تتأثر به النخب جراء توقيع هذه الاتفاقية سلبا أو إيجابا.

الأكراد الأقل تأثرا

ونبدأ بالأكراد؛ لأنهم كانوا كما قدمنا الأكثر حماسا ودعوة لهذه الاتفاقية، فمهما ما قد يتكشف من مثالب لهذه الاتفاقية فلن يؤثر ذلك في موقف الرئاسة والحكومة والبرلمان في إقليم كردستان، على أساس أن هناك توحدا بين القيادة والشارع الكردي حول هذا الأمر، وقد طرحنا ذلك في مقالات سابقة، فربما يحدث غضب في الشارع العراقي غير الكردي وربما تسير مظاهرات في بعض المدن العراقية تندد بالأكراد ضمن التنديد بمن كان وراء هذه الاتفاقية، وهذا لن يؤثر في الجانب الكردي على كافة مستوياته.

وربما يكون التأثير في مسألة واحدة وخطيرة، وهي حدوث مزيد من الفرز السياسي بين الإقليم وباقي العراق، لكن الاتفاقية ستجعل من الإقليم قوة أقوى في مواجهة محاولات نوري المالكي لتوسيع سلطات الحكومة الاتحادية وإضعاف سلطات الأقاليم (لم يتشكل منها حتى الآن إلا إقليم كردستان، وإن كانت هناك أقاليم في الجنوب في طريقها للتشكل).

وبجانب الأكراد هناك الائتلاف العراقي الذي كان يتشكل من المجلس الإسلامي الأعلى بزعامة عبد العزيز الحكيم وحزب الدعوة المنتمي إليه نوري المالكي رئيس الحكومة والتيار الصدري، وحزب الفضيلة بزعامة نديم الجابري، والذي انسحب من الائتلاف بعد الانتخابات.

فبالنسبة للمجلس الإسلامي فإن موقف المرجعية الدينية (السيستاني) قد يعطيه بعض القوة في مواجهة أي غضب قد يصدر عن الشارع العراقي، فضلا عن أن موقف هذا التيار من الاتفاقية لم يكن واضحا؛ بحيث يصعب تحميل تياره أي أوزار لهذه الاتفاقية.

أما على الجانب الأمريكي فإن هذا التيار سيكون في المنطقة الرمادية بين الرضا والغضب الأمريكي، والمجلس الإسلامي الأعلى يسعى إلى تشكيل فيدرالية في الجنوب من ثلاث محافظات "البصرة وميسان وذي قار"، وفى ظل هذه الاتفاقية مهما كانت نتائجها فإن احتمالات نجاحه في مسعاه كبير في مواجهة حزب الفضيلة الذي يسعى لأن تكون البصرة وحدها فيدرالية قائمة بذاتها.
ومن الأمور الجديرة بالملاحظة بالنسبة لهذا التيار أنه استطاع أن يحافظ على توازن ملحوظ في علاقاته بين الولايات المتحدة وإيران، وهذا من الأمور التي ستسمح له بقدر من المناورة مستقبلا.

وننتقل إلى التيار الصدري، وهو الطرف الشيعي الوحيد المعارض للاتفاقية، والذي يسير التظاهرات في الشارع العراقي المنددة بها وبمن يوقع عليها، بل إنه كان التيار المعارض وبعنف داخل البرلمان العراقي إلى درجة الاشتباك بالأيدي، كما تناقلته كافة الفضائيات.

لذلك إذا ظهرت مثالب لتلك الاتفاقية أو اتضح وجود ملاحق إضافية سرية لها فإن ذلك سيصب في صالح هذا التيار كدعم سياسي مضاف، وبالتالي فإن مكانته في هذه الحالة وسط التيارات السياسية الأخرى ستقوى، وسينعكس هذا بطبيعة الحال على أي انتخابات مقبلة.

أما في حالة العكس فإن ضررا بالغا سيلحق بهذا التيار، وسيتم الربط بين موقفه الرافض للاتفاقية وعلاقته بإيران.

وبالنسبة لحزب الدعوة فهو الذي يتحمل بالدرجة الأولى مسئولية التوقيع على تلك الاتفاقية، ومن الممكن أن تؤدي إما إلى انتحار سياسي لنوري المالكي أو إلى تدعيم لمكانته السياسية، وذلك حسب ما ستكشف عنه الأيام، لكن هل يستطيع المالكي إذا أعطته تلك الاتفاقية قوة أن ينفذ ما يريد بشأن التعديلات الدستورية؟

أعتقد أن الأمر ليس بهذه السهولة؛ لأن تلك التعديلات تتعلق بحسابات سياسية عراقية بالغة التعقيد، فعلى سبيل المثال فإن المجلس الإسلامي الأعلى سيقف في وجه أي تعديل دستوري ينتقص من صلاحيات الأقاليم لحساب الحكومة الاتحادية؛ لأن هذا المجلس يسعى إلى تشكيل إقليم في جنوب العراق، وإذا أضيف إلى المجلس التحالف الكردستاني الرافض بطبيعة الحال، فإن ذلك معناه أنه يستحيل تحقيق ما يريده المالكي.

وننتقل إلى التيارات العربية السنية، وهى تيارات مختلفة تحت قيادات مختلفة (عدنان الدليمي، صالح المطلك، طارق الهاشمي، حارث الضاري)، الحزب الإسلامي الذي يقوده طارق الهاشمي، نائب رئيس الجمهورية، مع الاتفاقية وبشكل معلن، ولذلك سيكون حاله حال التيارات الأخرى العراقية في حال ظهور مثالب لتلك الاتفاقية، كما ينطبق عليه أيضا ما على الآخرين في حالة ظهور إيجابيات لها.

أما تيار صالح المطلك وتيار عدنان الدليمي فإنهما يعارضان، ولكن بشكل غير حاسم ربما يقترب إلى درجة من درجات الميوعة، ولأنه ليس بدرجة وضوح الآخرين، "مؤيدين ومعارضين"، فإن الاتفاقية لن تؤثر كثيرا في مكانتهما السياسية.

تلك أهم التيارات السياسية في العراق ومدى تأثر كل منها المستقبلي بنتائج الاتفاقية.

يبقى أمر هام، وهو أن التحالفات السياسية في العراق ستحدث فيها تغييرات هامة، فمن المتوقع خروج التيار الصدري من الائتلاف الشيعي، وحدوث تحالف بين المجلس الإسلامي الأعلى والتحالف الكردستاني، "رئيس جمهورية العراق جلال الطالباني يذهب إلى مقر إقامة عبد العزيز الحكيم ويجتمع به!".

 وربما ينضم إلى هذا التحالف التيار العلماني بزعامة إياد علاوي، وربما تحدث أمور أخرى لا نستطيع التكهن بها من الآن، فالوضع العراقي مهيأ لأي احتمال.


  كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية والتركية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات